الأحد، 14 أكتوبر 2012

ثقافة الثورة



     من الملاحظ منذ قيام الثورة وحتى الآن أن الشعب المصرى اكتسب ثقافة الثورة ليس على الفساد فقط ولكن على كل القيم والمبادئ والأعراف وكأننا لما أطحنا بالحاكم الظالم لم يعد لنا كبير نحترمه أو قانون نهابه أو حتى دين نلتزم به فقد اشتكى لى كثير من الناس أن فئة البوابين والخدم والعمال أصبحوا يتجرؤون علي من يعملون لديهم ويتطاولون عليهم وكذلك المرؤوس يتطاول على رئيسه فى العمل بل إن الابن ليتطاول على أبيه وأمه فأصبحت الثورة والاعتصامات هى القاعدة أما الهدوء والسلام فهو الاستثناء ؛ وقد فقدنا صفة من أهم صفاتنا كمصريين ، اشتهرنا بها منذ القدم ألا وهى صفة احترام الكبير..بل إننا نحن الذين علمنا الدنيا كيف  تحترم الكبير ، انظر إلى بتاح حتب وهو يعظ ابنه يقول له:"إذا وجدت رجلا يتكلم وكان أكبر منك وأشد حكمة، فاصغ إليه واحنِ ظهرك أمامه (دليلا على الطاعة والاحترام) وهناك نصائح أخرى من حكماء آخرين تأمر الصغير إذا كان جالسا أن يقوم للكبير ليجلسه مكانه.

    يقول النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الشريف:"ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ويعرف لعالمنا حقه " فهو قد نفى عن هذا الانسان الانتماء الى الإسلام بقوله "ليس منا" مما يؤكد على عظم هذ العمل.
  
    إن مدلول كلمة الكبير الواردة فى الحديث الشريف مدلول واسع لا يقتصر على كبير السن. ومن معانى الكبير إمام عالم أى من كان من أهل السلطة إذا كان عادلا يسعى لخدمة شعبه فهذا الإنسان يجب أن يُحترم ويُقَدَّر.
ويقول أيضا الحديث الشريف:"ما أكرم شاب شيخ لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه" ويقول أيضا: إن من إجلال الله إكرام ذا الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالى فيه وأكرام ذى السلطان المقسط.
ولا يبالغ الإنسان إذا اعتبر أن مقياس انضباط الأمة الاخلاقى هو توقير الكبار.

يقول الأستاذ:محمد السيسى: قيمة احترام الكبير من القيم الإسلامية العظيمة التي يتعبد المسلم بها إلى الله عز وجل، وهي ليست مجرد تقاليد صارمة، أو إجراءات حزم عسكري، بل سلوكيات راقية نؤديها عن طيب خاطر، ورضاء نفس، والتماس أجر، وابتغاء ثواب.

   وهناك آداب عامة بحق الكبيرأن توقره وتحترمه وتجله وتضعه في مكانة كبيرة تليق بهأن تتجنب المزاح غير اللائق معه.أن تتجنب كل السلوكيات التي تغضبهأن تنهض من مكانك وتقوم لاستقباله عند قدومهأن تحرص على عدم الدخول قبله.أن تجلسه في أفضل مكانأن تتجنب الجلوس في المكان المعد لتكرمته إلا بإذنه.أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحيةأن تتجنب الجلوس في مكان أعلى منهأن تتجنب الجلوس أثناء وقوفه إلا بموافقته.أن تتجنب مد  رجليك أمامه، وألا تضع رجلاً على رجل بحضرتهأن تتجنب النوم أو الاضطجاع بحضرته إلا بإذنهألا تشير عنده بيدك، وألا تغمز بعينك في حضرتهأن تحرص على عدم الخروج من مجلسه إلا بإذنه.
أما الكبير فى مجلس العلم (أى المعلم) فيجب عدم إحداث شغب أو ضجيج في مجلسه، يقول الإمام الشافعي: "كنت أصفح الورقة بين يدي الإمام مالك صفحًا رفيقًا له؛ لئلا يسمع وقعها"، وقال الربيع - تلميذ الشافعي - : "واللّه ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر"، وكان هذا احترامًا وتوقيرًا وتبجيلاً للأستاذ المعلم.

