الخميس، 9 مايو 2013

تبرير المعصية




     من العجيب للعاصى أن يبرر معصيته بدلا من الاعتراف بها والندم عليها فكانت أول معصية تمت هى معصية الشيطان عندما رفض السجود لآدم وبدلا من التوبة والاستغفار قام بتبرير معصيته.
قَالَ مَا مَنَعَك َألا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الأعراف:12)
     هذه القصة ذكرها اللّه تبارك وتعالى في سورة البقرة، وفي أول سورة الأعراف، وفي سورة الحجر، والكهف،  وهي أن اللّه سبحانه وتعالى، أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام، بأنه سيخلق بشراً من صلصال من حمأ مسنون، وقد تقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته، فليسجدوا له إكراماً وإعظاماً واحتراماً وامتثالاً لأمر اللّه عزَّ وجلَّ، فامتثل الملائكة كلهم سوى إبليس ولم يكن منهم جنساً، كان من الجن وليس من الملائكة فخانه طبعه وجبلته، فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عزَّ وجلَّ فيه، وادعى أنه خير من آدم، فإنه مخلوق من نار، وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر اللّه تعالى، وكفر بذلك فأبعده اللّه عزَّ وجلَّ، وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض.

   ولو قارنا بين موقف الشيطان وموقف آدم عليه السلام لوجدنا أن الاثنين عصيا الله ولكن الفرق بينهما أن الشيطان برر معصيته أما آدم فقد اعترف بها واستغفر الله "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" ) الأعراف : 23)

     ونجد صورة أخرى من صور تبرير المعصية تتجلى فى أوضح صورها فى قصة أصحاب السبت فقد ورد ذكر القصة مرتين إحداهما في سورة البقرة والمرة الثانية بتفصيل أكثر فى سورة الاعراف الآيات (163-166).
    قال الله تعالى في سورة الأعراف:"وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ."
     وقال تعالى في سورة "البقرة": وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ" .
    وقال تعالى في سورة "النساء:" أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا"
     أبطال هذه الحادثة، جماعة من اليهود، كانوا يسكنون في قرية ساحلية. وكان اليهود لا يعملون يوم السبت، وإنما يتفرغون فيه لعبادة الله. فقد فرض الله عليهم عدم الانشغال بأمور الدنيا يوم السبت بعد أن طلبوا منه سبحانه أن يخصص لهم يوما للراحة والعبادة، لا عمل فيه سوى التقرب لله بأنواع العبادة المختلفة.
     لقد ابتلاهم الله عز وجل، بأن جعل الحيتان تأتي يوم السبت للساحل، وتتراءى لأهل القرية، بحيث يسهل صيدها. ثم تبتعد بقية أيام الأسبوع. فانهارت عزائم فرقة من القوم، واحتالوا الحيل  كما هو طبع اليهود- وبدأوا بالصيد يوم السبت. لم يصطادوا السمك مباشرة، وإنما أقاموا الحواجز والحفر، فإذا قدمت الحيتان حاوطوها يوم السبت، ثم اصطادوها يوم الأحد. كان هذا الاحتيال بمثابة صيد، وهو محرّم عليهم.
    فانقسم أهل القرية لثلاث فرق. فرقة عاصية، تصطاد بالحيلة. وفرقة لا تعصي الله، وتقف موقفا إيجابيا مما يحدث، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحذّر المخالفين من غضب الله. وفرقة ثالثة، سلبية، لا تعصي الله لكنها لا تنهى عن المنكر.
وكانت الفرقة الثالثة، تتجادل مع الفرقة الناهية عن المنكر وتقول لهم: ما فائدة نصحكم لهؤلاء العصاة؟ إنهم لن يتوقفوا عن احتيالهم، وسيصبهم من الله عذاب أليم بسبب أفعالهم. فلا جدوى من تحذيرهم بعدما كتب الله عليهم الهلاك لانتهاكهم حرماته.
    لقد كان العذاب شديدا.  فمسخهم الله، وحوّلهم لقردة عقابا لهم لإمعانهم في المعصية.
   وتحكي بعض الروايات أن الناهين أصبحوا ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد. فتعجبوا وذهبوا لينظرون ما الأمر. فوجودا المعتدين وقد أصبحوا قردة. فعرفت القردة أنسابها من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابهم من القردة; فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ; فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم ثم ماتت بعد ثلاثة أيام. 
    وكما يقول د. ياسر برهامي تعليقا على هذه القصة:"هذه القصة وإن وقعت لأمة غير أمتنا فقد وقعت في جماعة من بني إسرائيل وإن لم يكن زمنها هو زمننا، إلا أننا نتعلم من قصص القرآن دائما كما ذكر الله عز وجل أنه عبرة لأصحاب العقول "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِي الأَلْبَابِ" [يوسف: 111]، فلا بد أن نتعلم، ونستفيد، ونطبق هذه القصص علي واقعنا وعلي حياتنا، وليس فقط أن نجعلها مجرد حكاية للتسلية.
    ذلك أن كثيراً من الناس قد يظن ما ذكره الله عن الماضيين أنه ليس لنا ويقول: وما لنا ولهؤلاء؟ وهذا باطل فإن أسلوب الصحابة رضي الله عنهم في القرآن وتطبيقه لم يكن أبداً كذلك فإنهم كانوا يرون أن ما خوطب به السابقون خطاب لنا كذلك.

