السبت، 6 يوليو 2013

استحبوا العمى على الهدى




 


     قال الله تعالى:وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( فصلت آية 17 ) أى أن الله أراهم وأرشهدهم إلى طريق الحق والإيمان ولكنهم أصروا على الكفر والضلال.

     وهذا ما حدث تماما معنا فقد هدانا الله ووفقنا للقيام بثورة عظيمة ضد طاغية ولكننا كرهنا الديمقراطية والشرعية والانتخابات النزيهة وأحببنا القمع والقهر والعودة لغياهب السجون وتكميم الأفواه والديكتاتورية فانقلبنا على الشرعية وعلى القانون والدستور ، استكثر علينا العالم أن تخوض مصر تجربة ديمراقطية عظيمة لأول مرة فى تاريخها فحاولوا إجهاضها وإفشالها بكل طريقة وهى ما تزال فى مهدها وللأسف ساعدهم فى ذلك البسطاء من الناس ممن أنهكتهم الأزمات المفتعلة والمدبرة وشحن الاعلام كله ضد الاخوان وتصويرهم كأنهم شياطين ومحتلين واستغلوا أيضا الطامعين فى الكرسى من خاسرى الانتخابات الرئاسية أمثال حمدين والبرادعى وموسى الذين فعلوا مثل بنى إسرائيل حين اعترضوا على الملك الذى أرسله لهم الله وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة:247)
     هؤلاء الذين ينتمون لحركة تمرد ولجبهة الانقاذ ليس لهم أية صفة ليتكلموا باسم الشعب كله ولم يفوضهم أحد للتحدث باسم 90 مليون مواطن والتوقيعات المزورة التى جمعوها لا تسمن ولا تغنى من جوع لأننا دولة نظامية تحترم القانون والدستور والشرعية فمن لا يرضى عن أداء الدكتور مرسى فليغيره عن طريق الصناديق وليس عن طريق الميادين ، هذا يوصلنا لردة وانتكاسة وضربة قاسمة فى ظهر الديمقراطية والثورة.
     يقول الله تعالى: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا" (الإسراء:34)
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود"ِ
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ}(النحل: 91)
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان وجاء في حديث آخر : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان * ( صحيح ) _ وأخرجه البخاري ومسلم . وجاء في الصحيحين عن رسول لله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان بن فلان
    كل من عاهد الدكتور مرسى وبايعه فى صناديق الانتخابات ثم خرج عليه فى الانقلاب العسكرى ما هو إلا خائن لله وللرسول وللوطن ، ناقض للعهد وغادر. عار عليكم أن تنقضوا عهدكم معه وتعودوا إلى الدولة البوليسية القمعية التى أغلقت كل قنوات الرأى المخالف وأخذت تعتقل كل من يخالفهم ، كيف ترضون أن ينقلب الجيش على رئيس شرعى منتخب جاء إلى سدة الحكم بطريقة شرعية قانونية شريفة وتقبلون أن تولوا عليكم البرادعى الذى اغتصب الحكم بطريقة دنيئة غير شريفة وقد خسر خمس مرات فى انتخابات سابقة أى رفضه الشعب ولفظه؟ لو كانت لديه أى نزعة أخلاقية لرفض هو نفسه أن يتولى أية مناصب لا يستحقها بعد فشله الذريع فى اجتياح الانتخابات كما يحدث ذلك فى كل دول العالم المتقدمة..إين عقولكم وضمائركم؟ ترضون بالخاسر وترفضون الفائز؟ فيا من استحببتم العمى على الهدى إذا كنتم لا ترضون بالدكتور مرسى والاخوان فلماذا اخترتموه وانتخبتموه فى الصندوق؟ إن أمامكم طريقا وحيدا للإطاحة به وهو الصناديق أما الفتونة والبلطجة التى أطحتم به من خلالها فلا تليق أبدا بدولة عظيمة مثل مصر ، هل تريدون أن توصلوا رسالة للعالم أننا شعب لا نحترم الصناديق ولا الدساتير ولا القوانين ولا العهود ومنطقنا الوحيد هو القوة ، البقاء للأقوى وليس للأصلح؟ عودوا إلى رشدكم يرحمكم الله.
نرمين كحيلة

 