ومن صور احترام الكبير أثناء الحديث والحوارأن تخاطبه بلطف وأدبألا تخاطبه باسمه المجرد، بل بلقب من ألقابه: (الأستاذالدكتور- المهندس- أستاذنا الفاضل- معلمنا الجليل- شيخنا المحترم- عمي العزيز – حضرتك - فضيلتك .. أن تخفض صوتك عند التحدث بحضرتهألا تضع يدك في جيبك أثناء التحدث معهأن تحرص على عدم مقاطعته أثناء كلامه، وألا تدِر له ظهركألا تطلب منه بطريقة الأمر، بل تستأذن منه ما تريده بأسلوب مهذب.

ومن صور احترام الكبير في المواصلات:أن تحرص على المسارعة بفتح باب السيارة له عند الركوب، وكذلك عند النزول .. دخل زيد بن ثابت على جنازة، فقربوا إليه دابة ليركبها، فجاء عبد الله بن عباس فأخذ بزمام الدابة، فقال زيد بن ثابت له: خلِّ عن الدابة يا ابن عم رسول الله ، فقال عبد الله بن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل مع العلماء، فقبَّل زيد يده، وقالهكذا أمرنا أن نفعل مع آل بيت نبينا- صلى الله عليه وسلم.

    إن الاحترام قيمة رائعة تجعل للحياة روحًا وقيمةً ونظامًا راقيًا، وهذه القيمة كطبيعة كل القيم يجب أن تكون ثابتةً ومستقرةً ودائمةً، ولا تتغير بتغير الزمن أو الظروف والأحوال، بل يجب أن يكون الالتزام بها سلوكًا طبيعيًّا، يحرص الجميع عليه برضاء نفس وطيب خاطر وبنية التعبد لله تعالى؛ فتكون النتيجة رقي السلوك وعظم الأجر.

    ونستطيع أن نرى صور من احترام النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه فمثلا احترامه لأبى سفيان (وهو سيد قومه وكان يحب الفخر) حين قال عند فتح مكة:من دخل دار أبى سفيان فهو آمن.
    وكان يقول :"أنزلوا الناس منازلهم"جاء هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- عند أبي داود وأشار إليه مسلم في مقدمة كتابه، لكن ذكره بالمعنى بقوله: إن عائشة قالت:  أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن ننزل الناس منازلهم  وفي القصة أن عائشة - رضي الله عنها- جاءها مسكين طواف فأعطته كسرة تمر ومشى، ثم جاءها رجل له هيئة فأجلسته وأعطته طعاما فأكل حتى شبع، فأنكروا ذلك عليها: الأول أعطيتيه تمرات في يده، والثاني أجلستيه وقدمتِ له هذا الطعام إلى أن شبع, فقالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:  أنزلوا الناس منازلهم  يعني أن هذا له منزلته وهذا له منزلته.
  
    وهل من كلام أبلغ من أن النبى صلى الله عليه وسلم أرسل كتابا إلى قيصر قال فيه:"من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم" هل هو عند رسول الله عظيم؟ هذه كياسة وسياسة وذكاء ودهاء فالإنسان الذى له منصب نحترمه سواء أكان يشغل منصبا إداريا أوعلميا أو دينيا نحترمه.
   وقد علمنا الله عز وجل أن نحترم نبينا حين نخاطبه فنهي المؤمنين أن يخاطبوه -صلى الله عليه وآله وسلم - بإسمه : "لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضا"ً ) النور:63)


