الجمعة، 23 ديسمبر 2011

دعوها فإنها منتنة

   
    جاء في البخاري أن رجلين من المهاجرين والأنصار تشاجرا فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِىُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "مَابَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ؟قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ .فَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة." و"كسع" معناها أنه تكلم فرماه على إثر قوله بكلمة يسوءه بها. هل تفكرنا في معنى كلمة (منتنة (ولو لدقائق فقط ؟ كل إنسان يعلم مامعنى كلمة نتن والنتانة هي الجيفة أو الشيء المتعفن الذي لايستطيع الإنسان الاقتراب منه. والشئ المتعفن هو المتهالك الفاسد الذى لا جدوى منه. وهو تشبيه منفر من هذا السلوك فلو شعر كل عنصر بعلوه على العنصر الآخر لتعفنت العلاقات بين المسلمين.
  
   والواضح من الحديث الشريف أن النبى صلى الله عليه وسلم يصف العنصرية بأنها جاهلية فالعرب قبل الإسلام كانت تتفاخر بأنسابها وكل شخص يقاتل بالباطل فى سبيل الدفاع عن قبيلته وهو ما سُمِىَ بالعصبية القبلية. وكان من بين أهم أغراض الشعر الذى برع فيه العرب هو الفخر وغالوا فى ذلك غلوا شديدا.

   وكان النبى صلى الله عليه وسلم – وهو الشريف -  أول من أسقط هذه العنصرية حين قال" إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة".
    وذات يوم اجتمع الصحابة في مجلس ، لم يكن معهم الرسول عليه الصلاة والسلام فجلس خالد بن الوليد .. وجلس ابن عوف .. وجلس بلال وجلس أبو ذر ...وكان أبو ذر فيه حدة وحرارة .....فتكلم الناس في موضوع ما .. فقال أبو ذر: أنا أقترح في الجيش أن يفعل به كذا وكذا فقال بلال: لا .. هذا الاقتراح خطأ ، فقال أبو ذر: حتى أنت يا ابن السوداء تخطئني فقام بلال مدهوشاً غضباناً أسفاً ...وقال: والله لأرفعنك لرسول الله عليه السلام ... وأندفع ماضياً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: يارسول الله ... أما سمعت أبا ذر ماذا يقول فيَّ ؟ قال عليه الصلاة والسلام: ماذا يقول فيك ؟؟ قال بلال: يقول كذا وكذا ...فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم .. وأتى أبو ذر وقد سمع الخبر .فاندفع مسرعاً إلى المسجد ...فقال: يا رسول الله ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..قال عليه الصلاة والسلام: يا أبا ذر أعيرته بأمه ...إنك امرؤ فيك جاهلية.!!فبكى أبو ذر .. وأتى الرسول عليه السلام وجلس ..وقال يارسول الله استغفر لي .. سل الله لي المغفرة ..ثم خرج باكياً من المسجد ...وأقبل بلال ماشياً .. فطرح أبو ذر رأسه في طريق بلال ووضع خده على التراب وقال: والله يابلال لا أرفع خدي عن التراب حتى تطأه برجلك. أنت الكريم وأنا المهان ....!!فأخذ بلال يبكي .. وأقترب وقبَّل ذلك الخد ثم قاما وتعانقا وتباكيا.
     كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من دعا الى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية" (صحيح مسلم) ..فالعصبية هى أساس الفتن وتجعل المسلمين فى فرقة وتناحر والدعوة لتجنبها واجبة حتى تسلم أمتنا من النعرات العصبية لطائفة أو مذهب أو وطن.

     كانت الجزيرة العربية تعج بعناصر شتى:العربى والرومى والحبشى والفارسى والمجوسى والمسيحى واليهودى. فكان من أولويات الإسلام هو تأليف قلوب هذه العناصر المختلفة .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا أبيض على أسود ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب"رواه جابر بن عبد الله.
وقال الله تعالى :ِ"إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"  (الحجرات : 13 ) فالأكثر تقوى هو الأكرم عند الله ولو كان عبدا حبشيا.
   والآن ارتفعت الأصوات تريد بنا أن نعود لعصر الجاهلية ، فهذا علمانى وهذا إخوانى وهذا ليبرالى وهذا سلفى وهذا سنى وهذا شيعى ، بل حتى تعدى الأمر إلى أكثر من ذلك أن كل مدينة تتفاخر على الأخرى فهذا دمياطى وهذا منوفى وهذا قاهرى وهذا صعيدى ، وهذا سكندرى ، وبدأت تظهر من جديد فكرة ارفع رأسك فوق أنت مصرى أو أنت ليبى أو أنت تونسى .....وهكذا. وهذا هو ما يريده الاستعمار دائما فى كل زمان ومكان أن يحيى النعرات القبلية..وتتجلى العصبية فى أبشع صورها فى مباريات الكرة.
   كما قالت اليهود والنصارى قديما نحن أبناء الله وأحباؤه وشعب الله المختار وكما نادت ألمانيا بنقاء الجنس الآرى على بقية الأجناس وكذلك فعل الإنجليز عندما تصوروا أنهم أرقى الأجناس. فأصبحت العنصرية على مستوى الدول وعلى مستوى الشعوب وداخل الدولة الواحدة.
     إذا دخلت العصبية فى أى شئ أفسدته فالمؤمنون جسد واحد هل يقول أحد مثلا أن القدم أفضل من الذراع او أن السمع أفضل من العين ؟
 قال – صلى الله عليه و سلم -:" مَن نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي رُدّيَ فهو ينزع بذنبه) " رواه أبو داود و إسناده صحيح )
"
و ينزع بذنبه " أي البعير الذي تردَّى في بئر و يحاول أصحابه أن يخرجوه مِن ذنبه .

   فالنصرة لابد أن تكون للحق,و ليس للقبيلة و الباطل . فإذا كان الربُّ واحداً , و النبي واحداً, و الدين واحداً , و الأب واحداً و الأم واحدةً ( آدم وحواء) فلماذا هذه الجاهلية ؟ قـال تـعـالى" :يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عليمٌ خَبِيرٌ" (13سورة الحجرات) قال لتعارفوا ولم يقل لتناحروا أو لتشاجروا أو لتفاخروا .. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله :" إنَّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم , و إنْ لم تكن ابن نبي و لا أبا نبي , فإبراهيم – صلى الله عليه و سلم – أكرم على الله مِن "يوسف" و إن كان أبوه" آزر" , و هذا أبوه "يعقوب" , و كذلك "نوح" أكرم على الله مِن "إسرائيل" , و إن كان هذا أولاده أنبياء , و هذا أولاده ليسوا بأنبياء . .و لهذا لم يُثنِ الله على أحد في القرآن بنسبه أصلاً : لا على ولد نبي , و لا على أبي نبي , و إنما أثنى على الناس بإيمانهم و أعمالهم , وإذا ذكر صنفاً و أثنى عليهم , فلِمَا فيهم مِن الإيمان و العمل الصالح , لا بمجرد النسب "    
    قال الله تعالى:"لتعارفوا": اى ليتعرف كل منا على فكر الآخر ويستفيد منه فقد استفاد النبى صلى الله عليه وسلم بفكرة سلمان وهو فارسى عندما أخذ برأيه فى غزوة الأحزاب بحفر خندق واعتبر أنه عربى ينتمى لبيت النبوة فقال:سلمان منا آل البيت كما أحب النبى صلى الله عليه وسلم صهيب الرومى وقربه إليه وكذلك فعل مع بلال الحبشى – رغم أن العرب كانت تنظر للأجناس الأخرى باحتقار- واستفاد المسلمون فيما بعد بثقافة المسلمين الأحباش عندما اختاروا اسم "المصحف" ليكون هو الكتاب الذى يضم القرآن لأن كلمة مصحف فى اللغة الحبشية تعنى "كتاب". بل إن القرآن نفسه استخدم ألفاظا من جميع اللغات لكى يؤكد فكرة محو الفروق بين الجنسيات المختلفة.

