الثلاثاء، 11 أكتوبر 2016

الرافضون للحق



كثرت هذه الأيام صفة ذميمة نهى عنها الإسلام وانتشرت بين الناس وهى رفض النصيحة وكأن الناس أصبحوا كلهم أتقياء ومعصومين ولا يحتاجون للنصيحة وبالتالى فكثير من الناس أصبحوا يقولون:وانا مالى كل واحد حر وعارف الحلال والحرام أو فلان بالغ وليس صغيرًا وكأن النصيحة للصغير فقط أو لا يصح أن تنصح من هو أكبر منك.
قال النبى صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"
فهذا الحديث العظيم يدل على أن الدين هو النصيحة، وذلك يدل على عظم شأنها؛ لأنه جعلها الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم": الحج عرفة"

وفى ديننا شئ مهم جدا ألا وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقد أوضح الله جل وعلا في كتابه العظيم منزلته في الإسلام، وبيَّن أن منزلته عظيمة، حتى إنه في بعض الآيات قدمه على الإيمان، الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام، كما في قوله تعالى: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ "(آل عمران:110)
فقال سبحانه وتعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"  ) التوبة:71(.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم"
"وقال أيضا:إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده"
ولما فرط بنوا إسرائيل في ذلك وأضاعوه، قال الله جل وعلا في حقهم": لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ " (المائدة:78 (

ثم فسر هذا العصيان فقال سبحانه":  كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُون" (المائدة:79)
فجعل هذا من أكبر عصيانهم واعتدائهم، وجعله التفسير لهذه الآية: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ "(المائدة:78-79). وما ذلك إلا لعظم الخطر في ترك هذا الواجب.
ثم إن الله أمرنا أن نتواصى بالحق فقال تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خَسِرَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ "(العصر:1-3(.
والنصيحة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تكون من الكبير للكبير أو من الكبير للصغير أو من الصغير للصغير أو من الصغير للكبير فقد نصح إبراهيم عليه السلام عمه الذى رباه (أباه آزر) فقال له:" يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا" ونفهم من هذه الآية أنه يجوز أن ينصح الابن أبيه أو عمه أو خاله أو جده أو من هو أكبر منه سنا.
ولنا أن نتساءل:ماذا يحدث إذا لم يتناصح الناس ولم يتناهوا عن المنكر؟ أولا: يستحقوا غضب الله وعقابه وثانيا:تنتشر الرذيلة والفساد فى المجتمع.

عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا "

فالحديث يشبه المجتمع بالسفينة وهذا المثل بليغ جداً، إذ أن المصلحة مشتركة، وأن سلامة المؤمنين كلٌ لا يتجزأ، فإذا أخطأ بعضهم انسحب هذا الخطأ على الباقين
لذلك قومٌ ركبوا سفينة وتقاسموا الأماكن، فالذين في أسفلها رأوا أنهم إذا خرقوا مكان وجودهم في أسفلها وأخذوا ماءً أراحوا من فوقهم، لكن الذين فوقهم إن تركوهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً، قال تعالى
:
﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾
يقول الدكتورمحمد راتب النابلسى: "فالخطأ الذي يرتكبه الفرد لا يصيب صاحبه فقط بل يصيب المجموع، وأوضح مثل حينما تتفلت البنت، وتتعرى، وتبرز مفاتنها، تؤذي المجتمع بأكمله، تؤذي شاباً في ريعان الشباب، بينه وبين الزواج عدة سنوات، ينبغي أن يبني مستقبله، أن يلتفت إلى دراسته، حينما تثيره بهذه المظاهر، وتلك التجاوزات، تسيء إلى كامل الأمة، إلى مجموع الأمة، فحينما ندرك أن خطأ واحداً ينسحب على المجموع، وأن المجموع في قارب واحد، فإذا أصاب هذا القارب العطب غرق كل ركابه، أي إنسان يقول: أنا لا علاقة لي ، وقع في خطأ كبير، لأن هذه الأمة التي وصفها القرآن الكريم بأنها خير أمة، قال تعالى:كنتم خير أمة أخرجت للناس (آل عمران:110) هذه الخيرية التي وصفنا بها والفضل لله عز وجل، لها علة، أي لها سبب، قال:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
علة خيريتكم أنكم:
﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