الجمعة، 14 يونيو 2013

لا تتعجلوا الحصاد




       إن من إرادة الله أن يذكر الصبر في القرآن الكريم لهداية القارئ المؤمن.
 ذكر الصبر ومشتقاته 103 مرات في القرآن الكريم في 45 سورة تمثل بمجموعها 40 بالمئة من مجموع سور القرآن الكريم البالغ عددها 114 سورة، أما السور التي يتكرر فيها ذكر كلمة الصبر عدة مرات فهي
 
البقرة (9 مرات)، آل عمران (8 مرات)، الكهف (8 مرات) النحل (7 مرات).
  -
تحتوي 93 آية على كلمة الصبر، وعشر من هذه الآيات يرد فيها ذكر الصبر مرتين كما ترد كلمة (اصبر) 19 مرة.
 -(
اصبروا) خمسة عشر مرة.
-(
الصابرين) خمسة عشر مرةأيضا
فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (القلم:48)


     وقد صدق عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين قال: اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم. أى مهما كان النعيم الذى يعيش فيه الإنسان لا بد أن يعود نفسه على معيشة الزهد لأن النعم لا تدوم فإذا زالت  يكون الإنسان قد وطن نفسه ودربها على فقدانها فلا يشعر باكتئاب وإحباط ويستطيع أن يواصل حياته.


   يتضح من الآية الكريمة أن بنى إسرائيل كانوا يعيشون حياة الرفاهية والترف والنعيم فى أرض مصر يأكلون من خيراتها ومنهم من يسكن القصور ولديه خزائن من المال الوفير مثل قارون ولكن كانت مشكلتهم الوحيدة هى الذل والهوان على يد فرعون ولما خرج بهم موسى عليه السلام من مصر ليرحمهم من هذا الذل فوجئ بأنهم يشتاقون إلى اللقمة المغموسة بالذل والهوان ويطلبون منه أن يحضر لهم الفول والعدس والبصل فتعجب وقال لهم:إذا كنتم تريدون الترف مع الذل فعودوا إلى مصر. صحيح أن حياتهم بعد الخروج من مصر كان فيها بعض المشقة المؤقتة لكن على الأقل رؤسهم مرفوعة وكرامتهم عادت لهم وهذه هى سنة الله التى تكررت كثيرا على مر التاريخ فدائما المرحلة الانتقالية التى تعقب حكم الظلم والجور والطغيان والجبروت والقهر تكون بها بعض المشقة المؤقتة التى يجب تحملها حتى لا نحيا حياة الذل والهوان.

    وما أرى الذين يطالبون بعودة مبارك ويتغنون بأيامه والترف الذى رأوه على يديه إلا كبنى إسرائيل حين تمنوا العودة لجبروت فرعون من أجل الحصول على المواد التموينية رغم أن ما أعطاهم ربهم من المن والسلوى هو أفضل كثيرا مما طلبوه ولكنهم مع ذلك يتغنون بالماضى ويرون أن وجود موسى النبى بينهم وتأييد ربهم لهم ليس كافيا وأن معيشتهم السابقة أفضل  بل وصلت بهم الوقاحة أن اتهموا سيدنا موسى بأنه أخرجهم من مصر ليهلكهم.

    ولننظر إلى الفلاح حين يرمى البذرة فى الأرض هل ينتظر نموها فى اليوم التالى؟ أم أنها تحتاج لشهور طويلة وأحيانا سنوات لتنبت وتؤتى أكلها؟