    كان العباس بن عبد المطلب هو عم النبى صلى الله عليه وسلم وأكبر منه سنا فسئل ذات يوم:أيكما أكبر أنت أم رسول الله فقال:هو أكبر منى وأنا ولدت قبله. وهذا من باب احترام العباس لابن أخيه لأنه نبى.
أما عن احترام المحكومين للحاكم فيقول دكتور راغب السرجانى: كانت العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الحضارة الإسلامية تقوم على الاحترام المتبادل، فلم تكن شبيهة بعلاقات ملوك الروم والفرس مع رعيتهم، والتي كانت تقوم على القهر والاستبداد، وتقسيم أفراد مجتمعاتهم إلى طبقات متفاوتة. كان رسول الله يسمع لأصحابه، وينزل على رأيهم إذا ثبت صحة هذا الرأي؛ فالنبي في غزوة بَدْر قد نزل هو وأصحابه في أقرب مكان من ماء قرب بدر، لكن الصحابي الجليل الحباب بن المنذر لم يرضَ بذلك، فقال بأدب جمٍّ لقائد المسلمين وإمامهم : "يا رسول الله ، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكَهُ الله، ليس لنا أن نُقَدِّمه ولا نتأخَّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة. قال : "بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْـحَرْبُ وَالْـمَكِيدَةُ". فقال: يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم تغوِّر ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله : "لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ". فنهض رسول الله ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُبِ، فغوِّرت، وبني حوضًا على القليب الذي نزلَ، فمُلِئ ماءً ثم قذفوا فيه الآنية".
   وتعليقا على كلام الدكتور راغب أقول:انظروا إلى أدب الحباب بن المنذر فى مخاطبة النبى فهو لم يقل له:أنت مخطئ ورأيك غير صحيح وأنا أعلم منك ، ولكنه وضح له خطأ قراره بأسلوب مهذب بعد أن تأكد أولا أن هذا ليس وحيا بل هو رأى شخصى ، ولنا أن نتصور أن أمور الدنيا من حروب وغيرها مما لم يوحى إليه فيها احتمال الخطأ فيها وارد حتى من النبى نفسه فما بالك بشخص عادى ليس بنبى؟ لا يجب أن نعلق له المشانق إن أخطأ ولكن نقومه برفق.
 
    فمثلا لم يعترض أحد على أى قرار من قرارات عمر بن الخطاب وخاصة حين عزل خالد بن الوليد ولم يقل له أحد مثلا كيف تعزل سيف الله المسلول وصاحب رسول الله والقائد المنتصر؟ ولكن احترم الجميع رأى حاكمهم حتى خالد نفسه لم يعترض ولم يتهم عمر بالظلم رغم أنه صادر نصف ماله ، فلم يحدث أن اعترض أحد على حاكم من حكام المسلمين إلا إذا خالف شرع الله. والمرة الوحيدة التى اعترضوا فيها عليه هى لما وجدوه يخالف القرآن – بدون قصد طبعا - حين أمر الناس بعدم المغالاة فى المهور بل وأراد تحديدها فقامت امراة بمنتهى الأدب تعترض وتقول ليس لك ذلك يا عمر لأن لله يقول "وآتيتم إحداهن قنطارا" ولم تسخر منه وتتهمه بالظلم.

   هذه الواقعة نتعلم منها أدب معارضة الحاكم لأن له هيبة ووقار لا ينبغى أن يمس.
روي أن المغيرة بن شعبة قال لعمر بن الخطاب ، رضي الله عنه :
 
يا خليفة الله ، فقال عمر : ذاك نبي الله داود ، قال : يا خليفة رسول الله ، قال : ذاك صاحبكم المفقود ( أي أبو بكر ) ، قال : يا خليفة خليفة رسول الله ، قال : ذاك أمر يطول ، قال : يا عمر ، قال : لا تبخس مقامي شرفه ، أنتم المؤمنون وأنا أميركم ، فقال المغيرة : يا أميرالمؤمنين. فعمر لم يقبل أن يناديه شعبه باسمه مجردا لأنه حريص على هيبة الدولة وأن يكون للحاكم احترامه.
   عندما أمر الله بنى إسرائيل أن يذبحو بقرة قالوا لسيدنا موسى عليه السلام:"أتتخذنا هزوا" فقال لهم:"أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (البقرة66) يعنى الاستهزاء بالناس والسخرية منهم جهل لا يليق بالعاقلين فما بالك بالسخرية من الحاكم الذى هو رمز للشعب كله هناك قنوات شرعية للاعتراض على الحاكم ليس من بينها السخرية منه والاستهزاء به عن طريق الرسوم الكاريكاتورية وسبه فمن يشتم رئيس المصريين كأنه يشتم الشعب المصرى كله لأن الدكتور مرسى حين يتحدث لا يتحدث بصفته الشخصية بل يتحدث بصفته رئيس مصر.