تصور أن مجتمعاً لا يأمر أهله بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ما الذي يحصل؟ الذي يحصل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟))
  [أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]
كأن الصحابة لم يصدقوا، هل يعقل أن يأتي زمان أهله لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
وأشدُ منه سيكون، قالوا: وما أشدُ منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون ـ الآن ما الذي هو أشد منه ـ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروفُ منكراً والمنكر معروفاً؟
[أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]
هذه مصيبة المصائب أن تتبدل القيم، أن يصبح الكاذب صادقاً، والصادق كاذباً، أن يؤتمن الخائن ويخون الأمين.
(( يصبح المعروف منكراً, والمنكر معروفاً))
وقعت الأمة في مصيبة ماحقة
لذلك فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلٌ من أصول الدين، بل هو كما يقول بعض العلماء: الفريضة السادسة
فإذا سكت الناس، وجاملوا بعضهم البعض، ولم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر، فقدت الأمة خيريتها، وإذا فقدت خيريتها أصبحت أمة كأية أمة خلقها الله، لا شأن لها عند الله، ولا وزن لها عند الله
ويسترسل الدكتور النابلسى قائلا:أي قد تأتي ابنة أخيك إلى بيتك لتزورك، بثياب فاضحة تبرز كل مفاتنها، وأنت عمها فإن لم تنطق بأية كلمة فإن قبولك لهذه الفتاة المتفلتة يغري ابنتك أن تقلدها، جاء الشر إلى بيتك، أما إذا نصحتها، مادمت قد نصحتها فأنت إنسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
فإما أن تغير المنكر بيدك، أو بلسانك، أو بقلبك، إذا كنت من أولي الأمر فيجب أن تغيره بيدك، وإن كنت من أولي العلم فبلسانك، وإن كنت لا من هؤلاء ولا من هؤلاء فبقلبك، وهذا أضعف الإيمان.

أذكر قصة سائق سيارة عمومي، جاءه من يركب معه من بيروت إلى دمشق، شابٌ وشابة، لكنهما طلبوا منهما التريث قليلاً لأن إنساناً سوف يأتي لهم بحقيبة، انتظر ثلث ساعة، جاء رجل كبير في السن وعلى رأسه هذه الحقيبة، يبدو أنه تأخر، فهذا الشاب وكزه وقال له: لماذا تأخرت؟ ثم أخذ المحفظة و وضعها في الصندوق وانطلقا إلى الشام، في نصف الطريق سمع السائق الشابة التي تركب مع الشاب وهي زوجته، تقول لزوجها: لِمَ ضربت أباك؟ السائق لم يحتمل، وقف على اليمين، قال له: هذا الذي ضربته والدك؟ انزل، إنسان بسيط جداً لكن لم يحتمل أن يركب معه إنسان اعتدى على أبيه.
هذا مثل بسيط لو كل واحد منا رأى منكراً اعترض، أو أنكر، أو تكلم، أو تحرك، لكنا في حال غير هذا الحال، الآن الإنسان يرى كل الموبقات لا يتكلم ولا بكلمة، أنا لا أدعو أن تخاطب إنساناً لا تعرفه، لكن أقل شيء بناتك، شيء ملاحظ جداً أن امرأة محجبة معها بنت متفلتة، أغلب الظن أنها ابنتها، فكيف سمحت لها بالتفلت؟ فنحن إن لم نأمر بالمعروف وننه عن المنكر، حالنا صعب جداً، ونفقد بهذا خيريتنا، وإذا فقدنا خيريتنا فقدنا كل وعود الله لنا بالاستخلاف، وبالتمكين، وبالتطمين، إذاً يمكن أن نعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة سادسة".

كان رجلاً في قرية يعبد الله تعالى ولم يعصِهِ طرفة عين، فظهر فيها المنكر فلم يُنكره، فأرسل الله ملكاً أن يُهلك تلك القرية، فقال الملك: "أي ربي، فيها عبدك فلانٌ لم يعصك طرفة عين" فقال: "به فابدأ، إنه لم يتمعَّر وجهه فيَّ يوماً واحداً". نستنتج من هذه القصة أن الرجل الصالح لما ترك النهى عن المنكر استحق غضب الله وعقابه فكان ذلك ذنب عظيم.
وقصة موسى عليه السلام مع الرجل العاصى من بنى إسرائيل الذى منعهم الله المطر بسببه فلما تاب نزل المطر..هذه القصة التى رواها ابن قدامة فى كتاب التائبين ورواها القرطبى فى تفسيره توضح أن معصية الفرد يمكن أن تؤذى المجتمع بأكلمه.