     والحيتان هنا معناها السمك ، وهي كذلك في كلام العرب ، كل سمكة تسمي حوتا ، فكانت الأسماك تأتيهم يوم السبت في البحر شارعه زعانفها وخراطيمها في المياه ، تظهر نفسها ، والأسماك - قطعا- لا تدرك أيام الأسبوع ، ولكن قدر الله هذا الأمر العجيب ويوم لا يسبتون أى لا تأتيهم باقي أيام الأسبوع  ، لا يكون في البحر سمكة واحدة ، فسبحان الله! والتحايل علي شرع الله صفة من صفات اليهود ، ولكنها ورثت فيمن أشبههم ممن ينتسب إلي الإسلام وكما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: "لا تشبهوا باليهود فتستحلوا الله بأدنى الحيل".
  
     فاستحلال محارم الله بأدنى الحيل والتحايل على شرع الله سمة يهودية والعياذ بالله، وهناك من يفعلها من المسلمين، كمن يسمي الربا بغير اسمه ليضل الناس، كالاستثمار مثلاً، أو يسميه بالفائدة، أو عائداً أو نحو ذلك، وهو في الحقيقة ربا.

    ومن يتعامل مع الناس بالإقراض والزيادة عليه أو بالإقراض الذي تشترط فيه شروط معينة كبيع أو إجارة أو عقد آخر كما يصنع كثيراً من الناس، يقرضهم قرضاً للصرف على ما يحتاجون من أرض وغيرها بشرط أن يبيعوا له إنتاج أرضهم، وهذا للأسف كثير.
      أو مثل كثيراً من الناس الذين يتعاملون بأنواع من القروض بفائدة من البنوك أو صناديق الاستثمار أو رجال الأعمال وغيرها، كل ذلك من الربا المحرم، وإن سمي بغير اسمه، حتى ولو تبرع بفتوى باطلة بعض من ينتسب إلى أهل العلم، وهو ليس منهم وإن كان عند الناس يشار إليه بالبنان، فإن من أحل ما أجمع العلماء على تحريمه، وإن كان متأولاً ويزعم إنه مجتهد، فهو مبطل، لأن الاجتهاد لا يكون في الإجماع.
   
      ومن الحيل المنتشرة نكاح التحليل، الذي يطلق امرأته ثلاثاً ثم يتفق مع رجل يحلها له، يسمى في الشرع الإسلامي التيس المستعار، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله المحلل والمحلل له"، وذلك بأن يتفق مع رجل بأن يتزوج امرأته ويطؤها أو لا يطؤها، ثم يطلقها بعد يوم أو يومين، يزعم بذلك أنه يحله للأول، فهذا من التحايل على شرع الله، بل ذلك يبطل العقد الثاني، ولا يحلها للزوج الأول.
   
     وهناك أنواع من الحيل في البيوع، مثل بيع العينة وهو نوع من الربا لكن بحيلة على الربا، وذلك بأنه يقول لمن يريد أن يقترض منه مائة مثلاً والرجل لن يقرضه مائة إلا بمائة وعشرون، فيقول: اشترِ مني هذه السلعة بمائة، وهو يعرف ما سوف يتم، فيشتريها بمائة ويقبضها إياه، ثم يقول: أنا أشتريها منك بالتقسيط بمائة وعشرون، فرجعت له سلعته، وأصبح مديناً بمائة وعشرون، وهو قبض مائة فصارت المائة مائة وعشرون، ودخلت بينهما السلعة.
    