نرمين كحيلة



الأحد، 16 سبتمبر 2012

الأخسرون أعمالا


هل سألت نفسك يومًا إذا كنت من الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ دعونا نتأمل هذه الآية الكريمة .. يقول - تعالى - : "قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " (الكهف:103،104) يقول الشيخ الشعراوى - رحمه الله - : (قُلْ) أي: يا محمد قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً [الكهف: 103] الأخسر: اسم تفضيل من خاسر، فأخسر يعني أكثر خسارة (أْعْمَالاً) أي: خسارتهم بسبب أعمالهم. وهؤلاء الأخسرين هم:  الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)
   
    وقد ضلَّ سَعْي هؤلاء؛ لأنهم يفعلون الشر، ويظنون أنه خير فهم ضالّون من حيث يظنون الهداية. ومن ذلك ما نراه من أعمال الكفار حيث يبنون المستشفيات والمدارس وجمعيات الخير والبر، ويُنَادون بالمساواة وغيرها من القيم الطيبة، ويحسبون بذلك أنهم أحسنوا صُنْعاً وقدَّموا خَيْراً، لكن هل أعمالهم هذه كانت لله؟ الواقع أنهم يعملونها للناس وللشهرة وللتاريخ، فليأخذوا أجورهم من الناس ومن التاريخ تعظيماً وتكريماً وتخليداً لذكراهم.
ومعنى: ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف: 104] أي: بطُل وذهب وكأنه لا شيءَ، مثل السراب كما صَوَّرهم الحق سبحانه في قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً *[النور: 39].
    وهؤلاء لا يبخسهم الله حقوقهم، ولا يمنعهم الأَجْر؛ لأنهم أحسنوا الأسباب، لكن هذا الجزاء يكون في الدنيا؛ لأنهم لما عملوا وأحسنوا الأسباب عملوا للدنيا، ولا نصيبَ لهم في جزاء الآخرة.
     ويمكن أن تنطبق هذه الآية ليس فقط على الكفار ولكن أيضا على المسلم حين يخطئ أو يرتكب معصية وهو يظن أنها خير مثل من ينصب ويخدع الناس ليأخذ أموالهم ظنا منه أن هذه شطارة وفهلوة وذكاء أو مثل من تخلع الحجاب بحجة أنه رجعية وتخلف أما السفور فهو تقدم ورقى ومثل من يرى فى المشاهد الإباحية والرقص والعرى فن ورسالة أو مثل فرعون الذى رأى كفره شئ جميل وعظيم فقال لقومه: مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ. [غافر:29] أو مثل الحاكم الظالم الذى يبيد شعبه ليستمر فى الحكم ويرى فى هذا العمل عملا عظيما حسنا فى نظره أو كالصحفى الذى ينشر فضائح الناس ويتتبع عوراتهم ويشوه سمعتهم بحجة أنه يعمل خبطة صحفية وينشر الحقائق والواقع.

   يقول تعالى أيضا: "أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ"

  أى:أفمن حسَّن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به ، وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان ، فرآه حسنا فحسب سيئ ذلك حسنا ، وظن أن قبحه جميل ، لتزيين الشيطان ذلك له . ذهبت نفسك عليهم حسرات منه    فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) يقول : فإن الله يخذل من يشاء عن الإيمان به واتباعك وتصديقك ، فيضله عن الرشاد إلى الحق في ذلك ، ويهدي من يشاء ، يقول : ويوفق من يشاء للإيمان به واتباعك والقبول منك ، فتهديه إلى سبيل الرشاد ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات .. يقول : فلا تهلك نفسك حزنا على ضلالتهم وكفرهم بالله وتكذيبهم لك .

   
هذا هو مفتاح الشر كله. أن يزين الشيطان للإنسان سوء عمله فيراه حسناً .أن يعجب بنفسه وبكل ما يصدر عنها .ألا يفتش في عمله ليرى مواضع الخطأ والنقص فيه
لأنه واثق من أنه لا يخطىء ! متأكد أنه دائماً على صواب !معجب بكل ما يصدر منه.لا يخطر على باله أن يراجع نفسه في شيء ولا أن يحاسبها على أمر .وبطبيعة الحال لا يطيق أن يراجعه أحد في عمل يعمله أو في رأي يراه .لأنه حسن في عين نفسه .مزين لنفسه .لا مجال فيه للنقد  ولا موضع فيه للنقصان !هذا هو البلاء الذي يصبه الشيطان على إنسان فيقوده إلى الضلال . فلا يأمن مكر الله   .