احذر أيها القارئ أن تكون ممن ينطبق عليه هذه الآية:وإذا قيل له اتقِ الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد.. يقول المفسرون:هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا، والهدف من الأية التحذير من رد الناصحين؛ لأن الله تعالى جعل هذا من أوصاف هؤلاء المنافقين؛ فمن رد آمراً بتقوى الله ففيه شبه من المنافقين؛ ومن لم يستمع للنصائح بل تمادى فى معصيته واستعلى واستكبر في عملية إيحاء كاذب بأنه فوق مستوى النقد وأنه لا يخطئ أبدا فهو آثم والواجب على المرء إذا قيل له: « اتقِ الله » أن يقول: «سمعنا، وأطعنا» تعظيماً لتقوى الله   ، وإن هذا العمل موجب لدخول النار؛ لقوله تعالى: (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ )
وقال عبد الله بن عمر: كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه : اتقِ الله ، فيقول : عليك بنفسك ، مثلك يوصيني !!! ، لأنه لا يوجد مؤمن حقيقى يخشى الله يرفض النصيحة فإذا وجدت نفسك ترفض النصيحة فلتراجع علاقتك بربك لأن رفض النصيحة مؤشر خطر..كالرجل الذى نصح آل فرعون فقتلوه.
ذكـــر أن يهودي كان له حاجه عند هارون الرشيد فوقف على الباب ولما خرج هارون
وقف اليهودي بين يديه وقــال : إتـــق الله
فنزل هارون عن فرسه وخرّ ساجدا فلما رفع رأسه أمر بحاجة اليهودي : فقضيت
فلما رجع قيل له : يــا أمير المؤمنين نزلت عن فرسك لقولة اليهودي !
قال الرشيد : لا ولكن تذكرت قول الله تعالى :
(( و إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم وبئس المهاد ))

وقد قال عمربن الخطاب رضى الله عنه:لا خير فى قوم ليسوا بناصحين ولا خير فى قوم لا يحبون النصح

يقول الدكتور راغب السرجانى: "يتوتَّر كثير من الناس إذا تقدَّم لهم أحدٌ بنصيحة! خاصة إذا كانت النصيحة تدعوهم إلى تغيير مسارٍ قضوا فيه فترة من عمرهم، ولو كانت فترة قصيرة؛ لأنهم لا يحبون التغيير بشكل عام، أو يخافون منه، أو يكرهون اكتشاف أنهم كانوا على خطأ طوال هذه الفترة؛ فيدفعهم كل ذلك إلى ردِّ النصيحة؛ بل والهجوم على الناصح، ولو كان أمينًا.
والحقُّ أنَّ ردَّ النصيحة خُلُقٌ غير محمود؛ لذلك ذَكَرَه الله عز وجل في صفات القوم المـُهْلَكين، ولقد قال صالح عليه السلام لقومه: {
وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: 79} ]!
وقد يدفع هذا السلوك أصحابه إلى شيء عجيب؛ وهو الضغط على الناصح حتى يقول ما يُوافق هوى المنصوح! مع أنهم يَضُرُّون أنفسهم بذلك؛ إذ يحرمون أنفسهم من نور الحقيقة.
ويستطرد الدكتور راغب قائلا: أيها الأبناء درِّبوا أنفسكم على سماع النصيحة..
، اقبلوا من هذا وذاك نصحه، فإن أعجبكم فبها
وإن كرهتموه رددتموه بأدب، ولا تحرموا أنفسكم من خبرات الآخرين، ولا تحرقوا مراكبكم، ولا تُطلقوا الأحكام على قلوب الناس فإنها سرٌّ بين الله وعباده..
تَفَكَّروا في نصيحة المحبين لكم، واخرجوا من معسكركم المغلق؛ فالخير ليس محدودًا في داخله؛ إنما يعيش في الكون معنا الآلاف ممن ينصحوننا بحبٍّ، ويُريدون لنا الخير بصدق؛ فوَسِّعوا مدارككم، وارصدوا المقدمات والنتائج، وراجعوا النصائح القديمة من هذا وذاك؛ لتعلموا صحَّة طريقكم من عدمه، وإياكم من التكبُّر عن تعديل المسار إن تبيَّن لكم الخطأ فيه..