     وقريب جداً من هذا مسألة التورق وصورته لو أن رجلاً لا يجد من يقرضه فيشتري سلعة من السوق بالتقسيط بسعر مائة وعشرون، وهو يعلم أنها تساوي مائة، فيبيعها بمائة، وهذا التورق بيع عينة من ثلاثة أطراف.فالتعامل بالتقسيط بدون ضوابط شرعية يوقع الناس في الربا كثيراً والعياذ بالله بنوع من التحايل.
     فما يتم في المعارض مثلاً من أنهم يأتون بسلع لا يملكونها، ولا يشترونها، ولكن يقولون: نحن نحضر لك السلعة التي تريدها، وسندفع لك الثمن، وسدد لنا أنت بعد ذلك، فهذا الوسيط الذي لا يمتلك السلعة، ولكن يبيعها قبل تملكها وقبضها، والواجب أن يستلم السلعة وتقع في ضمانه، ثم يبيعها بعد ذلك، وله الحق في أن يربح، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، فأما أن يقول له اشترِ ما تريد، وأنا أسدده لك وأنت تسدد لي بعد ذلك، فهذا هو القرض الذي جرَّ نفعاً بلا شك وطالما أنه لم يحز السلعة ولم يمتلكها في يده، ويقبضها لا يجوز أن يربح فيها.

     وهذا نوع من التحايل على ما حرم الله عز وجل، لذلك أقول: الحذر واجب من التحايل على الشرع، خصوصاً في باب الربا، فإنه من أخطر الأبواب التي يقع فيها كثيراً من الناس من التحايل على شرع الله كما فعل اليهود في هذه القصة.

      ومن صور التحايل على الشرع قصة الممثلة صابرين حين أرادت أن تخلع الحجاب ولكنها أرادت تبرير ذلك والتحايل على شرع الله فلجأت إلى فتوى مكذوبة تقول أن الباروكة تحل محل الحجاب وقالت أنها ارتدت الباروكة فى المسلسل بدلا من الحجاب وهى بهذا قد فعلت تماما مثلما فعل بنو إسرائيل فى تحايلهم على الشرع لأنه فى كثير من الأحيان تكون الباروكة أجمل من الشعر الطبيعى فضلا عن أن ارتداء الباروكة محرم ولا يجوز ،فعن عائشة - رضي الله عنها -: أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ – تساقط - شَعَرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا فَسَأَلُوا النَّبِيَّ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ) متفق عليه). كان الأجدر بها أن تعترف بضعف نفسها واستجابتها لشياطين الإنس وتقول أنا نفسى ضعيفة تشتهى الأضواء والشهرة والأموال لذلك عدت إلى التمثيل بدلا من أن تبرر معصيتها تبريرا أحمق.
     مثل تلك البنت التى تبرر عدم ارتدائها للحجاب بأنها صغيرة أو تريد أن تتزوج أو أن الحجاب ليس فرضا.
  
     ما أعظم موقف امراة العزيز حين انكشف مخططها فى الكيد ليوسف عليه السلام فهى لم تبرر معصيتها ولم تدافع عن نفسها بل اعترفت بخطئها وندمت وقالت:"وما أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء" (يوسف:53)


     ومن صور تبرير المعصية قول المشركين أن الله أمرهم بالمعصية. قال تعالى:" وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون" الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة . وقال الحسن : هي الشرك والكفر . واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم ، وبأن الله أمرهم بها . وقال الحسن : والله أمرنا بها قالوا : لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه . قل إن الله لا يأمر بالفحشاء )الاعراف 28-30)

     وفى تفسير ابن كثير :كانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا اللّه فيها، وكانت قريشا  يطوفون في ثيابهم  وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من اللّه وشرعه، فأنكر اللّه تعالى عليهم ذلك فقال: { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} ، فقال تعالى رداً عليهم: { قل} أي يا محمد لمن ادعى ذلك { إن اللّه لا يأمر بالفحشاء} أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة واللّه لا يأمر بمثل ذلك، {أتقولون على اللّه ما لا تعلمون} ؟ أي أتسندون إلى اللّه من الأقوال ما لا تعلمون صحته، وقوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط} أي بالعدل والاستقامة. مثل الراقصة التى تقول: ربنا وفقنى فى الرقصة.

فيا من تبرر معصيتك وتتحايل على شرع الله هل تخدع الله أم تخدع نفسك؟



نرمين كحيلة





الثلاثاء، 19 مارس 2013

السفهاء



   
      شعرت بالفخر وأنا أتابع فعاليات منح الدكتوراه الفخرية للرئيس مرسى فى باكستان وفى نفس الوقت شعرت بالحزن والأسف لأن السفهاء من شعبنا حاولوا السخرية منه والتقليل من شأنه .. ما أحزننى هو أن العالم كله يعلم قيمته ويكرمه إلا سفهاء شعبه ممن يقولون ليس رئيسى ولا يمثلنى ثم يرسمون أنفسهم على شكل حمار لأنهم انتخبوه. وقد صدق المثل القائل:"لا كرامة لنبى فى وطنه" و "زمار الحى لا يطرب". فالسفهاء هم الذين يتركون تحليل الزيارة ونتائجها ويركزون على الملابس التى ارتداها الرئيس مرسى فى باكستان ويسخرون منه.