 "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ".ليشمل كل جواب .كأن يقال: أفهذا يرجى له صلاح وتوبة ؟ أفهذا يستوي مع المتواضعين الأتقياء؟ . . .إلى آخر صور الإجابة عن مثل هذا السؤال .وهو أسلوب كثير التردد في القرآن .وتجيب الآية بأحد هذه الأجوبة من بعيد:فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات
وكأنما يقول: إن مثل هذا قد كتب الله عليه الضلالة مستحقا لها بما زين له الشيطان من سوء عمله فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء  بما تقتضيه طبيعة الضلال في ذلك وطبيعة الهدى في هذا .طبيعة الضلال برؤية العمل حسنا وهو سوء . وطبيعة الهدى بالتفتيش والحذر والمحاسبة والتقوى . .وهو مفرق الطريق الحاسم بين الهدى والضلال
وما دام الأمر كذلك فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وهي حالة يعانيها الدعاة كلما أخلصوا في دعوتهم وأدركوا قيمتها وجمالها وما فيها من الخير .ورأوا الناس في الوقت ذاته يصدون عنها ويعرضون ولا يرون ما فيها من الخير والجمال .ولا يستمتعون بما فيها من الحق والكمال.

    لذلك يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه:   الدعاء المأثور:  "اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه" ذكره البهوتي في كتابه "شرح منتهى الإرادات"قال: وفي الدعاء المأثور: "اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماما) " ابن كثير) ، وهذا الدعاء من الأدعية الجامعة النافعة ، ومعناه أن العبد يسأل ربه تبارك وتعالى أن يوفقه لمعرفة الحق والصواب في كل ما حصل فيه الاختلاف بين الناس من مسائل العلم، وفي كل ما يستجد من أمور للعبد في حياته ويسأل الله أن يرزقه اتباع الحق والثبات عليه، كما أنه يسأل ربه أن يوفقه لرؤية الباطل باطلاً وضلالاً ويرزقه اجتنابه كما قيل:
عـــرفت الشــرَّ لا                                        للشر لكن لتـوقيه
ومن لم يعرف الشر                                          من الناس يقع فيه
وقد أمر الله عباده أن يسألوه الهداية إلى الصراط المستقيم في كل صلاة "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" [الفاتحة:6]، وكان النبي - صلي الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل. فاطر السماوات والأرض. عالم الغيب والشهادة. أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلفت فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" أخرجه مسلم ، وفي حديث أبي ذر – رضي الله عنه -: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ..." أخرجه مسلم.

    وكم من المعاني العظيمة التي تحملها تلك الكلمات والتي تجبرنا على الوقوف عندها والتأمل فيها
"أرنا الحق حقاً "لا يكفي أن يكون هناك حق لتحصل النجاة ، وإنما تحصل النجاة لو أرانا الله ذلك الحق أنه حقاً ، فكم من الناس والأمم جاءهم الحق من ربهم ولكن ٌطمست قلوبهم وعميت أبصارهم عنه فما رأوه حقاً واعتبروه باطلاً فنكروه بالكلية وحاربوه وعاندوا واستكبروا ، ( وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ) (الزخرف : 30) ومثلما قالى تعالى عن قوم ثمود:" وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى"(فصلت:17)

   ولنا في قصص وسير الأنبياء جميعاً أكبر الدليل على ذلك ، فما من نبي أرسل من الله إلا عاداه قومه وردوه وأنكروا ما جاء به وهو الحق من ربه .. ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) (السجدة : 3(

    وإنها لدرجة كريمة ومنة عظيمة من الله على عبده لمَّا يريه الحق حقاً ، فحري بالعبد آنذاك أن يحمد ربه ويقول الحمد لله الذي عافنا مما أبتلى به غيرنا وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا. فمن هداه الله أن يرى الباطل باطلا ويرزقه اجتنابه ويعرف الحق حقا ويرزقه اتباعه هو فى نعمة لا يحظى بها كثير من الناس فأغلب الناس ترى الباطل حقا أو ترى الحق باطلا فالتمييز بين الحق والباطل نعمة تستحق الشكر ، لذلك سُمِّى عمر بن الخطاب رضى الله عنه "الفاروق" لأنه استطاع أن يميز بين الحق والباطل فى وقت افتقد غيره من الكفار إلى تلك الميزة.