     لو نظرنا لمرحلة انتقالية أخرى فى التاريخ ، مرحلة فارقة بين الخير والشر ، بين الحق والباطل ، بين الظلم والعدل وهى قصة المسلمين الأوائل فى الشِعب حيث قرر كفار مكة  ألا يناكحوهم -لا يزوّجونهم- ولا يتزوجون منهم، وأن لا يبايعوهم، لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم، وألا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، وأن لا يقبلوا من بني هاشم وبني المطلب صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسْلموا رسول الله لهم للقتل.
    من حينها تكون قد بدأت مرحلة جديدة من المعاناة والألم، تلك التي عاشها المسلمون في بداية الدعوة الإسلامية، فقد قُطع الطعام تماما عن المحاصرين، لا بيع ولا شراء، حتى الطعام الذي كان يدخل مكة من خارجها وكان يذهب بنو هاشم لشرائه، كان القرشيون يزيدون عليهم في السعر حتى لا يستطيعون شراءه، ومن ثَمَّ يشتريه القرشيون دون بني هاشم.
    وقد بلغ الجهد بالمحاصرين حتى كان يسمع أصوات النساء والصبيان يصرخون من شدة وألم الجوع، وحتى اضطروا إلى التقوت بأوراق الشجر، بل وإلى أكل الجلود، وقد ظلت هذه العملية وتلك المأساة البشرية طيلة ثلاثة أعوام كاملة، ثلاث سنوات من الظلم والقهر والإبادة الجماعية، ومع ذلك لم يتراجع المسلمون ولم يرتدوا ولم يتهموا النبى صلى الله عليه وسلم بأنه أوردهم التهلكة وبعد هذه الفترة الانتقالية التى امتدت سنوات انتصرت الدعوة الإسلامية وانتشرت وبدأت الحضارة الإسلامية العظيمة لأن المسلمين صبروا.
    ولأن الله لا يريد لعباده أن يتعودوا حياة الترف فينسوا دينهم وربهم كما حدث ذلك كثيرا على مر العصور "بل متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر" من أجل ذلك جاء تحريم الشرب فى الأوانى الفضة والذهب بنص الحديث المتفق عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
    بل جاء في حديث أم سلمة التوعد على الأكل والشرب فيهما بنار جهنم، فيكون من كبائر الذنوب. وهو ما ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: "إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". وقد ألحق بالأكل والشرب سائر الاستخدام عند الجمهور.
   وقد كان الامام ابن حنبل رحمه الله يجلس على الأرض ويرفض شرب الماء البارد وحين سألوه لماذا لا تجلس على الكرسى وتشرب الماء البارد؟ قال لهم: أخشى الآية الكريمة التى تقول:"ثم لتسألن يومئذ عن النعيم"

    وكذلك حين هاجر النبى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة لم يجد بانتظاره الترف والرفاهية بل وجد المشقة والجوع هو وأصحابه وكانت حياتهم هنك صعبة "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ قَالا الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا" وكان أبو بكر وعمر يضعان على بطنيهما حجرا فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع حجرين.

    لقد تعودنا – للأسف - على حياة الرفاهية وهذا خطأ ، حتى صار انقطاع الكهرباء يمثل كارثة لنا لا نطيق تحملها رغم أن الأجيال التى سبقتنا كانت تعيش على ضوء الشموع ، لكن حياة الترف أفسدتنا وجعلتنا لا نصبر على بعض المشقة حتى تتحقق نهضة بلادنا وتؤتى الثورة التى قمنا بها ثمارها ونلهث وراء نظام قديم استعبدنا لمجرد أنه - من وجهة نظر البعض - كان يوفر لنا المواد التموينية ، تماما مثل منطق بنى إسرائيل.

    فإذا كانت المرحلة الانتقالية التى نعيشها بها بعض المشقة والصعوبات والمشاكل فهذا شئ طبيعى بعد الثورة على نظام فاسد.
      
        فصبرا صبرا ولا تتعجلوا الحصاد.



نرمين كحيلة




الخميس، 9 مايو 2013

تبرير المعصية




     من العجيب للعاصى أن يبرر معصيته بدلا من الاعتراف بها والندم عليها فكانت أول معصية تمت هى معصية الشيطان عندما رفض السجود لآدم وبدلا من التوبة والاستغفار قام بتبرير معصيته.
قَالَ مَا مَنَعَك َألا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الأعراف:12)
     هذه القصة ذكرها اللّه تبارك وتعالى في سورة البقرة، وفي أول سورة الأعراف، وفي سورة الحجر، والكهف،  وهي أن اللّه سبحانه وتعالى، أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام، بأنه سيخلق بشراً من صلصال من حمأ مسنون، وقد تقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته، فليسجدوا له إكراماً وإعظاماً واحتراماً وامتثالاً لأمر اللّه عزَّ وجلَّ، فامتثل الملائكة كلهم سوى إبليس ولم يكن منهم جنساً، كان من الجن وليس من الملائكة فخانه طبعه وجبلته، فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عزَّ وجلَّ فيه، وادعى أنه خير من آدم، فإنه مخلوق من نار، وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر اللّه تعالى، وكفر بذلك فأبعده اللّه عزَّ وجلَّ، وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض.