    و امتدح اللهُ – عزّ و جلّ- الصحابةَ – رضي الله عنهم – بإيمانهم و أعمالهم الصالحة , قال تعالى :"وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (التوبة:100)
    قال –صلى الله عليه و سلم - :" إنه أوحيَ إليَّ : أنْ تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد و لا يبغي أحد على أحد " ( رواه مسلم (و لهذا حذَّر النبي – صلى الله عليه و سلم- مِن أمور الجاهلية في حجة الوداع فقال :"ألا كلُّ شيء مِن أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع " (رواه مسلم( لأن التفاخر بالانساب هو بداية المشاحنه والمباغضة وبعد ذلك يأتي القتل.

  ولذلك فإن أول شئ فعله النبى صلى الله عليه وسلم عندما هاجر للمدينة هى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.. ولنا أن نتخيل إذا لم تتم تلك المؤاخاة فماذا كان سيحدث؟ كان سيحدث تقاتل وتناحر بين هاتين الفئتين ، كل فئة تريد أن تعلو على الفئة الأخرى والنتيجة ستكون هدم الدولة الإسلامية قبل أن تولد.

    فيا أيها المسلمون بكل طوائفكم وانتماءاتكم السياسية والفكرية وبكل مذاهبكم أناشدكم الله دعوها فإنها منتنة.
نرمين كحيلة

الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

فجر الضمير


     أتعجب حقا لما أصاب المصريين من تدنى أخلاقى وخروج على التقاليد والأعراف ، فمصر منذ فجر التاريخ عرفت العيب والحرام وهذا ما حدا بعالم الآثار"جيمس هنرى برستد" أن يؤلف كتابه "فجر الضمير" سنة 1933 الذى أثبت فيه أن الأخلاق نشأت فى مصر وأن الضمير بدأ فى مصر حيث يقول فى مقدمة كتابه:"إنه يجب على نشء الجيل الحاضر(فى الغرب) أن يقرأوا هذا الكتاب الذى يبحث فى تاريخ نشأة الأخلاق بعد بزوغ فجر الضمير فى المجتمع المصرى" ويقول الدكتور سليم حسن أستاذ المصريات فى مقدمته لهذا الكتاب أنه إذا كان المؤلف يحتم على شباب العالم الغربى أن يقرأوا هذا الكتاب فإنه يكون ألزم الواجبات على كل مصرى مثقف أن يستوعب ما احتواه لأنه تاريخ نشأة الأخلاق فى بلاده التى أخذ عنها العالم كله.

   وفى أول محاضرة لنا فى التاريخ الفرعونى سألنا أستاذنا:"هل تعرفون لماذا استمرت الحضارة المصرية ثلاثة آلاف عامًا؟ لأنها الحضارة الوحيدة التى قامت على الأخلاق" وتأكدت يومها أن قانون استمرار الشعوب هو حفاظها على الأخلاق والفضائل.وقد صدق الشاعر حين قال:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت                                                           فإن هموا هبت أخلاقهم ذهبوا

   فالمصرى بطبعه حييى يحب الستر والاحتشام ، بل حتى فى التماثيل المصرية نلاحظ الحشمة والوقار والميل إلى ستر الجسد أما فى التماثيل اليونانية والرومانية مثلا نلاحظ التكشف والعرى.. وبما أن مصر كانت أصل حضارة العالم ومنبت نشوء الضمير والبيئة الأولى التى نمت فيها الأخلاق فقد نشأ ما يعرف بأدب الحكم والنصائح وهو ما يعرف بالأدب التهذيبى أو أدب الحكمة والموعظة الحسنة لقدماء المصريين..وهى غالبًا ما تكون نصائح موجهة من أب خبر الحياة وذاق حلوها ومرها يسوقها لابنه لكى يعمل بها ، حتى يحقق لنفسه النجاح والفلاح فى حياته المستقبلة، أو من معلم لطلابه.

    فيقول "بتاح حتب" لابنه:"حصِّل الأخلاق وارع الحق واعمل على نشر العدالة ، وعامل الجميع بصدق" ، "لا تغتر بما حصلت عليه من العلم  فتستكبر ، ولا تتجبر ، ولكن اجعل الأمر شورى مع الجميع" ، "إذا وجدت رجلا يتكلم وكان أكبرمنك وأشد حكمة ، فاصغِ إليه واحن ظهرك أمامه (دليلا على الطاعة والاحترام) ،"إذا وجدت رجلا فقيرا يتكلم فلا تحتقره لأنه أقل منك بل دعه وشانه ولا تحرجه".

   وكذلك نصحه بأنه إذا دُعِىَ إلى وليمة أن يأكل مما يليه ولا يأكل كثيرا وأن يغض بصره ولا يقرب النساء..(وهو نفس ما قاله النبى صلى الله عليه وسلم:" يا بني سم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك"رواه عمر بن أبى سلمة) وهناك نصائح أخرى من حكماء آخرين تأمر الصغير إذا كان جالسا أن يقوم للكبير ليجلسه مكانه.

   قال الحكيم "آنى" لابنه أنه يجب البر بالوالدين وخصوصا الأم:"ضاعف الطعام الذي تقدمه لأمك ، احتملها كما احتملت قذارتك ، فهى قد حملتك طويلا تحت القلب عبئا ثقيلا فإن ثديها ظل فى فمك ثلاث سنوات ، لا تدعها تلومك وترفع أكفها إلى الله فيسمع شكواها".
    ولم يخلُ تمثال لفرعون إلا وهو يحتضن أمه بحب.. يقول الدكتور محمد العريفى أن موسى عليه السلام دعا على فرعون بالهلاك فأخر الله تعالى استجابة دعوته أربعين سنة لأنه كان بارًا بأمه.
   أما الملك "نفر إير كارع"  فكان شخصًا طيب القلب وفي نفسه شعور أصيل بحب من حوله والاعتراف بخطئه إذا أخطأ. فقد كان يفتتح ذات يوم أحد الأبنية فوكز وزيره بطريق الخطأ فاعتذر له. ولنا أن نتخيل فرعون بجلال قدره يعتذر وهذا دليل على تواضعه.
    وفى نصيحة الفرعون لابنه الأمير "مرى كارع":"إن فضيلة الرجل المستقيم أحب (عند الله) من ثور الرجل الظالم". يقصد أن الله يحب الأخلاق أكثر من حبه للأضحية أو القربان.