الاثنين، 25 يوليو 2016

جنة الدنيا


كنت كلما قرأت آيات القرآن الكريم التى تصف الجنة وما فيها أسأل نفسى: لماذا اختار الله سبحانه وتعالى الحدائق والشجر والأنهار لتكون جزاء ومكافأة المؤمنين ولكنى علمت الإجابة حين ذهبت إلى هذه الرحلة الممتعة والتى أريدكم أن تصحبونى فيها .. فقد استقليت مركبا ً شراعيا ً إلى جزيرة النباتات بأسوان ، فهى وسيلة المواصلات الوحيدة ، كان المشهد رائعا ً، والقارب يخترق عباب النيل والسماء الزرقاء من فوقنا ، ساعتها فقط تذكرت آية الله تعالى فى أن تسير السفن بكل ما تحمل من أثقال فوق الماء ولا يستطيع دبوس واحد أو مسمار أن يطفو فوقه ، ولذلك قال الله تعالى:"ألم ترَ أن الفلك تجرى فى البحر بنعمة الله ليريكم من آياته" (لقمان :31) "وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون"(يس :36) "ولتجرى الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون" (فاطر :35) "الله الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره" (الجاثية :45).
ولم أملك إلا أن أسبح الله طوال فترة سير المركب ، حتى وصلنا إلى الحديقة النباتية ، وهى تقع على جزيرة فى وسط النيل أمام مدينة أسوان ، وتضم مجموعة نادرة من النباتات الاستوائية وشبه الاستوائية ولذا فهى تعتبر من أهم المراكز البحثية فى مصر وواحدة من أندر الحدائق النباتية فى العالم. ومشيت فى طريق مبلط بجرانيت أسوان الوردى وهو يميز كل مشاياتها ، ويظلل هذا الطريق على جانبيه النخيل الملوكى بلونه الأبيض الرخامى وقد رأيت أعلى النخل وهو يتساقط على الأرض - أو هو فى طريقه إلى السقوط - فقيل لى أن هذه النخلة لا تحتاج إلى تقليم بل هى تقلم نفسها بنفسها بطريقة ربانية وعندما يسقط أحد أجزائها العلوية فإنه يحدث صوتا ً يشبه صوت التصفيق ، ربما لكى تنذر من يجلس تحتها حتى يغادر المكان أو ربما لبكاء النخلة على جزء منها فارقها.. ورأيت متحف الأحياء النباتية داخل الحديقة ، وكان رائعا ً هو الآخر.

وفى أثناء سيرى داخل الحديقة سمعت صوتا ً عجابا ً لم أسمعه من قبل ولما سألت عن هذا الصوت قيل لى إنه صوت طائرأبى قردان فقلت على الفور:"صديق الفلاح؟". ولم يسعنى إلا أن أضحك لهذا الصوت ، إن صوته يشبه صوت الإنسان وهو يقول لا لا.. وحاولت صديقتى تصوير ذلك الطائر وتتبعه بآلة تصويرها لكن الأشجار كانت أغصانها متشابكة وغزيرة فحالت دون رؤيته ، ولكنه عندما نزل إلى الأرض أصبح مرئيا ً.
ونظرا ً لموقع الحديقة المتميز وهدوئها فإنها تعتبر مرتعا ً لكثير من الطيور المهاجرة والمحلية فقد رأينا مثلا ً الهدهد وذكرنى ذلك بسيدنا سليمان عليه السلام وكيف كان يفهم لغته وأحببت هذا الطائر لأنه ورد بالقرآن الكريم ، ثم هو طائر إيجابى لم يرضَ أن يشرَك بالله فى أرض سبأ ، كم هو جميل ويدل شكله على الألفة والطيبة والمودة ! وأطلت النظر إليه وأنا أسبح الله.

ورأيت الغراب بلونه الأسود يمشى على الأرض ، وتذكرت أن الناس يتشاءمون منه ، ربما لشكله ولونه ، بل وصوته المنكر الذى يبعث على الحزن ، فقلت:"سبحان الله طائران متجاوران فى حديقة واحدة أحدهما أبيض جميل والآخر أسود كئيب!!" وكانت هذه فرصة عظيمة لممارسة عبادة من أحب العبادات إلى قلبى وهى عبادة التفكر فى خلق الله. ورأيت اليمام والبلبل والعصفور، وكانت أصوات الطيور المختلفة تتشابك وتختلط فى وقت واحد فتعزف سيمفونية رائعة من الأنغام يعجز بيتهوفن أو باخ عن الإتيان بمثلها.
ورأيت شجرة تسمى الشجرة الفضية لأن أوراقها عجيبة الشكل إذا أمسَكْت إحدى أوراقها تجدها خضراء وإذا قلبت الورقة من الجهة الأخرى تجدها فضية ، فتعجبت وتذكرت اسم الله البديع فقد أبدع فى الخلق. وقد رأيت ثمرة عجيبة لم أرَ مثلها من قبل وقيل لى أنها فاكهة استوائية لا تباع فى الأسواق اسمها:"أوجينيا" ، لونها أحمر كالفراولة وطعمها شهى جدا ً ، وذكرنى هذا بالجنة التى وعد الله المتقين بأن فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وأن فاكهتها لا مقطوعة ولا ممنوعة وأن بعضها لا نعرفه فى الدنيا. وتأملت عظمة الخالق إذا كان قد أبدع صنع هذه الحديقة الدنيوية الممتلئة بأشياء لم نسمع عنها ولم نرها من قبل فما بال الجنة الأخروية إذن ؟! وشعرت بأن هذه هى أحسن جائزة أعدها الله لعباده الطائعين حيث قال عنها أنها الفوز العظيم. وتخيلت نفسى وإذا بى قد قامت القيامة ودخلت جنتى مع الطائعين وأخذت أطوف بين جنباتها كما أفعل الآن ، ودعوت الله أن يجعلنى من أهلها.