   ولو قارنا بين موقف الشيطان وموقف آدم عليه السلام لوجدنا أن الاثنين عصيا الله ولكن الفرق بينهما أن الشيطان برر معصيته أما آدم فقد اعترف بها واستغفر الله "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" ) الأعراف : 23)

     ونجد صورة أخرى من صور تبرير المعصية تتجلى فى أوضح صورها فى قصة أصحاب السبت فقد ورد ذكر القصة مرتين إحداهما في سورة البقرة والمرة الثانية بتفصيل أكثر فى سورة الاعراف الآيات (163-166).
    قال الله تعالى في سورة الأعراف:"وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ."
     وقال تعالى في سورة "البقرة": وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ" .
    وقال تعالى في سورة "النساء:" أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا"
     أبطال هذه الحادثة، جماعة من اليهود، كانوا يسكنون في قرية ساحلية. وكان اليهود لا يعملون يوم السبت، وإنما يتفرغون فيه لعبادة الله. فقد فرض الله عليهم عدم الانشغال بأمور الدنيا يوم السبت بعد أن طلبوا منه سبحانه أن يخصص لهم يوما للراحة والعبادة، لا عمل فيه سوى التقرب لله بأنواع العبادة المختلفة.
     لقد ابتلاهم الله عز وجل، بأن جعل الحيتان تأتي يوم السبت للساحل، وتتراءى لأهل القرية، بحيث يسهل صيدها. ثم تبتعد بقية أيام الأسبوع. فانهارت عزائم فرقة من القوم، واحتالوا الحيل  كما هو طبع اليهود- وبدأوا بالصيد يوم السبت. لم يصطادوا السمك مباشرة، وإنما أقاموا الحواجز والحفر، فإذا قدمت الحيتان حاوطوها يوم السبت، ثم اصطادوها يوم الأحد. كان هذا الاحتيال بمثابة صيد، وهو محرّم عليهم.
    فانقسم أهل القرية لثلاث فرق. فرقة عاصية، تصطاد بالحيلة. وفرقة لا تعصي الله، وتقف موقفا إيجابيا مما يحدث، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحذّر المخالفين من غضب الله. وفرقة ثالثة، سلبية، لا تعصي الله لكنها لا تنهى عن المنكر.
وكانت الفرقة الثالثة، تتجادل مع الفرقة الناهية عن المنكر وتقول لهم: ما فائدة نصحكم لهؤلاء العصاة؟ إنهم لن يتوقفوا عن احتيالهم، وسيصبهم من الله عذاب أليم بسبب أفعالهم. فلا جدوى من تحذيرهم بعدما كتب الله عليهم الهلاك لانتهاكهم حرماته.
    لقد كان العذاب شديدا.  فمسخهم الله، وحوّلهم لقردة عقابا لهم لإمعانهم في المعصية.
   وتحكي بعض الروايات أن الناهين أصبحوا ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد. فتعجبوا وذهبوا لينظرون ما الأمر. فوجودا المعتدين وقد أصبحوا قردة. فعرفت القردة أنسابها من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابهم من القردة; فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ; فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم ثم ماتت بعد ثلاثة أيام. 
    وكما يقول د. ياسر برهامي تعليقا على هذه القصة:"هذه القصة وإن وقعت لأمة غير أمتنا فقد وقعت في جماعة من بني إسرائيل وإن لم يكن زمنها هو زمننا، إلا أننا نتعلم من قصص القرآن دائما كما ذكر الله عز وجل أنه عبرة لأصحاب العقول "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِي الأَلْبَابِ" [يوسف: 111]، فلا بد أن نتعلم، ونستفيد، ونطبق هذه القصص علي واقعنا وعلي حياتنا، وليس فقط أن نجعلها مجرد حكاية للتسلية.
    ذلك أن كثيراً من الناس قد يظن ما ذكره الله عن الماضيين أنه ليس لنا ويقول: وما لنا ولهؤلاء؟ وهذا باطل فإن أسلوب الصحابة رضي الله عنهم في القرآن وتطبيقه لم يكن أبداً كذلك فإنهم كانوا يرون أن ما خوطب به السابقون خطاب لنا كذلك.

     والحيتان هنا معناها السمك ، وهي كذلك في كلام العرب ، كل سمكة تسمي حوتا ، فكانت الأسماك تأتيهم يوم السبت في البحر شارعه زعانفها وخراطيمها في المياه ، تظهر نفسها ، والأسماك - قطعا- لا تدرك أيام الأسبوع ، ولكن قدر الله هذا الأمر العجيب ويوم لا يسبتون أى لا تأتيهم باقي أيام الأسبوع  ، لا يكون في البحر سمكة واحدة ، فسبحان الله! والتحايل علي شرع الله صفة من صفات اليهود ، ولكنها ورثت فيمن أشبههم ممن ينتسب إلي الإسلام وكما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: "لا تشبهوا باليهود فتستحلوا الله بأدنى الحيل".
  