    أما   القصة الشهيرة فى التاريخ المصرى القديم وهى قصة الفلاح الفصيح فهى تحكى قصة فلاح مصرى بسيط وقع عليه ظلم شديد من أحد حكام الأقاليم (بمثابة محافظ الآن) فأرسل شكوى مباشرة إلى الفرعون يتظلم له من الظلم الذى وقع عليه وكان أسلوبه بليغا أعجب الفرعون فسكت حتى يرسل له الفلاح شكاوى بليغة أخرى حتى بلغ عددها تسعة فاستجاب الفرعون لطلب الفلاح ورد له حقه وعاقب الحاكم..وفى أحد هذه الخطابات يقول الفلاح الفصيح مخاطبا الفرعون ناصحا له:"إن العدالة خالدة الذكرى ، فهى تنزل مع من يقيمها إلى القبر ....ولكن اسمه لا يمحى من الأرض بل يذكر على مر السنين بسبب العدل".. سبحان الله!! لم يتواطأ الفرعون مع حاكم الإقليم بل استمع لنصيحة فلاح بسيط من شعبه وعاقب الجانى رغم عظم منصبه.

   والذى نلاحظه أن المصريين على مر تاريخهم استجابوا للأنبياء وآمنوا بهم فالنبى إدريس مثلا (وهو مصرى أرسله الله إلى المصريين) ذكره الله فى القرآن الكريم ولم يذكر أنه عذب قومه بسبب عدم إيمانهم به. وهذا دليل على حب المصريين الفطرى للخير والحق والدين فقد احترموا الأنبياء ولم يقتلوهم كبنى إسرائيل."واذكر فى الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليًا"(مريم:36-57)

     وقد اشتهر المصريون بالحكمة والعقل حتى أن الفلاسفة اليونان مثل أرسطو وأفلاطون وسقراط استقوا الحكمة من المصريين عندما اطلعوا عليها بعد زيارتهم لمصر.
     نحن عندما نفتخر بحضارة مصر إنما نفتخر بها كحضارة أخلاقية قبل أن نفتخر بها كحضارة علمية من طب وهندسة وعلوم.

   ونلاحظ ان الله عز وجل دائما يعذب الدولة الظالمة التى لديها انحلال اخلاقى حتى لو مسلمة وينصر الدولة العادلة ذات الأخلاق حتى ولو كافرة يقول ابن تيمية "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة " فقد عذب الله قوم لوط ليس بكفرهم ولكن بالفاحشة والشذوذ الذى استشرى فيهم..ولم يعذب قوم إبراهيم عليه السلام لأنهم كانوا ذوى أخلاق..وكذلك النبى شعيعليه سلام أرسله الله إلى قوم مدين حتى يرشدهم إلى مكارم الأخلاق {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}. أى أنهم كانوا يتعاملون بالربا ويقطعون الطريق فنهاهم عن ذلك. "ولا تقعدوا بكل صراط توعدون"(الأعراف:85،86)

 ولعل أغلب ما سطرته لنا المثل المصرية العليا هو عين ما جاء به الإسلام فيما بعد فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ولم يقل أنه بعث لكى يجعل الناس يصلون ويصومون.. أعنى أن كل العبادات موظفة لكى ترتقى بسلوك المسلم ، يعنى العبادات وسيلة إلى الأخلاق التى هى غاية الإسلام. "من لم يترك قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يضع طعامه وشرابه"(رواه البخاري والترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد).. صحّ مِن قول ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ : "مَن لم تأمره صلاته بالمعروف ، وتَنهه عن المنكر ، لم يزدد بها مِن الله إلاّ بُعْدًا" . رواه الإمام أحمد في " الزهد " وابن جرير في " التفسير " والطبراني . وصححه العراقي والألباني .
ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام عن تلك المرأة الصوَّامة القوَّامة : هي من أهل النار  لأنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها.(أخرجه الإمام أحمد)

      كانت هناك أخلاق موجودة بالفعل فى الجزيرة العربية كنجدة الملهوف والكرم والشهامة والمروءة لكنها كانت ينقصها بعض القيم الأخلاقية الأخرى فكانت مهمة النبى صلى الله عليه وسلم إتمام هذه المكارم..عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار"  وقال أيضا:"إن من أحبكم إلىَّ وأدناكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ، وإن أبعدكم منى مساوئكم أخلاقا......"(رواه جابر بن عبد الله الأنصارى)
   وإن موسى عليه السلام كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياءً منه.
    أما آن لنا أن نثوب إلى رشدنا ونعود إلى قيمنا المصرية الأصيلة وإلى فجر الضمير؟

نرمين كحيلة


الأحد، 18 ديسمبر 2011

الراية البيضاء



     لا أعرف لماذا تذكرنى مشاهد حريق المجمع العلمى بمسلسل الراية البيضاء وهو مسلسل درامي مصري من إخراج محمد فاضل، و تأليف أسامة أنور عكاشة ، ومن بطولة جميل راتب وسناء جميل وتدرو أحداثه عن إحدى أثرياء تجارة السمك ترغب في الاستيلاء على قصر أثري يقيم به أحد السفراء في فترة تقاعده.

    وأتذكر مشهد المعلمة فضة المعداوى بكل جهلها وحمقها وهى تلعب هى وذويها بإحدى تحف القصر الثمينة النادرة جهلا بقيمتها وعيون الدكتور مفيد أبو الغار تراقب بخوف وحذر هذه التحفة خوفا عليها من السقوط والانهيار ، وفى نهاية المشهد نرى دموع الدكتور وهى تسيل حزنا على انكسار هذه التحفة.. وفى نهاية المسلسل قام الدكتور مفيد ومعه كل محبى الثقافة والتاريخ بالتصدى بأجسادهم لآلة البلدوزر التى تريد هدم هذا القصر الأثرى الفريد.

    وكأن الكاتب كان ينظر بعين ثاقبة - وهو يكتب هذا المشهد - إلى ما يحدث فى مصر الآن .. فهؤلاء الحمقى ممن يريدون تدمير مصر تاريخيا وثقافيا وحضاريا وبشريا يفعلون نفس ما فعله التتار من حرق لمكتبة بغداد العظيمة وهي أعظم مكتبة على وجه الأرض في ذلك     الزمن.. وهي الدار التي كانت تحوي عصارة فكر المسلمين في أكثر من ستمائة عام.. جمعت فيها كل العلوم والآداب والفنون.. من علوم شرعية كتفسير القرآن والحديث والفقه والعقيدة والأخلاق، ومن علوم حياتية كالطب والفلك والهندسة والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وعلوم الأرض، ومن علوم إنسانية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والتاريخ والفلسفة وغير ذلك.. هذا كله بالإضافة إلى ملايين الأبيات من الشعر، وعشرات الآلاف من القصص والنثر.. فإن أضفت إلى كل ما سبق الترجمات المختلفة لكل العلوم، الأجنبية سواء اليونانية أو الفارسية أو الهندية أو غير ذلك علمت أنك تتحدث عن معجزة حقيقية من معجزات ذلك الزمان..