   فكما جهلنا قيمة الدكتور زويل والدكتور مجدى يعقوب وغيره من عباقرة مصر بسبب هؤلاء السفهاء فتلقفته دول العالم الكبرى فنحن نجهل الآن قيمة الدكتور مرسى ونسفه أى عمل يقوم به.. وكما قال الدكتور جمال حمدان – رحمه الله – مصر ليس فيها مكان للشخص الممتاز.

   فقد جهل قوم كل نبى قيمته واتهموه بالسفه والجنون فمثلا سيدنا هود:"قال الملأ الذين كفروا من قومه) "والملأ هم الجمهور والسادة والقادة منهم ( إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (أي في ضلالة حيث تدعونا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال على عبادة اللّه وحده) ، "قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين" (أي لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من اللّه الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه) "أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين"

    وكما اعترض بنو إسرائل على اختيار الله لطالوت لأنه لم يكن صاحب مال فقالوا: أنى يكون له الملك علينا .. وكما اعترض المشركون على النبى صلى الله عليه وسلم لمجرد أنه يتيم وفقير وتمسكوا بالقشور وتركوا الجوهر..وكما اعترض جميع الأقوام أن أنبيائهم لم يكونوا من الملائكة وكانوا من البشر.
 
    وتذكرت أن لكل مجتمع سفهائه ممن يحاولون التقليل من شأن الناجحين وقلب الحقائق وتسطيح القضايا الهامة وإفشال كل محاولات النهوض ببلادهم ..هؤلاء السفهاء تحدث عنهم القرآن الكريم في قوله تعالى:" وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (البقرة:13)

    "سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ") البقرة:142)
      
      كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قد أُمِر باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلي بين الركنين فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما فأمره اللّه بالتوجه إلى بيت المقدس ، واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهراً، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يُوَجَّه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم عليه السلام، فأجيب إلى ذلك وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر كما في الصحيحين‏.‏ ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتيابٌ وزيغ عن الهدى، وقالوا‏:‏ ‏{ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏} أي قالوا‏:‏ ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا وتارة يستقبلون كذا‏؟‏ فأنزل الله جوابهم في قوله‏:‏ "قل لله المشرق والمغرب‏" أي الحكم والتصرف والأمر كله للّه، "‏فأينما تولوا فثم وجه الله" أي الشأن كله في امتثال أوامر اللّه، فحيثما وجَّهَنَا توجَّهْنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا في كل يوم مراتٍ إلى جهات متعددة فنحن عبيده.
    قيل المراد بالسفهاء هاهنا : المشركون ; مشركو العرب ، وقيل : أحبار يهود ، قاله مجاهد . وقيل : المنافقون ، قاله السدي . والآية عامة في هؤلاء كلهم.

    وقوله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) يقول تعالى : إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس ، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه ، أي : مرتدا عن دينه ( وإن كانت لكبيرة ) أي : هذه الفعلة ، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة ، أي : وإن كان هذا الأمر عظيما في النفوس ، إلا على الذين هدى الله قلوبهم ، وأيقنوا بتصديق الرسول ، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه ، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فله أن يكلف عباده بما شاء ، وينسخ ما يشاء ، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك ، بخلاف الذين في قلوبهم مرض ، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا ، كما يحصل للذين آمنوا تيقن وتصديق ، كما قال الله تعالى : وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) [ التوبة : 124 ، 125 ]

    يقول الشيخ الشعراوى: لقد تنبأ الله عزو جل أن هؤلاء السفهاء سيقولون كذا يعنى هم لم يقولوا بعد فلو كانوا عقلاء ما قالوا ذلك حتى لا يقول عنهم الناس أنهم سفهاء.


    يقول تعالى عن السفهاء فى موضع آخر: { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس} أي كإيمان الناس باللّه وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به، وأطيعوا اللّه ورسوله في امتثال الأوامر، وترك الزواجر "قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء"  يعنون أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة، وهم سفهاء؟ ، قال تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل اللّه لكم قياما" وقد تولى سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها فقال: { ألا إنهم هم السفهاء} فأكد وحصر السفاهة فيهم { ولكن لا يعلمون} يعني ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أبلغ في العمى والبعد عن الهدى.