     فاستحلال محارم الله بأدنى الحيل والتحايل على شرع الله سمة يهودية والعياذ بالله، وهناك من يفعلها من المسلمين، كمن يسمي الربا بغير اسمه ليضل الناس، كالاستثمار مثلاً، أو يسميه بالفائدة، أو عائداً أو نحو ذلك، وهو في الحقيقة ربا.

    ومن يتعامل مع الناس بالإقراض والزيادة عليه أو بالإقراض الذي تشترط فيه شروط معينة كبيع أو إجارة أو عقد آخر كما يصنع كثيراً من الناس، يقرضهم قرضاً للصرف على ما يحتاجون من أرض وغيرها بشرط أن يبيعوا له إنتاج أرضهم، وهذا للأسف كثير.
      أو مثل كثيراً من الناس الذين يتعاملون بأنواع من القروض بفائدة من البنوك أو صناديق الاستثمار أو رجال الأعمال وغيرها، كل ذلك من الربا المحرم، وإن سمي بغير اسمه، حتى ولو تبرع بفتوى باطلة بعض من ينتسب إلى أهل العلم، وهو ليس منهم وإن كان عند الناس يشار إليه بالبنان، فإن من أحل ما أجمع العلماء على تحريمه، وإن كان متأولاً ويزعم إنه مجتهد، فهو مبطل، لأن الاجتهاد لا يكون في الإجماع.
   
      ومن الحيل المنتشرة نكاح التحليل، الذي يطلق امرأته ثلاثاً ثم يتفق مع رجل يحلها له، يسمى في الشرع الإسلامي التيس المستعار، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله المحلل والمحلل له"، وذلك بأن يتفق مع رجل بأن يتزوج امرأته ويطؤها أو لا يطؤها، ثم يطلقها بعد يوم أو يومين، يزعم بذلك أنه يحله للأول، فهذا من التحايل على شرع الله، بل ذلك يبطل العقد الثاني، ولا يحلها للزوج الأول.
   
     وهناك أنواع من الحيل في البيوع، مثل بيع العينة وهو نوع من الربا لكن بحيلة على الربا، وذلك بأنه يقول لمن يريد أن يقترض منه مائة مثلاً والرجل لن يقرضه مائة إلا بمائة وعشرون، فيقول: اشترِ مني هذه السلعة بمائة، وهو يعرف ما سوف يتم، فيشتريها بمائة ويقبضها إياه، ثم يقول: أنا أشتريها منك بالتقسيط بمائة وعشرون، فرجعت له سلعته، وأصبح مديناً بمائة وعشرون، وهو قبض مائة فصارت المائة مائة وعشرون، ودخلت بينهما السلعة.
    
     وقريب جداً من هذا مسألة التورق وصورته لو أن رجلاً لا يجد من يقرضه فيشتري سلعة من السوق بالتقسيط بسعر مائة وعشرون، وهو يعلم أنها تساوي مائة، فيبيعها بمائة، وهذا التورق بيع عينة من ثلاثة أطراف.فالتعامل بالتقسيط بدون ضوابط شرعية يوقع الناس في الربا كثيراً والعياذ بالله بنوع من التحايل.
     فما يتم في المعارض مثلاً من أنهم يأتون بسلع لا يملكونها، ولا يشترونها، ولكن يقولون: نحن نحضر لك السلعة التي تريدها، وسندفع لك الثمن، وسدد لنا أنت بعد ذلك، فهذا الوسيط الذي لا يمتلك السلعة، ولكن يبيعها قبل تملكها وقبضها، والواجب أن يستلم السلعة وتقع في ضمانه، ثم يبيعها بعد ذلك، وله الحق في أن يربح، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، فأما أن يقول له اشترِ ما تريد، وأنا أسدده لك وأنت تسدد لي بعد ذلك، فهذا هو القرض الذي جرَّ نفعاً بلا شك وطالما أنه لم يحز السلعة ولم يمتلكها في يده، ويقبضها لا يجوز أن يربح فيها.

     وهذا نوع من التحايل على ما حرم الله عز وجل، لذلك أقول: الحذر واجب من التحايل على الشرع، خصوصاً في باب الربا، فإنه من أخطر الأبواب التي يقع فيها كثيراً من الناس من التحايل على شرع الله كما فعل اليهود في هذه القصة.