 لقد كانت مكتبة بغداد مكتبة عظيمة بكل المقاييس.. ولم يقترب منها في العظمة إلا مكتبة قرطبة الإسلامية في الأندلس.. وسبحان الله!!.. لقد مرت مكتبة قرطبة بنفس التجربة التي مرت بها مكتبة بغداد!!!..
 عندما سقطت قرطبة في يد نصارى الأندلس سنة 636 هـ (قبل سقوط بغداد بعشرين سنة فقط ( قاموا بحرق مكتبة قرطبة تماماً.. وقام بذلك أحد قساوسة النصارى بنفسه.. وكان اسمه "كمبيس"، وحرق كل ما وقعت عليه يده من كتب بذلت فيها آلاف الأعمار وآلاف الأوقات، وأنفق في سبيل كتابتها الكثير من المال والعرق والجهد..لكن هذه سنتهم!..
   يقول الدكتور راغب السرجانى: حروبهم هي حروب على الحضارة.. وحروب على المدنية.. وحروب على الإسلام.. بل هي حروب على الإنسانية كلها..

لقد حمل التتار ملايين الكتب الثمينة... وفي بساطة شديدة -لا تخلو من حماقة وغباء- ألقوا بها جميعاً في نهر دجلة!!!!..
      لقد كان الظن أن يحمل التتار هذه الكتب القيمة إلى "قراقورم" - عاصمة المغول ليستفيدوا- وهم لا يزالون في مرحلة الطفولة الحضارية - من هذا العلم النفيس.. لكن التتار أمة همجية.. لا تقرأ ولا تريد أن تتعلم.. يعيشون للشهوات والملذات فقط..لقد كان هدفهم في الدنيا هو تخريب الدنيا!!..
   ألقى التتار بمجهود القرون الماضية في نهر دجلة.. حتى تحول لون مياه نهر دجلة إلى اللون الأسود من أثر مداد الكتب.. وحتى قيل أن الفارس التتري كان يعبر فوق المجلدات الضخمة من ضفة إلى ضفة أخرى!!..
     هذه جريمة ليست في حق المسلمين فقط.. بل في حق الإنسانية كلها!!..وهي جريمة متكررة في التاريخ..
     لقد فعلها الصليبيون النصارى في الأندلس - كما ذكرنا - في مكتبة قرطبة الهائلة..
وفعلها الصليبيون النصارى في الأندلس مرة أخرى في مكتبة غرناطة عند سقوطها، فأحرقوا مليون كتاب في أحد الميادين العامة!!..
  وفعلها الصليبيون النصارى في الأندلس مرة ثالثة ورابعة وخامسة وعاشرة في مكتبات طليطلة وأشبيلية وبلنسية وسرقسطة وغيرها..وفعلها الصليبيون النصارى في الشام في مكتبة طرابلس اللبنانية فأحرقوا ثلاثة ملايين كتاب..وفعلها الصليبيون النصارى في فلسطين في مكتبات غزة والقدس وعسقلان..
     ثم فعلها بعد ذلك المستعمرون الأوروبيون الجدد الذين نزلوا إلى بلاد العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر، ولكن هؤلاء كانوا أكثر ذكاء؛ فإنهم سرقوا الكتب ولم يحرقوها، ولكن أخذوها إلى أوروبا، وما زالت المكتبات الكبرى في أوروبا تحوي مجموعة من أعظم كتب العلم في الأرض.. ألّفها المسلمون على مدار عدة قرون متتالية.. ولا يشك أحد في أن أعداد الكتب الأصلية الإسلامية في مكتبات أوروبا تفوق كثيراً أعداد هذه المراجع الهامة في بلاد المسلمين أنفسهم!!..
     لقد كان من أولويات الغزاة على طول العصور أن يحرموا هذه الأمة من اتصالها بأي نوع من أنواع العلوم.. إما بحرق الكتب أو بإغراقها في الأنهار أو بسرقتها.. أو بتغيير مناهج التعليم - حالياً- حتى تفرغ من كل ما هو قيّم وثمين.. كل ذلك لأن الغزاة يعرفون جيداً قيمة العلم في دين الإسلام.. ويعرفون كذلك قوة المسلمين إذا ارتبطوا بالعلم..
    وبات الآن واضحا الهدف الحقيقى وراء حرق المجمع العلمى الذى يحتوي على الخرائط الأصلية و الوثائق التي تحدد حدود الدولة المصرية القديمة ...وهي الخرائط التي تم استخدامها لإثبات أن نقطة طابا الحدودية هي أرض مصرية كما أنه تم استخدامها لتحديد أن حلايب وشلاتين أرض مصرية ويتم استخدام هذه الوثائق لاثبات حدود الدولة المصرية على مر التاريخ.
  
    تماما مثلما حرق اليهود – فى هذا العصر - متحف بغداد لأنه يضم لوحة أثرية تصور ملك بنى إسرائيل وهو يقبل الأرض من تحت أقدام ملك العراق ويعلن له استسلامه وخضوعه وقبوله دفع الجزية قائلا له بالحرف الواحد:"أنا كلبك وابن كلبك".

 وكان أول سؤال لأحد المسؤولين اليهود:هل دمرتم هذه اللوحة؟

  ولا يعلم حجم الكارثة إلا المؤرخين والباحثين فى التاريخ وعلماء الآثار مثلما يعرف الجواهرجى قيمة الذهب ، فأول درس تعلمته فى الكلية أثناء دراستى للتاريخ أن التاريخ هو ذاكرة الأمة فلا تستطيع أمة أن تعيش بدون ذاكرة ومن ليس له تاريخ ليس له حاضر ولا مستقبل ، يريدون محو ذاكرتنا وهويتنا وتاريخنا حتى نصبح مثلهم بلا تاريخ ، فكتاب هيرودوت المؤرخ اليونانى الشهير الذى زار مصر وسجل كل مشاهداته بخط يده عنها يعتبر مرجعا رئيسيا لكل باحث فى تاريخ مصر وكذلك كتاب وصف مصر – الحسنة الوحيدة للحملة الفرنسية – والذى ألفه مجموعة من العلماء الفرنسيين الذين جاءوا مع الحملة الفرنسية وكتبوا وصفا دقيقا مصر فى كل المجالات..هذه الكتب فقدانها خسارة حقيقية فادحة لمصر.

      إن حرق المجمع العلمى هو القنبلة الحقيقية المسيلة للدموع.
   إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن على ما يجرى فيك يا مصر.. هم يريدوننا أن نرفع الراية البيضاء لهم ولكن هيهات هيهات أن نفعل وسنتصدى جميعا بأجسادنا لآلة البلدوزر التى تريد هدم مصر.