"وارزقنا إتباعه"  يا لحظ وسعادة من أراه الله الحق حقاً ثم رزقه إتباعه ، ولنا القدوة في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما جاءهم الحق من ربهم إلا آمنوا به وصدقوا النبي واتبعوه ، إتباع المستسلم المسلم لأمر الله ورسوله ، لا إتباع العقلانيين!!

   فكان إتباعهم في القول والفعل ، وفي الشكل والمضمون ، وفي الجوهر والمظهر وفي كل صغير وكبير ولم يكن من النبي شيء صغير ، أما غيرهم مما عرفوا الحق من ربهم ورأوه حقاً ولكن لم يوفقوا لإتباعه فكان إتباعهم للهوى أكبر ومن اتبع الهوى هوى... ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص : 26

الشطر الثاني " وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه "

كم من باطل زينه الشيطان عند بعض القوم وألبس عليهم فتعاملوا معه وكأنه الحق ويظنون أنهم يرضون ربهم بإتباعه او يفكروا فى الامر كذلك

"وارزقنا اجتنابه "كل نبي أرسل جاء لقومه بالآيات من الله ، وكلما رأوا آية وعلموا أن الله هو الحق وما هم عليه باطل ما ازدادوا إلا تمسكاً به ، فمنهم من كانت علته في ذلك اتباع الآباء"  بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ"  ) الزخرف : 22 ) ومنهم من خاف على ضياع جاهه وماله وملكه إن ترك ما هو عليه من الباطل فآثر الحياة الدنيا على الآخرة فهلك ، ومنهم من حالت نزعته القبلية وحمية الجاهلية دون اجتنابه للباطل مع علمه به ومثل ذلك قوم مسيلمة الكذاب ، لما خرج فيهم وادعى النبوة قالوا له إن محمداً يتلو آيات ويقول أنها من وحي ربه فقل لنا مثل ما يقول ، فألف بعض الخزعبلات من الأقوال وادعى أنها من وحي الله له ، وتعالى الله سبحانه أن يكون ذلك من كلامه ، فما أن سمعه قومه وعرفوا كذبه إلا أن قالوا : والله إنا لنعلم إنك لكذاب ولكن أن يكون لنا نبي نتبعه من قومنا خير لنا من أن نتبع نبيا من قريش!! ، ومن الناس وما أكثرهم في زماننا هذا من عرفوا الباطل وأوغلوا فيه لما عظّموا عقولهم ، يأتيهم الدليل من الشرع واضح بين على ما هم فيه من الضلالة فيستكبروا ويعاندوا ويردوه بعد احتكامهم لعقولهم الخاوية وقلوبهم المريضة ولهم في ذلك أسوة في معلمهم الأول إبليس لعنة الله عليه لما أبى الامتثال لأمر ذي الإكرام والجلال حسدا من عند نفسه
"
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ" (الأعراف : 12(




نرمين كحيلة





الأحد، 5 أغسطس 2012

وطن نظيف




   كنت بصحبة صديقة ألمانية جاءت لزيارة مصر وكنا فى وسيلة مواصلات فقالت لى إحدى الراكبات:خذى هذه الورقة وألقِها من النافذة التى بجوارك فأخذتها وأغلقت عليها قبضة يدى ولم ألقِها فتعجبت السيدة وسألتنى:لماذا لم تلقِها؟ فقلت:لأنى لا أريد أن يظهر الشعب المصرى بأسوب غير حضارى أمام الأجانب. فأخذت منى الورقة وألقتها هى فقالت لى صديقتى:لو حدث عندنا فى ألمانيا أن ألقى شخص بورقة على الأرض لدفع غرامة ، فأريتها حقيبتى التى اكتظت بالمخلفات حرصا منى على نظافة الشارع وقلت لها:أنا أحتفظ بها حتى أعود للبيت فأرميها.