      ومن صور التحايل على الشرع قصة الممثلة صابرين حين أرادت أن تخلع الحجاب ولكنها أرادت تبرير ذلك والتحايل على شرع الله فلجأت إلى فتوى مكذوبة تقول أن الباروكة تحل محل الحجاب وقالت أنها ارتدت الباروكة فى المسلسل بدلا من الحجاب وهى بهذا قد فعلت تماما مثلما فعل بنو إسرائيل فى تحايلهم على الشرع لأنه فى كثير من الأحيان تكون الباروكة أجمل من الشعر الطبيعى فضلا عن أن ارتداء الباروكة محرم ولا يجوز ،فعن عائشة - رضي الله عنها -: أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ – تساقط - شَعَرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا فَسَأَلُوا النَّبِيَّ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ) متفق عليه). كان الأجدر بها أن تعترف بضعف نفسها واستجابتها لشياطين الإنس وتقول أنا نفسى ضعيفة تشتهى الأضواء والشهرة والأموال لذلك عدت إلى التمثيل بدلا من أن تبرر معصيتها تبريرا أحمق.
     مثل تلك البنت التى تبرر عدم ارتدائها للحجاب بأنها صغيرة أو تريد أن تتزوج أو أن الحجاب ليس فرضا.
  
     ما أعظم موقف امراة العزيز حين انكشف مخططها فى الكيد ليوسف عليه السلام فهى لم تبرر معصيتها ولم تدافع عن نفسها بل اعترفت بخطئها وندمت وقالت:"وما أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء" (يوسف:53)


     ومن صور تبرير المعصية قول المشركين أن الله أمرهم بالمعصية. قال تعالى:" وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون" الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة . وقال الحسن : هي الشرك والكفر . واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم ، وبأن الله أمرهم بها . وقال الحسن : والله أمرنا بها قالوا : لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه . قل إن الله لا يأمر بالفحشاء )الاعراف 28-30)

     وفى تفسير ابن كثير :كانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا اللّه فيها، وكانت قريشا  يطوفون في ثيابهم  وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من اللّه وشرعه، فأنكر اللّه تعالى عليهم ذلك فقال: { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} ، فقال تعالى رداً عليهم: { قل} أي يا محمد لمن ادعى ذلك { إن اللّه لا يأمر بالفحشاء} أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة واللّه لا يأمر بمثل ذلك، {أتقولون على اللّه ما لا تعلمون} ؟ أي أتسندون إلى اللّه من الأقوال ما لا تعلمون صحته، وقوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط} أي بالعدل والاستقامة. مثل الراقصة التى تقول: ربنا وفقنى فى الرقصة.

فيا من تبرر معصيتك وتتحايل على شرع الله هل تخدع الله أم تخدع نفسك؟



نرمين كحيلة





الثلاثاء، 19 مارس 2013

السفهاء



   
      شعرت بالفخر وأنا أتابع فعاليات منح الدكتوراه الفخرية للرئيس مرسى فى باكستان وفى نفس الوقت شعرت بالحزن والأسف لأن السفهاء من شعبنا حاولوا السخرية منه والتقليل من شأنه .. ما أحزننى هو أن العالم كله يعلم قيمته ويكرمه إلا سفهاء شعبه ممن يقولون ليس رئيسى ولا يمثلنى ثم يرسمون أنفسهم على شكل حمار لأنهم انتخبوه. وقد صدق المثل القائل:"لا كرامة لنبى فى وطنه" و "زمار الحى لا يطرب". فالسفهاء هم الذين يتركون تحليل الزيارة ونتائجها ويركزون على الملابس التى ارتداها الرئيس مرسى فى باكستان ويسخرون منه.

   فكما جهلنا قيمة الدكتور زويل والدكتور مجدى يعقوب وغيره من عباقرة مصر بسبب هؤلاء السفهاء فتلقفته دول العالم الكبرى فنحن نجهل الآن قيمة الدكتور مرسى ونسفه أى عمل يقوم به.. وكما قال الدكتور جمال حمدان – رحمه الله – مصر ليس فيها مكان للشخص الممتاز.