نرمين كحيلة


الخميس، 15 ديسمبر 2011

قصتى مع الحجاب

أحكى لكم قصتى يا إخوانى مع الحجاب وهى قصة أرويها لكل بنت لا تريد أن تلبس الحجاب ولكل أب أو ابن أو زوج أو أخ يترك ابنته أو أخته أو زوجته بدون حجاب بل فى بعض الأحيان يحرضها ضده ويهددها بالطلاق إن لبسته بحجة أن شكلها وحش أو فلاحى .....إلخ..لا تتعجبون فأنا أعرف ناس فعلا فعلت هذا.
أنا تحجبت قبل أن أكمل عامى الثانى عشر ، وكان جسدى نحيلا وصغيرًا وأبدو أصغر من سنى ولا أخفيكم القول كان قرار الحجاب هو أصعب قرار اتخذته فى حياتى ، اسمع بعضكم يقول:لماذا؟ سأجيبكم:الحقيقة أن فطرة الله التى فطر النساء عليها هى حب إظهار المفاتن والجمال فلا توجد امرأة فى العالم لا تحب إظهار جمالها ومفاتنها ، هكذا خلقها الله.. وإن أسعد لحظة فى حياة أية امرأة هى حينما تسمع إطراء أو إعجاب من المحيطين بها عن جمالها وأناقتها لذلك فحين تؤمر بإخفاء هذا الجمال هو فعلا اختبار صعب ولكنى وضعت رغبتى الداخلية فى كفة ورغبة الله وأمره فى كفة أخرى ووقفت فى المرآه وقلت لنفسى: اللهم إنى أشهدك أنى أخفى أنوثتى وأغطى جمالى ابتغاء مرضاتك.. ثم ارتديت الحجاب وأنا سعيدة وفخورة أنى انتصرت على نفسى الأمارة بالسوء وانتصرت على شيطانى وأنى نفذت أول أمر إلهى فى تلك السن ، وأحسست بطاقة نور تشع من وجهى وأنا بالحجاب.. وهنا كان الاختبار صعبًا للغاية فقد حوربت من الجميع وكان علىَّ أن أحارب فى جبهتين:الأولى جبهة عائلتى التى كانت تمانع منعًا باتا فى ارتدائى إياه والثانية:المجتمع كله الذى كان يرفض تمامًا ارتداء طفلة للحجاب ويراه تزمتا خاصة فى وقت لم يكن الحجاب فيه منتشرا مثل الآن.
    كنت أول وأصغر بنت تتحجب فى العائلة وبدأ الجميع يلقبنى بست الشيخة فقلت:مش مهم شيخة شيخة بس أرضى ربنا ، فليت الذى بينى وبينك عامر وبينى وبين العالمين خراب.. وذات يوم ذهبت لزيارة إحدى أقاربى التى رزقت بمولود جديد وعندما حملت الطفل بين ذراعى قال لى جده مستهزئا:لا تفعلى فهو حرام لأن الرضيع ولد وأنتِ بنت محجبة..فقلت لنفسى سرًا:"اللهم إنى أشهدك أنى أتحمل الأذى و السخرية  لأجلك وأقول كما قال نوح عليه السلام لقومه:إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون".."فحاق بالذين سخروا منهم"
  وبدأت المغريات تحيطنى فكان حفل زفاف أحد أقاربى وكل بنات العائلة ذهبن ليصففن شعورهن ويلبسن الملابس المكشوفة وحاول الجميع أن يثنينى عن فكرة ارتداء الحجاب فى الفرح وقلن لى:دى ليلة مفترجة وتعدى روحى اعملى شعرك زينا وابقى ارجعى اتحجبى تانى".. وكان هذا اختبارًا صعبًا مثل الذى تعرض له بنى إسرائيل لما نهوا عن الصيد يوم السبت." واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون" (الأعراف 163)
وقاومت بشدة كل الإغراءات التى تحثنى على خلع الحجاب فى تلك الليلة وكنت أيضا الفتاة الوحيدة المحجبة فى الفرح وكنت محط أنظار الجميع ؛ نظرات استنكار وكأننى شاذة عنهم ولكنى تعمدت أن أتجول بحجابى بين الموائد وأنا أرفع رأسى ليرى كل الناس أنى أنفذ تعاليم الله وأتجاهل كل التعليقات السخيفة.
وكان أصعب اختبار حين كنت بمصيف مع عائلتى ورأتنى جدتى وقالت لى:إيه اللى انتِِ لابساه ده يا بنت؟ ده مش للبنات الصغيرين ده للعواجيز اللى زيى ثم خلعت حجابى وألقت به على الأرض فأخذته بسرعة وارتديته وقلت لها:لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.
والحقيقة أن الوحيدة التى كانت تشجعنى على الحجاب هى أمى - رحمها الله -وأحضرت لى كتاب لنعمت صدقى اسمه:"التبرج"  كانت تروى فيه المؤلفة قصتها مع الحجاب فتقول أنها كانت سافرة وتلبس ملابس قصيرة وضيقة وتصفف شعرها بأحدث الصيحات والتسريحات إلى أن حدثت لها حادثة تصادم جعلتها تعيش فى الجبس شهورا وتقول المؤلفة واصفة حالها:وجدت أن الله عاقبنى لأنى لا اريد أن أرتدى الحجاب فجعلنى أرتدى حجابا من الجبس حول رأسى وجسدى فنذرت نذرا لله إن شفانى فسوف أرتدى الحجاب فقد فهمت الدرس يا رب..واشترت أمى نسخا من الكتاب وكانت تهديه إلى كل بنت متبرجة وتحجبت على يديها عشرات الفتيات.
أما نظرات المجتمع فقد ظلت تلاحقنى أينما ذهبت فمن يقول لى:يا عينى يا حبيبتى ليه كدة ده انتِ لسة صغيرة على الحجاب؟ فأقول: التدين ليس له سن وهو أمر الله..فيقولون:ربنا يزيدك إيمان..واستطعت إقناع بنات العيلة اللاتى فى مثل سنى بارتداء الحجاب وبالتالى فقد أصبحت خطرًا يهدد بنات العائلة بعد أن انتشر الحجاب بسببى وبدأوا يحذروننى من إقناع المزيد من الفتيات بهذا الفكر الارهابى المتطرف.. أنا لا أمزح واللهِ هذا ما حدث أرويه لكم بكل صدق لتعرفوا كم المعاناة التى يلاقيها المؤمن فى خلال دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
عزيزتى الفتاة لا تستمعى لكلام أحد ولا لسخرية أحد واستمعى فقط لأمر خالقك وتذكرى أنك ستقفين بمفردك أمام الله يوم القيامة وتندمين أشد الندم على كل لحظة عصيتِ فيها الله وتعضين أصابع الندم وتقولين:"يا ويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا"
نرمين كحيلة

لا تفرح

    هذه ليست دعوة للحزن وإنما هى أمر من الله إلى المؤمنين حيث قال تعالى "لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور ٍ" (الحديد:23)

    سعى الإسلام - ابتداءً - إلى تصحيح معتقد الناس تجاه ما يجري في هذه الحياة الدنيا، حين أعاد الأمر كله لله تعالى؛ مُلْكاً وخَلْقاً، ومشيئةً وقضاءً، فبدأ الآيات بتلك المقدمة: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ .........} [الحديد : 22-23].
     إن الله وهو يربي عباده ويقوِّم سلوكهم - يبين لهم أنه - تعالى – قدَّر مقادير الخلق قبل أن يخلق الأرض،فكل مصيبة أو نعمة تصيب الإنسان هى أمر مقدَّر في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله الخلائق بخمسين ألف سنة.