     وَالسُّفَهَاء جَمْع سَفِيه , كَالْعُلَمَاءِ جَمْع عَلِيم , وَالْحُكَمَاء جَمْع حَكِيم . وَالسَّفِيه : الْجَاهِل الضَّعِيف الرَّأْي , الْقَلِيل الْمَعْرِفَة بِمَوَاضِع الْمَنَافِع وَالْمَضَارّ .وهو ما ينطبق على الْمُنَافِقُينَ بِقَيْلِهِمْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء , إذْ دُعُوا إلَى التَّصْدِيق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَالْإِقْرَار بِالْبَعْثِ , فَقَالَ لَهُمْ : آمِنُوا كَمَا آمَنَ أَصْحَاب مُحَمَّد وَأَتْبَاعه  , فَقَالُوا: أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ أَهْل الْجَهْل وَنُصَدِّق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُرِيدُونَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ.

       وَذَلِكَ هُوَ عَيْن السَّفَه , لِأَنَّ السَّفِيه إنَّمَا يُفْسِد مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُصْلِح وَيُضَيِّع مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يَحْفَظ . فَكَذَلِكَ الْمُنَافِق يَعْصِي رَبّه مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُطِيعهُ , وَيَكْفُر بِهِ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُؤْمِن بِهِ , وَيُسِيء إلَى نَفْسه مِنْ حَيْثُ يَحْسَب أَنَّهُ يُحْسِن إلَيْهَا , كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَبّنَا جَلَّ ذِكْره فَقَالَ : "أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ"
    
    وأصل السَّفَه في كلام العرب : الخفة والرقة، يقال : ثوب سفيه إذا كان رديء النسج خفيفه، أو كان باليا رقيقا. وتسفهت الريح الشجر : مالت به، قال ذو الرمة : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم وتسفهت الشيء : استحقرته. والسفه : ضد الحلم. ويقال : إن السفه أن يكثر الرجل شرب الماء فلا يروى.

     ويفسر الشيخ محمد متولي الشعراوي هذه الآية بقوله: والسفهاء في قصد المنافقين هم الفقراء، ولكن ما معنى السفه في اللغة: السفه معناه الطيش والحمق والخفة في تناول الأمور، فهل تنطبق صفة السفيه على المؤمنين، الذين آمنوا بالله، أو أنها تنطبق على أولئك الذين لم يؤمنوا بالله؟ إذا كنتم تعتقدون أن الذين آمنوا هم السفهاء فلماذا تدعون الإيمان كذبا، لتكونوا سفهاء؟ لاشك أن هناك تناقضاً موجوداً في كل تصرفات المنافقين.

   فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم للإيمان، والمسلمون يدعونهم للإيمان، ولكنهم يصفون الذين آمنوا بأنهم سفهاء أي فقراء لا يملكون شيئاً، لأن سادة قريش لم يؤمنوا.. وهم يدعون أن الذين آمنوا، تصرفوا تصرفا أحمق، طائشاً، ولكن الغفلة هي المرض الذي يملأ قلوبهم لا يجعلهم ينتبهون إلى حقيقة مهمة، وهي أنهم يتظاهرون بالإيمان، ويدعون الإيمان ثم يصفون المؤمنين بالسفهاء، إذا كان هؤلاء سفهاء كما تدعون. فهل تتظاهرون بالإيمان لتصبحوا سفهاء مثلهم؟!

    إن المنطق لا يستقيم ويدل على سفاهة عقول المنافقين، أنَّ هذه العقول. لم تتنبه إلى أنها حينما وصفت المسلمين بالسفهاء، قد أدانت نفسها، لأن المنافقين يدعون أنهم مؤمنون، إذن فكل تصرفات المنافقين فيها تناقض. تناقض مع العقل والمنطق.

   لقد أبرم الرئيس عددا من إتفاقيات الإستثمار والملاحة واستخدامات الطاقة النووية السلمية ، فنشر سفهاء الصحفيين صورة الطاقة الحرارية المنبعثة فى المقطم من الكاوتش المحروق بالسولار المسروق .. وتكلموا عن الزلزال الذى حدث فى باكستان.
وبينما وصفت صحيفة ديلى ستار الباكستانية الزيارة بأنها لحظة تحول فى تاريخ العلاقة بين أكبر وأهم دولتين فى العالم الإسلامى أقام سفهاء الإعلام ماتما وعويلا.