    وذات يوم سمعت رجلا يقول لابنه الصغير الذى ذهب ليغلق غطاء صندوق القمامة: لا تفعل فليس لك شأن دعها مفتوحة. فتعجبت لسلوك الأب الذى يعلم ابنه السلبية فقلت له:يا رجل إن ابنك إيجابى فلماذا تعلمه السلبية؟ فقال:اذهب يا بنى وأغلق الصندوق حتى لا تغضب هذه المرأة. وتذكرت سلوكيات كثيرة نفعلها مثل إلقاء أكياس القمامة فى الشارع على بعد خطوات من صندوق القمامة وقارنت بين هذه السلوكيات المرفوضة شرعا وبين ما حكاه رجل سافر إلى أوروبا فأكل شيئا ثم ألقى غلافه فى الشارع فإذا برجل يتلقفها ويعيدها إليه ويقول:عندما تعود إلى بلدك ألقها هناك.
 
    وإن أشد ما يسوؤنى هو منظر القمامة فى كل مكان والتى بدأت كمياتها تتزايد يوما بعد يوم على الرغم مما جاء به الإسلام من الوعيد الشديد على من ينتهك حقوق الطريق ويجعلها موطناً للقاذورات والفضلات ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : "اتقوا اللاعنين ، قالوا : وما اللاعنان يا رسول الله ؟ ، قال : الذي يتخلّى في طريق الناس أو ظلهم" والمقصود أنه مستحقّ لغضب الله تعالى وذمّ الناس لإفساده الطريق وحرمانه لهم من التمتّع في أماكن مواطن الراحة كظلّ الأشجار ونحوها .


    وفي رواية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: "مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق (وسط الطريق) ، فقال : والله لأنحّين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم ، فأدخل الجنة" رواه مسلم .

   في هذا الحديث يحكي لنا النبي – صلى الله عليه وسلم – قصّة أحد الناس الذين تملّكهم الحرص على الآخرين ، فبينما هو يمشي في بعض حاجته ، أبصر في وسط الطريق غصن شجر مليء بالأشواك ، فاستوقفه ذلك ، ثم فكّر في الأذى الذي قد يسبّبه وجود مثل هذا الغصن على الناس ودوابّهم ، فقال في نفسه : " والله لأنحّين هذا عن المسلمين كى لا يؤذيهم " ، وبكل رجاء أردف قائلا : " لعل الله عز وجل يغفر لي به "  
    عملٌ قليلٌ في نظر الناس ، قد لا يُكلّف من الجُهد أو الوقت شيئاً ، لكنّ الله تعالى بواسع رحمته وعظيم كرمه جعل ما فعله سبباً في مغفرة ذنوبه ودخول الجنة ، استحقه بنيّته الحسنة ، ولولا فضل الله ما أُثيب .

    ومن القضايا التي جاء بها الحديث إعطاء الطريق نوعاً من الحقوق والدعوة إلى العمل بها ، فإن طرق الناس ملك للجميع ومسؤوليّتها مشتركة بين جميع أفراد المجتمع ، وهذه سابقةٌ حضاريّة تعكس اهتمام الإسلام بحماية الممتلكات العامّة ونظافتها ورعايتها ، على أساسٍ من الوازع الديني .

    ومن مظاهر اهتمام الإسلام بهذا الجانب الهام ، بيان فضائل هذا السلوك الراقي من خلال عدد من الأحاديث ، فقد جاءت البشارة بالمغفرة والجنّة في سياق القصّة ، إضافةً إلى أحاديث أخرى تجعل هذا الفعل من جملة الأعمال الصالحة التي تدلّ على إيمان صاحبها ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال :"الإيمان بضع وسبعون شعبة ، فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (رواه مسلم) ، وكذلك جعل الإسلام ذلك الفعل باباً عظيماً من أبواب الصدقة ، فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال : "كل سلامىأي مفصل - من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس : - ثم ذكر جملةً من الأعمال وفيها : - ويميط الأذى عن الطريق صدقة" (رواه البخاري).
    وهى بذلك عبادة أفضل من صلاة وصوم التطوع وهى صدقة يغفلها كثيرون رغم سهولتها. والغريب أن هناك من يحمل الرئيس مرسى المسؤولية كاملة عن تفشى ظاهرة القمامة فى الشوارع فهل الرئيس مرسى هو من يلقى القمامة فى طريق الناس؟ لا بد أن نتعاون جميعا حاكم ومحكوم فى القضاء على هذه الظاهرة ولا نلقى بالتبعة كلها على شخص واحد؟ فعندما طلب الناس من ذى القرنين أن يبنى بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدًا قال لهم:"  ... ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما )"( الكهف:95)