   إذا علم المؤمن ذلك وآمن به، أيقن أن هذا المقدَّر لا يدفعه سخط ، ولا ينجي منه جزع، عندها يضبط انفعالاته بضابط الشرع، سواء فيما اتصل بحزنه ، أو في فرحه    وأياً ما كان التوجيه، فما يقال في أمر المصيبة المحزنة، يقال في أمر النعمة المفرحة؛ فالمسلم المتَّزن - في ضوء توجيهات الآية السابقة - لا يحزن حزن القانط من رحمة الله ولا يندم على شئ فاته ، ولا يفرح فرح البطر المنسي لشكر الله.

    ولهذا ختم الله الآية بقوله: " وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ " أي: متكبر فظ , معجب بنفسه, فخور على الناس بنعم الله, ينسبها إلى نفسه.
    وعن ابن مسعود أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه" ثم قرأ "لكيلا تأسوا على ما فاتكم" أى كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم ما كان ليفوتكم "ولا تفرحوا بما آتاكم" أي من الدنيا. وروى عكرمة عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا، وغنيمته شكرا. والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز، قال جعفر بن محمد الصادق: يا ابن آدم ما لك تأسى على مفقود لا يرده عليك الفوت، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت. وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاحتقار، وكلاهما شرك خفي.  
      أما قوله تعالى:((إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ))[القصص:76]؟  فهذه الآية نزلت في قصة قارون: "إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ" والمراد بذلك الفرح الذي يصحبه الكبر والبغي على الناس والعدوان والبطر واحتقار الناس ، هذا المنهي عنه ، أما الفرح بنصر الله وبرحمته ونعمه وإحسانه فهذا مشروع؛ كما قال الله عز وجل:"قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ"(يونس:58).
 
      إن ترف قارون ومرحه جعله أنموذجاً لكل الأصناف، التي صدرت منها صور من الفرح المذموم؛ فقارون من اليهود الذين عُرف عنهم حب المال وعبادته, وتقديم الفرح به على كل شيء. وقد كان من بني إسرائيل, قومِ موسى, وكان من أعبد بنى إسرايل وأقربهم لموسى عليه السلام وكان فقيرا فقال لموسى عليه السلام:"ادعو لى ربك أن يغنينى" فقال له:"ولكن هل توفى حق الله لو أصبحت غنيا؟" قال:"نعم" فآتاه الله تعالى مالاً كثيراً, فرح به فرحاً جعله يتجاوز الحد, فتطاول على قومه, وأعرض عن الاعتراف بفضل الله, وتجاهل الحقوق الواجبة عليه, فاستحق بذلك ما استحق.

 فانقسم قومه تجاه مسلكه إلى فئتين:
الأولى: كانت الفئةَ المؤمنة، التي لا تشغلها زخارف الدنيا ولا الفرح بها عن القيم العليا والدار الآخرة, فذهبت هذه الفئة إلى قارون ومن فُتِن به واعظةً ومحذرة: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}، {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77]،  والفَرِح بكسر الراء: مَن أكثر من الفرَح، وتخلَّق به على الدوام  حتى يصير خُلُقاً فيه , فينقلب من انفعال نفسي معفوٍّ عنه إلى صفة مذمومة.
     إن قارون لم يبتغ فيما آتاه الله الدار الآخرة, وإنما كان همه الدنيا فقط, ولم يحسن إلى الناس كما أحسن الله إليه, ودفعه فرحه المذموم إلى البخل, فوعظه قومه في هذه الأمور؛ لكنه لم يُلقِ لهم بالاً, وحمله فرحه إلى العُجْب بنفسه {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}[القصص:78].
    الثانية: الفئة المفتونة: كانت الموعظة من الفئة المؤمنة إلى أولئك الذين فتنوا بكنوز قارون، وتمنوا شيئا منها {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}[القصص:79]
   {فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ في زِينَتِهِ} [القصص:79], والتعبير ب"على" يتضمن معنى التكبر
والتطاول, حمله فرحه على المرح، فأظهر ماله, وعرض زينته, وصاحب هذا ازدراءٌ لقومه؛ لأنهم لا يملكون ما يملك.

    وكانت نهاية قارون دليل واضح على أن الإيتاء لا يدل على الرضا من المعطي, ولا على إكرام, ولا كان هذا العطاء مانعاً من العذاب, بل قد يكون العطاء طريقاً للهلاك, ومؤشراً على قربه {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام:44]، ولمّا غابت هذه الحقيقة عن المترفين، صارت أموالهم مدعاةً للفرح والبطر, بدلاً من أن تكون فرصةً للتأمل والمراجعة.