     وقال مهاتير محمد للشعب المصرى:اعلموا أن مشروع ممر قناة السويس هو مشروع القرن الواحد والعشرين لمصر اقتصاديا بل والعالم أجمع سيستفيد منه ، أنتم أمام مشروع ضخم يوازى حفر قناة السويس من جديد ، أنتم مقبلين على ثورة اقتصادية حقيقية وعلى الجميع التكاتف من أجل إنجاح ثورتكم.
وقدمت الهند "منحة خاصة" تغطى تكاليف إطلاق قمر صناعى مصرى بالكامل.

    ووقعت مصر والهند اتفاقية مبدئية لوضع القمر الصناعى إيجيكيوبسات فى مداره حول الأرض عن طريق مركبة إطلاق هندية..فسخر السفهاء من تلك الزيارة بالرسوم الكاريكاتورية والنكات السخيفة.


    هذه هى عادة السفهاء دائما  فى كل زمان ومكان يتركون الجوهر ويتفرغون للقشور الخارجية وسفاسف الأمور.




نرمين كحيلة

الأربعاء، 27 فبراير 2013

أضيئوا شمعة





  يحكى أن أحد الحكام فى الصين وضع صخرة كبيرة على طريق رئيسي فأغلقه تماماً، ووضع حارساً ليراقبها من خلف شجرة ويخبره برد فعل الناس!!؟

   مرَّ أول رجل وكان تاجرًا كبيرًا في البلدة فنظر إلى الصخرة باشمئزاز منتقداً وضعها دون أن يعرف أنه الحاكم ، فدار هذا التاجر من حول الصخرة رافعاً صوته قائلاً: " سوف أذهب لأشكو هذا الأمر، وسوف نعاقب من وضعها".

    ثم مرَّ شخص ثانٍ وكان يعمل في البناء، فقام بما فعله التاجر، لكن صوته كان أقل علواً، لأنه أقل شأناً في البلاد.

   ثم مرَّ ثلاثة أصدقاء معاً، من الشباب الذين ما زالوا يبحثون عن هويتهم في الحياة، وقفوا إلى جانب الصخرة وسخروا من وضع بلادهم ، ووصفوا من وضعها بالجاهل والأحمق والفوضوي، ثم انصرفوا إلى بيوتهم!!.

  وبعد مرور يومين جاء فلاح من الطبقة الفقيرة، فلم يتكلم وإنما بادر إليها مشمراً عن ساعديه محاولاً دفعها، وطلب المساعدة ممن يمر، فتشجع آخرون وساعدوه ، ودفعوا الصخرة بعيدا عن الطريق.

    وبعد أن أزاح الفلاح الصخرة وجد صندوقاً في طريقه وبالصندوق قطع من ذهب ورسالة مكتوب فيها: " من الحاكم إلى من يزيل هذه الصخرة، هذه مكافأة لك لأنك إنسان إيجابي بادرت لحل المشكلة بدلاً من الشكوى منها والصراخ".

   وهذا ما نفعله جميعا الآن ، كلنا نشكو ونتذمر ونبكى ونولول على أحوال مصر المتردية لكن لا أحد فينا يفكر بشكل إيجابى فى تغيير هذا الواقع السئ.. كلنا اخترنا رئيسا وطالبناه بأن يصلح حال البلاد ثم جلس بعضنا يتفرج عليه كأنه يشاهد مباراة منتظرًا نتيجة الشوط الأول أما البعض الآخر فقد جعل همه كله فى نقض غزل هذا الرئيس وإفشاله مع سبق الإصرار والترصد ، وسواء كنت من هذه الفئة أو تلك فإنك  مخطئ بلا شك.  

    وقد صدقت الحكمة القائلة:"أضئ شمعة بدلا من أن تلعن الظلام"
وقال الرافعى:" ليس لمصباح الطريق أن يقول إن الطريق مظلم ، وإنما عليه أن يقول ها أنذا مضيء"