   فقد جهل قوم كل نبى قيمته واتهموه بالسفه والجنون فمثلا سيدنا هود:"قال الملأ الذين كفروا من قومه) "والملأ هم الجمهور والسادة والقادة منهم ( إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (أي في ضلالة حيث تدعونا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال على عبادة اللّه وحده) ، "قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين" (أي لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من اللّه الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه) "أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين"

    وكما اعترض بنو إسرائل على اختيار الله لطالوت لأنه لم يكن صاحب مال فقالوا: أنى يكون له الملك علينا .. وكما اعترض المشركون على النبى صلى الله عليه وسلم لمجرد أنه يتيم وفقير وتمسكوا بالقشور وتركوا الجوهر..وكما اعترض جميع الأقوام أن أنبيائهم لم يكونوا من الملائكة وكانوا من البشر.
 
    وتذكرت أن لكل مجتمع سفهائه ممن يحاولون التقليل من شأن الناجحين وقلب الحقائق وتسطيح القضايا الهامة وإفشال كل محاولات النهوض ببلادهم ..هؤلاء السفهاء تحدث عنهم القرآن الكريم في قوله تعالى:" وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (البقرة:13)

    "سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ") البقرة:142)
      
      كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قد أُمِر باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلي بين الركنين فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما فأمره اللّه بالتوجه إلى بيت المقدس ، واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهراً، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يُوَجَّه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم عليه السلام، فأجيب إلى ذلك وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر كما في الصحيحين‏.‏ ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتيابٌ وزيغ عن الهدى، وقالوا‏:‏ ‏{ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏} أي قالوا‏:‏ ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا وتارة يستقبلون كذا‏؟‏ فأنزل الله جوابهم في قوله‏:‏ "قل لله المشرق والمغرب‏" أي الحكم والتصرف والأمر كله للّه، "‏فأينما تولوا فثم وجه الله" أي الشأن كله في امتثال أوامر اللّه، فحيثما وجَّهَنَا توجَّهْنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا في كل يوم مراتٍ إلى جهات متعددة فنحن عبيده.
    قيل المراد بالسفهاء هاهنا : المشركون ; مشركو العرب ، وقيل : أحبار يهود ، قاله مجاهد . وقيل : المنافقون ، قاله السدي . والآية عامة في هؤلاء كلهم.

    وقوله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) يقول تعالى : إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس ، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه ، أي : مرتدا عن دينه ( وإن كانت لكبيرة ) أي : هذه الفعلة ، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة ، أي : وإن كان هذا الأمر عظيما في النفوس ، إلا على الذين هدى الله قلوبهم ، وأيقنوا بتصديق الرسول ، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه ، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فله أن يكلف عباده بما شاء ، وينسخ ما يشاء ، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك ، بخلاف الذين في قلوبهم مرض ، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا ، كما يحصل للذين آمنوا تيقن وتصديق ، كما قال الله تعالى : وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) [ التوبة : 124 ، 125 ]

    يقول الشيخ الشعراوى: لقد تنبأ الله عزو جل أن هؤلاء السفهاء سيقولون كذا يعنى هم لم يقولوا بعد فلو كانوا عقلاء ما قالوا ذلك حتى لا يقول عنهم الناس أنهم سفهاء.


    يقول تعالى عن السفهاء فى موضع آخر: { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس} أي كإيمان الناس باللّه وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به، وأطيعوا اللّه ورسوله في امتثال الأوامر، وترك الزواجر "قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء"  يعنون أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة، وهم سفهاء؟ ، قال تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل اللّه لكم قياما" وقد تولى سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها فقال: { ألا إنهم هم السفهاء} فأكد وحصر السفاهة فيهم { ولكن لا يعلمون} يعني ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أبلغ في العمى والبعد عن الهدى.

     وَالسُّفَهَاء جَمْع سَفِيه , كَالْعُلَمَاءِ جَمْع عَلِيم , وَالْحُكَمَاء جَمْع حَكِيم . وَالسَّفِيه : الْجَاهِل الضَّعِيف الرَّأْي , الْقَلِيل الْمَعْرِفَة بِمَوَاضِع الْمَنَافِع وَالْمَضَارّ .وهو ما ينطبق على الْمُنَافِقُينَ بِقَيْلِهِمْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء , إذْ دُعُوا إلَى التَّصْدِيق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَالْإِقْرَار بِالْبَعْثِ , فَقَالَ لَهُمْ : آمِنُوا كَمَا آمَنَ أَصْحَاب مُحَمَّد وَأَتْبَاعه  , فَقَالُوا: أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ أَهْل الْجَهْل وَنُصَدِّق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُرِيدُونَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ.