    
فالمؤمن يفرح أن الله هداه إلى الإسلام، وأن الله أعانه على صلاة الجماعة، وأن الله أعانه على بر والديه وصلة أرحامه، وأعانه على فعل الخير هذا مشروع، ينبغي له أن يفرح بذلك، ويحمد الله على ذلك.
    ويقول الباحث:زيد عمرو عبد الله فى البحث الذى قام به بعنوان:"الفرح..دراسة قرآنية تربوية": وقد ذكر الفرح في القرآن الكريم في اثنين وعشرين موضعاً، هذا الفرح المذكور في القرآن قسمان: مطلق ومقيد. مطلق لم يقيد بسبب للفرح وهو مذموم ، ومقيد ينقسم إلى قسمين: مقيد بالدنيا وهو مذموم كالقسم الذي قبله، أو هو الفرح بفضل الله ورحمته وينقسم أيضاً قسمين: فرح بالمسبب وفرح بالسبب. أما الفرح المطلق فقد ذكر في خمسة مواضع بالقرآن. والمقيد بالدنيا ذكر في ثلاثة عشر موضعاً.والمقيد بفضل الله ورحمته ذكر في أربعة مواضع موضع واحد للفرح بالمسبب وثلاثة للفرح بالسبب.
    فقد قال ربنا تبارك وتعالى:"ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور  ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور" (هود:9،10)  فهذا فرح مطلق ولهذا فهو مذموم. يخبر الله تبارك وتعالى في هاتين الآيتين عن طبيعة الإنسان أنه جاهل ظالم لأنه إذا أذاقه سبحانه منه رحمه كالصحة والرزق والأولاد ونحو ذلك ثم نزعها منه فإنه يستسلم لليأس وينقاد للقنوط فلا يرجو ثواب الله تعالى ولا يخطر بباله أن الله سيردها أو مثلها أو خيراً منها عليه. وإذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته أنه يفرح ويبطر ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير، فيفرح بما أوتي مما يوافق هواه، ويفخر بنعم الله على عباد الله، وذلك يحمله على البطر والإعجاب بالنفس والتكبر على الخلق واحتقارهم وازدرائهم. وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان إلا من وفقه الله وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضدّه، ولهذا أعقب الله تعالى هاتين الآيتين بقوله تعالى: "إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات" صبروا إذا آتاهم الله نعمة ثم نزعها منهم، أولئك لهم مغفرة أجر كبير.لذلك فالمؤمن يقول إذا جاءته المصيبة:"اللهم اأجرنى فى مصيبتى واخلفنى خيرًا منها" وبذلك يكون مطمئن البال لا يصاب بالاكتئاب أو الأمراض النفسية والذبحة الصدرية  إذا لم يرزق بالأولاد أو ضاعت أمواله فى البورصة أو تأخر به سن الزواج أو فقد عزيزا ....إلخ.. بل يكون راضيا فى كل الأحوال.
    وأما القسم الثاني: الفرح المقيد بالدنيا فنجده فى تلك الآيات الأربع من سورة الأنعام من الآية الثانية والأربعين إلى نهاية الآية الخامسة والأربعين.. يقول الله تعالى: "...........فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء" أي من الدنيا ولذاتها وغفلاتها. "حتى إذا فرحوا بما أوتوا" من الدنيا. "أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون" أي آيسون من كل خير، وهذا أشد ما يكون من العذاب أن يؤخذوا على غرة وغفلة وطمأنينة ليكون أشد لعقوبتهم وأعظم لمصيبتهم.
)
الأنعام:42-45).

    هذا ويقول علماء النفس عن انفعال الانسان بالفرح والحزن أنه في حالة حدوث الإنفعالات بشكل مستمر ودائم يترتب عليه العديد من التغيرات الفسيولوجية مما يؤدي إلى حدوث تغيرات عضوية في الأنسجة وينشأ في هذه الحالة ما يسمى بالأمراض النفسية – الجسمية أو( السيكوسوماتية) . ومنها قرحة المعدة وإرتفاع ضغط الدم والذبحة الصدرية.
  حيث يؤثر الإنفعال على تفكير الفرد فيمنعه من الإستمرار كما هو الحال عند فقدان عزيز..ويقلل الإنفعال من قدرة الشخص على إصدار الأحكام الصحيحة كما يؤثر أيضا على الذاكرة ويقول علماء النفس أنه لتقليل أضرار الانفعالات والسيطرة عليها يجب جعل الطاقة الانفعالية في أعمال مفيدة حيث يولد الانفعال طاقه زائدة في الجسم ومن الممكن أن يتدرب الإنسان على أن يقوم حينما ينفعل ببعض الأعمال المفيدة للتخلص من هذه الطاقة. وهذا ما نصحنا به الإسلام حين قال أنه عند الفرح بنعمة يجب أن نسجد سجدة شكر لله لنخلص الجسد من هذه الشحنات الكهرباية الزائدة المضرة بالجسم.
وقال سبحانه: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم:43]. يعنى الفرح والحزن بمقادير الله.
    ولقد أدرك الفلاسفة وعلماء النفس هذا الأمر، فنبَّهوا إلى أثر الإرادة في تهذيب الفرح  باعتباره انفعالاً، وعبّر بعضهم عنها بقوة الأعصاب ، أو بضرورة ممارسة الفضيلة؛ لتجنب الآثار السلبية للفرح على النفس.
          إن الصبرالمأمور به شرعاً خيرُ ضابط لانفعالات الإنسان, وأفضل معين على زينة الدنيا وفتنتها, والصبر أكمل وأكثر نفعاً من الضوابط التي وضعها الفلاسفة وعلماء النفس.
    إن الإنسان - بصفة عامة - غيرُ متَّزن تجاه انفعالاته، وما يَعْرض له، وأكد القرآن الكريم هذه الصفة في مواضع منها: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} [ المعارج:19-21]، والهلع: قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها، أو عند توقع ذلك والإشفاق منه.
    لذلك فقد حرص الإسلام على تهذيب الفرح وتوجيهه ؛ لإبراز الجانب الإيجابي منه، ولاستثماره بما يعود على النفس بالخير والسعادة.

     لا يخلو الفرح من آثار سلبية، بخاصة إذا بُني علي أساس غير صحيح، يقول ديكارت: "إن انفعالَي الفرح والحزن حين يكونان متساويين في الاستناد إلى أساس خاطئ؛ فإن الفرح في العادة يكون أشدَّ ضرراً من الحزن". ويعلل هذا قائلاً: "لأن هذا الأخير – يعنى: الحزن - حين يلزمنا جانب التحفُّظ والتخوُّف يعدنا بطريقة ما إلى الحيطة والحذر، في حين أن الآخر - الفرح - يجعل الذين يستسلمون له جسورين وغير مبالين".

    وقد فسر أحمد بن يحيي ثعلب الفرح بأنه: "خفة في النفس ، وما قصة الرجل الذي وجد راحلته، التي عليها طعامه وشرابه، بعد أن يئس منها، واستسلم للموت عنا ببعيدة؛ فإنه حين وجدها واقفة فوق رأسه، قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ هذا الخطأ الشنيع من شدة الفرح"

   وقد لاحظ "أفلاطون" هذا الشيء؛ فقال: "إن اللذة المفرطة تجعل الإنسان هائم العقل مضطرباً، مثل ما يفعل به الحزن في الغالب"

لعل ما تقدم يفسر لنا: لِمَ كانت العرب تعدُّ تركَ الفرح منقبةً تُمْدح بها؟

    
ويُسهِّل فهمَ تفسير ثعلب للفرح بأنه خفة في النفس - ما ذكره العلم الحديث: من أن الإنسان الفرِح يسرع نبضه؛ لأن الأوردة المتجهة إلى القلب تتوسع، ويكون الدم فيها ساعة الفرح سائلاً جداً ورقيقاً ، ويتناسب مع هذا قول العرب في وصف الشخص (الفَرِح) بقولهم: "يكاد يطير من الفرح".

   وأكثر من هذا؛ فإن الفرح قد يؤدي إلى الموت، بخاصة أن الفرح يأتي فجأة ، وفى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أهل الجنة ما يُعِين على تفهُّم هذا الرأي، فقد قال في وصف فرح أهل الجنة: ((فلولا أن الله قضى لأهل الجنة الحياة فيها والبقاء، لماتوا فرحاً)).
    والسرور كالفرح وحسبنا دليلاً سرور الكافر بين أهله في الدنيا، كما قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً } [الانشقاق: 13]، وهو سرور مملوء بالكدر؛ لأنه جَلَبَ لصاحبه عذاباً شديداً في الآخرة، ولم ينل من حقيقة السرور في الدنيا إلا القشور.
    والحزن كذلك يجب أن يتم تهذيبه فقد حزن الرسول - صلى الله عليه وسلم - على موت ابنه إبراهيم، وكان حزنه منضبطاً بالشرع حين قال: ((إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا)).