   إن تقرير الرافعي لشخصية المسلم الحق، بالدعوة إلى الإيجابية بدلا من نعي الأمة والنواح عليها يدعونا حقاً في كل موقف لنسأل أنفسنا كيف نضيء المصباح بدلاً من من السؤال العقيم عن سر هذا الظلام؟
   لينظر كل منا إلى نفسه ويسألها ياترى هل أنا مضيئ؟ وكيف أكون كذلك؟ وقبل أن ننتقد غيرنا هل صححنا مسارنا وقمنا بدورنا؟
    هل أضأت حياة يتيم بكفالة، أو معدم بصدقة، أو جاهل بعلم ؟ هل حافظت على نظافة بلدك ومحوت الأذى عن الطريق؟ هل زاد انتاجك وذهبت إلى مصنعك أو متجرك أو مكتبك بنية الخروج بمصر من كبوتها والنهوض بها وإقالة عثرتها؟ أم اكتفيت بالصراخ والعويل والبكاء وإلقاء المسؤولية واللوم على الحكومة ورئيسها؟
   هل ذهبت أيها الطالب إلى مدرستك أو كليتك او معهدك لتذاكر وتنجح بنية أن تكون مواطنا صالحا فى المستقبل لتخدم بلدك ؟ أم اكتفيت بالاضراب والمظاهرات والاعتصامات وقطع الطريق؟ عندما تجيب عن هذا السؤال ستعرف سر هذا الظلام الذي نحياه.
   لتسأل نفسك قبل أن تنام..هل أضاء المصباح اليوم؟ وكيف سيضيء غداً وأين؟
  لنتذكر جميعا أن اليابان خرجت من محنة هيروشيما وناجازاكى بتعاون الشعب وليس بجهود الإمبراطور وحده ، فالشعب لم يقف متفرجا على امبراطوره ليصفق له إن أصاب وليجلده إن أخطأ.
 
   وفى غزوة الخندق لم يترك المسلمون الرسول وحده يحفر الخندق بل ساعدوه وكانوا ضلعا كبيرا فى بناء الحضارة الإسلامية مع نبيهم.

    لا تفعلوا مثلما قالت اليهود لسيدنا موسى "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون" ..........أنتم الآن تقولون:"اذهب أنت وجماعتك فأصلحا وانهضا بالبلد إنا ها هنا قاعدون متفرجون"
   ألم يكن الله قادرا على أن يقضى على هؤلاء القوم دون أن يطلب من بنى إسرائيل القتال ؟ لكنه أراد أن يختبر صدق نيتهم ورغبتهم فى التغيير ولابد أن يتعب الانسان لتحقيق هدفه هذه هى سنة الله فى كونه.
   كل واحد فينا عليه دور ، لو خرجنا كلنا فى مظاهرات واعتصامات وقطع طريق إذن فمن سيبنى البلد؟

كل واحد فينا يسأل نفسه ماذا فعلت لهذا البلد؟ فلينظر كل واحد منا كم من مشكلة نعاني منها ونستطيع حلها بكل سهولة لو بدأنا بالحل بدلا من التفكير في الشكوى.
نرمين كحيلة

السبت، 12 يناير 2013

ونزعنا ما فى صدورهم من غل




     تأملت تلك الآية الرائعة فوجدتها تتحدث عن أسوأ شئ ممكن أن يعكر صفو الحياة وهو التباغض والغل والحقد والحسد ، وإذا كان الملاحدة يسخرون من ديننا لأنه يصف الجنة بأن فيها طعام وشراب وحور عين وهذا - فى رأيهم - موجود فى الدنيا ولا حاجة لنا به الآخرة فإن الجنة بها شئ طالما حلم به المفكرون والفلاسفة وأسموه المدينة الفاضلة وهى مدينة خالية من الكراهية والحسد.. قال الله تعالى: "إن المتقين في جنات وعيون ، ادخلوها بسلام آمنين ، ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ، لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين"(الحجر:47) ...بعد دخول الجنة مباشرة ينزع الله الغل من قلوبهم حتى يستمتعوا بملذات الجنة.

     قال ابن عباس : أول ما يدخل أهل الجنة الجنة تعرض لهم عينان ، فيشربون من إحدى العينين فيذهب الله ما في قلوبهم من غل ، ثم يدخلون العين الأخرى فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم ، وتجري عليهم نضرة النعيم  ونحوه ، والغل : الحقد والعداوة المتغلغلة فى القلب.

"   إخوانا على سرر متقابلين"
أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض تواصلا وتحاببا . وقيل : الأسِرَّة تدور كيفما شاءوا ، فلا يرى أحد قفا أحد . وسُرر جمع سرير . مثل جديد وجدد . قال ابن عباس : على سرر مكللة بالياقوت والزبرجد والدر  ، السرير ما بين صنعاء إلى الجابية وما بين عدن إلى أيلة .
لا يمسهم فيها نصب
أي إعياء وتعب .