   يقول تعالى: قال ذو القرنين : الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السد بينكم وبين هؤلاء القوم ربي ، فقواني عليه ، خير من جعلكم ، والأجرة التي تعرضونها علي لبناء ذلك ، وأكثر وأطيب ، ولكن أعينوني منكم بقوة ، أعينوني بفعلة وصناع يحسنون البناء والعمل . يعنى لم يعتمد الناس على ذى القرنين وحده بل ساعدوه بكل ما أوتوا من قوة.

    لكن تلك الصدقات البسيطة لم تجد بيننا إلا تطبيقا بسيطا لها، بل إننا نجد من سلوكيات البعض من ساكني المدن الحديثة خاصة إعراضا عن القيام بصدقة واحدة منها كـ (إماطة الأذى عن الطريق)، فتحول الأذى في طرقاتنا إلى كارثة، لا.. ليس طرقاتنا فقط ، بل وحتى سلالم عماراتنا التي أصبحت مرتعا للأذى تعبث به الكلاب والقطط الضالة.

   وتلوث تلك الفضلات كل شئ والطرقات والحدائق والمتنزهات ومجاري المياه.
وتتسبب تلك الفضلات في العديد من المشكلات المتعلقة بالأمان والصحة العامة حيث تمثل مرتعا خصبا للحشرات والقوارض الضارة إضافة إلى تسببها في التلوث البصري ونتن الرائحة وتلوث التربة ومصادر مياه الشرب وسد المجاري المائية ؛ مما يتسبب في أذى الإنسان والحيوان والنبات.

    وتتمثل خطورة كثير من تلك الفضلات إذا لم تكن قابلة لإعادة الاستخدام أو إعادة التدوير في أنها لا تتحلل بسهولة في التربة، فالكرتون المغلف بالبلاستيك يستغرق خمس سنوات ليتحلل، أما الأحذية الجلدية فتحتاج من 25 إلى 40 عاما، والنايلون من 30 إلى 40 عاما، والعلب القصدير من 50 إلى 100 عام، والألمنيوم من 80 إلى 100 عام، أما الحلقات البلاستيكية سداسية الطبقات فتحتاج إلى 450 عاما، أما الزجاج فيحتاج إلى مليون عام، بينما الزجاجات البلاستيكية تبقى إلى الأبد.

   من كل ما سبق نتبين معنى قول الحق: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.. (الروم:41). ومعنى وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لتلك الفضلات بالأذى ، وحكمة أن يكون سلوك الإماطة عن الطريق (صدقة)

    ولا أدري في الحقيقة كيف يمكن أن نصف سلوك الناس أهو ناتج عن اللامبالاة؟ أم عن ضعف الوازع الديني؟ واكتفاء خطباء المساجد بأن يدعوهم إلى الإكثار من العبادات ، والصمت عن دعوتهم إلى الكف عن الإفساد في الأرض ، وعن دعوتهم إلى إصلاح ما أفسدوه وما يستمرون في إفساده إذا أرادوا توبة وقربا حقيقيا من الله؟

   فمن منا يأخذ نية فى هذا الشهر الكريم هو وأولاده أن يميط أذى واحدًا عن الطريق كل يوم، ويدعو شخصًا واحدًا إلى تلك الفضيلة ؟

   إن هذ الصدقات التي ذكرها لنا الحديث الشريف وغيرها مما جاءت بها نصوص الشرع الحنيف تعظم نتائجها إذا تحولت من مجرد سلوك فردي (مندوب) ، إلى حركات ومؤسسات ترى في ذلك المندوب واجبا كفائيا على أقل تقدير في ظل تعاظم المشكلات الناتجة عن اتكال الناس على أن الأمر لا يعدو أن يكون فضلا لا إلزام فيه ، والناتجة عن اعتماد الجميع على الجميع حتى تحولت شوارعنا إلى مجمعات للأذى.

نرمين كحيلة