    وكذلك الغضب، فهو انفعال ، الإفراط فيه مذموم، ولهذا عَدَّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان، وأوصى رجلاً، فقال له مراراً: ((لا تغضب)).

    والتفريط في الغضب، وانعدامه في النفس - مذمومٌ؛ لأنه لا يبقي فيها حميَّة ولا غَيْرَةً، وحين أمر الله تعالى ملائكة العذاب أن تهلك أهل قرية، أمرها أن تبدأ بعابد من أهل هذه القرية؛ لأن وجهه لم يتمعَّر بسبب انتهاك حرمات الله، ولم يغضب في الله أبداً.

    إن المسلم مأمور بأن يفرح، حين ينتصر الحق على الباطل، في أيٍّ من ميادين الصراع, وهو فرح محمود يثاب عليه.
 قال تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم:2-5].
     أنزل الله تعالى هذه الآياتِ مشيرةً إلى هزيمة الروم, ومؤكدةً أن الفرس سيُهزمون في معركتهم القادمة مع الروم, وسيكون هذا بعد عدة سنوات, وعندها سيفرح المسلمون بنصر الله, وقد تحقق وعد الله.
     لقد ذكر القرآن الكريم فرح الشهداء (وهو الفرح المقيد بسبب)، وهم أولئك الذين فرحوا بالإسلام في الدنيا؛ فهانت عليهم أرواحهم في سبيله؛ فماتوا من أجله؛ فامتد فرحهم في الآخرة؛ يقول الله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران : 169-170].

   إنه فرح متميز لفئة مخصوصة بالتكريم, تفرح عند ربها فرحاً يليق بهم في مقامهم ذاك, وقد أومأت السُّنَّة إلى بعض مظاهره، حين ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة، تروح وتغدو أينما شاءت، تتمتع بنعيم الجنة, يفرحون بما آلت إليه حالهم بفضل الله تعالى, ويستبشرون بما ستؤول إليه أحوال إخوانهم الذين يطمعون أن يرزقوا الشهادة، وينتظرون اللحوق بإخوانهم.

     إن فرح المؤمن بلقاء الله يفوق الوصف, حين يقال له: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر : 27-30] فلو لم يكن إلا هذه الفرحة وحدها، لكان العقل يأمر بإيثارها، فكيف ومن بعدها أنواعٌ من الفرح؟.

    لقد كان لعدم توازن الكافر في انفعالاته مظاهر وآثار منها: أن فرحه محصور في الدنيا, ولا يلتفت إلى نداء الآخرة. يقول الله تعالى: {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ } [الرعد:26].
    في قصة سليمان - عليه السلام - مع ملكة سبأ, صورتان متقابلتان لفرح المؤمن وفرح الكافر: لقد فرح أهل سبأ بهديتهم التي حُملت إلى سليمان, وهي شيء تافه إذا ما قيست حتى بنعيم الدنيا, وقد ظنوا أن نبي الله سليمان سيفرح بالهدية كما فرحوا: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل:35-36].

   أجابهم سليمان – عليه السلام - باستنكار: أنتم وحدكم الذين تفرحون بمثل هذه التوافه, أما نحن، فإنَّا نفرح بما آتانا الله من إيمان؛ فهو مصدر الفرح الحق.

   وثمَّةَ وجهٌ آخر مذموم في فرح الكافر, وهو أنه يفرح بالنعمة من حيث هي نعمة، دونما التفات إلى مصدرها؛ فهو فرح يتعلق بالنعمة نفسها, وليس لكونها من الله تعالى: {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا}, {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا}.
     ذكر الرازي  مثالا حسيّاً قرَّب به هذا المعنى، فقال: "لو أن ملكاً وضع أمام أحد الأمراء رغيفاً, أو أمر الخادم أن يضع أمام هذا الأمير زبدية طعام؛ فإن الأمير يفرح بهذا، ولو قدم الملك إلى فقيرٍ رغيفاً, أو زبدية طعام غير ملتفت إليه؛ فإن الفقير يفرح, لكن فرح الأمير يكون بهذا الشيء اليسير من يد الملك, أو بأمره, أما فرح الفقير الغافل، فإنه يكون بالرغيف والزبدية, وشتَّان بين الفرحَيْن, مع أن ما فرحا به شيء واحد".

    إن الفرق ظاهر بين حال الكافر في فرحه وحال المؤمن، فارتباط فرح الكافر بالنعمة ذاتها يفسر عدم توازنه ؛ لأنه يفرح بها فرح البَطَر إذا أقبلت, ويحزن حزناً شديداً إذا فقدها؛ لافتقاره للضابط ، الذي يكبح جماع انفعالاته.

    أما المؤمن، فإنه حين ترتبط النعمة عنده بالله تعالى؛ فإنه يفرح بها فرح المقرِّ بفضل الله الوهاب لها, فلا يبطر؛ لأن المعطي فوقه يرقب فعله, وإن نزعت منه النعمة, أو فاته الحصول عليها يصبر؛ لاعتقاده أن ما حصل كان بقضاء الله وقدره, وقد تعود إليه, ويظفر بها مرة أخرى ما دام أمرها بيد الله تعالى.

     إن هذا المسلك الذي ارتضاه الكافرون جعلهم يُعْرِضون عن دعوة الرسل فرحاً بما عندهم {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون } [غافر : 83].
وفيهم يقول الله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53].
    وعلى ذلك فإن الفرح المذموم يجعل صاحبه يسيء الظن بالله؛ لأنه يخشى أن ينزع الله منه الأشياء المفرحة.
   والمرح مذموم أيضا فقال تبارك وتعالى:"ولاتمش في الأرض مرحا" والمرح شدة الفرح.
     ومن هنا فإن المؤمنين لا يفرحون، ولا يحزنون  وقد رأينا مثل هذا التوجه عند بعض الفلاسفة، مثل سقراط، ومن تبعه مثل الكندي حيث يرى هؤلاء: أنه لا ينبغي للإنسان أن يقتني أشياء مفرحة؛ لأنه إذا فقدها حزن"

       وفى ذاكرة كل منا حوادث مؤسفة سُمعت أو شوهدت, أعقبت فرحاً,فأعقبها حزن - كالتهور في قيادة السيارات مثلاً - كان القصد منها التعبيرَ عن الفرح؛ فأدت إلى حالات وفاة, أو إعاقة دائمة تظل ماثلة أمام الناس, ومن العجب أنها نشأت بسبب التعبير عن الفرح, يقول ديكارت  "إن دفع الأشياء التي تضر، ويمكنها أن تهدم أهمُّ من اكتساب الأشياء التي تضيف كمالاً، نستطيع أن نستمر في الحياة بدونه".

وقد سبق الشرع الحكيم إلى هذا المعنى في القاعدة المشهورة التي تقول: "دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة".

نرمين كحيلة