وما هم منها بمخرجين
دليل على أن نعيم الجنة دائم لا يزول ، وأن أهلها فيها باقون .
"وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ" فتبقى قلوبهم سالمة من كل دغل  وحسد متصافية متحابة { إخوانا على سرر متقابلين } دل ذلك على تزاورهم واجتماعهم وحسن أدبهم فيما بينهم في كون كل منهم مقابلا للآخر لا مستدبرا له متكئين على تلك السرر المزينة بالفرش واللؤلؤ وأنواع الجواهر. وقيل : نزع الغل في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضا في تفاضل منازلهم.
    وفى تفسير ابن كثير روى القاسم عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن
حتى إِذا توافوا وتقابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل، ثم قرأ : ونزعنا ما في صدورهم من غل


    يحرص الإسلام على تأليف القلوب ، وعلى إضفاء روح المحبة ، وعلى التآخي والاجتماع ، وعلى إصلاح ذات البين كما حرص على حماية صرح الأخوّة .

   وجاء النهي عن أسباب ضعف هذه الأخوة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى ههنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه . رواه مسلم .

    وقال صلى الله عليه وسلم : لا تباغضوا ، ولا تقاطعوا ، ولا تدابروا ، ولا تحاسدوا ، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله ، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام . رواه البخاري ومسلم .

    لأن هذه الأشياء مما يتنافى مع أخوة المؤمنين ، ومما يولد العداوة والبغضاء ، ويثير الأحقاد ، ويكون سببا في الشحناء .فهذه الأمور من شأنها أن تُضعف بنيان الأخوة القائم على الإيمان
فجاء النهي عن التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر والتقاطع والبيع على بيع بعض، وجاء النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه، كل ذلك لمراعاة هذه الأخوة القائمة على الإيمان ..قال تعالى:"  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ"

     وجاء النهي عن التقاطع وعن فساد ذات البين
قال عليه الصلاة والسلام : دَبّ إليكم داء الأمم الحسد ، والبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم ؟ أفشوا السلام بينكم . رواه الإمام أحمد والترمذي .

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على جمع القلوب ، وعلى إصلاح ذات البين .فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة ، فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : اذهبوا بنا نصلح بينهم . رواه البخاري .

    ولما تم نعيم أهل الجنة نزع الله ما في صدورهم من أسباب العداوة والبغضاء ثم أثبت لهم الأخوة فقال : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ.

    ونلاحظ أن أول شئ فعله النبى صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لأنه لو لم يفعل ذلك لتقاتلوا نظرا لاختلاف طباع المهاجرين عن الأنصار فقد خرج المهاجرون من مكة المكرمة، ليصلوا إلى أرضٍ جديدة وواقعٍ مختلف، وكان من أثر هذه الرحلة نشوء عدد من المشكلات الجديدة، منها مثلا الشعور بالغربة، ومفارقة الأهل والديار، وترك معظم الأموال والممتلكات في مكة، وطبيعة الوضع المعيشي والاقتصادي الجديد، أضف إلى ذلك الآثار الصحية والبدنية التي أحدثها الانتقال المفاجئ إلى بيئة أخرى؛ مما أدَّى إلى ظهور الأمراض في صفوفهم كالحمّى وغيرها.
   وكان من الممكن أن يعتبر أهل المدينة المهاجرين قادمين لاحتلال أرضهم والاستيلاء على خيراتهم فكان من الضرورى أن تحدث المؤاخاة بينهم حتى يستطيعوا التعايش مع بعضهم البعض وبدون تلك الأخوة والمحبة ماكان النبى صلى الله عليه وسلم ليستطيع بناء الدولة الإسلامية لأنه لا يمكن أن تقوم حضارة وأهلها متباغضون.
    كل هذه الظروف تجمَّعت لتشكِّل ضغوطًا نفسية كبيرة، كان لا بدَّ معها من حلولٍ عمليَّة سريعة تعوِّضهم ما فقدوه في غربتهم، وتعيد لهم كرامتهم، وتُشعرهم بأنهم لن يكونوا عبئًا على إخوانهم الأنصار.
  حتى أنهم كانوا يتوارثون وكانوا يقتسمون الأموال والديار بل وحتى الزوجات أى أنه لو كان لأحدهم زوجتان يطلق إحداهما حتى يتزوجها أخيه.
     يقول تعالى:"وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم" (الأنفال:63) وقد اثبت بذلك أن أخوة الدين أقوى من أخوة الدم.
    فنسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوب المصريين وأن تحدث المؤاخاة بين الليبرالين والإخوان والسلفيين واليساريين والعلمانيين وباقى فصائل الشعب المصرى وأن ينزع ما فى قلوبهم من غل حتى نستطيع النهوض ببلدنا.

نرمين كحيلة