       وَذَلِكَ هُوَ عَيْن السَّفَه , لِأَنَّ السَّفِيه إنَّمَا يُفْسِد مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُصْلِح وَيُضَيِّع مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يَحْفَظ . فَكَذَلِكَ الْمُنَافِق يَعْصِي رَبّه مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُطِيعهُ , وَيَكْفُر بِهِ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُؤْمِن بِهِ , وَيُسِيء إلَى نَفْسه مِنْ حَيْثُ يَحْسَب أَنَّهُ يُحْسِن إلَيْهَا , كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَبّنَا جَلَّ ذِكْره فَقَالَ : "أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ"
    
    وأصل السَّفَه في كلام العرب : الخفة والرقة، يقال : ثوب سفيه إذا كان رديء النسج خفيفه، أو كان باليا رقيقا. وتسفهت الريح الشجر : مالت به، قال ذو الرمة : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم وتسفهت الشيء : استحقرته. والسفه : ضد الحلم. ويقال : إن السفه أن يكثر الرجل شرب الماء فلا يروى.

     ويفسر الشيخ محمد متولي الشعراوي هذه الآية بقوله: والسفهاء في قصد المنافقين هم الفقراء، ولكن ما معنى السفه في اللغة: السفه معناه الطيش والحمق والخفة في تناول الأمور، فهل تنطبق صفة السفيه على المؤمنين، الذين آمنوا بالله، أو أنها تنطبق على أولئك الذين لم يؤمنوا بالله؟ إذا كنتم تعتقدون أن الذين آمنوا هم السفهاء فلماذا تدعون الإيمان كذبا، لتكونوا سفهاء؟ لاشك أن هناك تناقضاً موجوداً في كل تصرفات المنافقين.

   فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم للإيمان، والمسلمون يدعونهم للإيمان، ولكنهم يصفون الذين آمنوا بأنهم سفهاء أي فقراء لا يملكون شيئاً، لأن سادة قريش لم يؤمنوا.. وهم يدعون أن الذين آمنوا، تصرفوا تصرفا أحمق، طائشاً، ولكن الغفلة هي المرض الذي يملأ قلوبهم لا يجعلهم ينتبهون إلى حقيقة مهمة، وهي أنهم يتظاهرون بالإيمان، ويدعون الإيمان ثم يصفون المؤمنين بالسفهاء، إذا كان هؤلاء سفهاء كما تدعون. فهل تتظاهرون بالإيمان لتصبحوا سفهاء مثلهم؟!

    إن المنطق لا يستقيم ويدل على سفاهة عقول المنافقين، أنَّ هذه العقول. لم تتنبه إلى أنها حينما وصفت المسلمين بالسفهاء، قد أدانت نفسها، لأن المنافقين يدعون أنهم مؤمنون، إذن فكل تصرفات المنافقين فيها تناقض. تناقض مع العقل والمنطق.

   لقد أبرم الرئيس عددا من إتفاقيات الإستثمار والملاحة واستخدامات الطاقة النووية السلمية ، فنشر سفهاء الصحفيين صورة الطاقة الحرارية المنبعثة فى المقطم من الكاوتش المحروق بالسولار المسروق .. وتكلموا عن الزلزال الذى حدث فى باكستان.
وبينما وصفت صحيفة ديلى ستار الباكستانية الزيارة بأنها لحظة تحول فى تاريخ العلاقة بين أكبر وأهم دولتين فى العالم الإسلامى أقام سفهاء الإعلام ماتما وعويلا.

     وقال مهاتير محمد للشعب المصرى:اعلموا أن مشروع ممر قناة السويس هو مشروع القرن الواحد والعشرين لمصر اقتصاديا بل والعالم أجمع سيستفيد منه ، أنتم أمام مشروع ضخم يوازى حفر قناة السويس من جديد ، أنتم مقبلين على ثورة اقتصادية حقيقية وعلى الجميع التكاتف من أجل إنجاح ثورتكم.
وقدمت الهند "منحة خاصة" تغطى تكاليف إطلاق قمر صناعى مصرى بالكامل.

    ووقعت مصر والهند اتفاقية مبدئية لوضع القمر الصناعى إيجيكيوبسات فى مداره حول الأرض عن طريق مركبة إطلاق هندية..فسخر السفهاء من تلك الزيارة بالرسوم الكاريكاتورية والنكات السخيفة.


    هذه هى عادة السفهاء دائما  فى كل زمان ومكان يتركون الجوهر ويتفرغون للقشور الخارجية وسفاسف الأمور.




نرمين كحيلة