ورأيت شجرة ثمارها لها طعم البرتقال وشكل البامية واسمها :"برتقالة بامية". وشجرة أخرى اسمها "عين الخروف" لأن ثمارها تشبه عين الخروف تماما ً. ورأيت شجرة القرفة والمستكة وجرحت الشجرة بقلمى فأفرزت سائلا هو المستكة فشممت رائحتها فوجدتها زكية جدا ً، فجعلت أمسح على ملابسى.. ورأيت شجرة الأراك التى يستخرج منها السواك وكم بلغ حزنى حين علمت أن الناس فى الأعياد يأتون إلى الحديقة ويتسلقون الشجرة ويجلسون فوقها ليلتقطوا صورة حتى انكسرت الشجرة ومالت ، فقلت:"كيف يجرؤ إنسان على تشويه ذلك الجمال؟".

ورأيت شجرة ذيل السمكة وثمارها تشبه ذيل السمكة فعلا ً. ورأيت شجرة عجيبة أوراقها على شكل رئة الإنسان ، وشجرة أخرى أوراقها خضراء مخططة باللون الأصفر ، وأخرى أوراقها خضراء وبها نقط صفراء ، وأخرى أوراقها لها جهة حمراء قانية والناحية الثانية لونها أخضر. وقلت:"لو أن إنسانا ً رسم ولون هذه الأوراق والأشجار لأخطأ فى توزيع الألوان لكن الله جل وعلا قد أحسن وأتقن كل شئ خلقه وجعل نسب كل الألوان والرسومات بحكمة بالغة ، أليس عجيبا ً أن هناك من ينكر وجود الله بعد كل ما رأى ؟ وتذكرت قوله تعالى:"هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه". إن الله يتحدى أن يأتى أعظم رسام أو فنان تشكيلى أو نحات بمثل تلك الروعة والجمال !!

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

الهدية


"اللى افتكرنى ما حقرنى ولو جاب طوبة وزقلنى" ..مثال يقال عندما يحب الانسان ان يتذكره شخص حتى لو يرميه بطوبة ، وهذا معناه ان الهدية قيمتها فى معناها وليس فى ثمنها فالهدية هى معنى رمزى للحب وان هذا الشخص يتذكرك ويفكر فيك ولو نظرنا الى الهدايا التى قدمها رؤساء العالم الى بعضهم البعض سنجدها رمزية جدا رغم ثراءهم الفاحش . . وتحمل قصة المفكر الفرنسي فولتير الذي أهدته إمبراطورة روسيا كاترين الثانية علبة من العاج من صنع يدها فقدم لها جوارب حريرية من صنع يده، كمثلٍ واضح على المدى الذي يمكن أن تصل إليه رمزية الهدية. فقد أرفق فولتير رسالة مع هديته تلك ذكر فيها أن امبراطورة روسيا أهدته ما هو من أعمال الرجال مصنوع بأيدي النساء، فأهداها بدوره ما هو من أعمال النساء ولكنه مصنوع بأيدي الرجال.
أما زعماء الاتحاد السوفيتي، فتلقوا هدايا غريبة من نوعها تمثلت في لوحة مصنوعة من السكر لليونيد بريجينيف الذي تلقى بمناسبة عيد ميلاده أيضاً علبة سجائر حفرت عليها نماذج لرؤوس نووية!!. وفي حين حصل جوزيف ستالين على قبعة مصنوعة من الريش بعد اختياره زعيماً فخرياً على قبائل الهنود الحمر في الولايات المتحدة، ووصلت آخر رؤساء الدولة الشيوعية ميخائيل غورباتشوف هدية متواضعة لم تكن سوى مجسم لسور برلين الذي اعتبر رمزاً للاصطفاف الإيديولوجي خلال الحرب الباردة.
وفي الولايات المتحدة، نال الرئيس الأسبق بيل كلينتون عباءةً إفريقية وصولجاناً أثناء جولةٍ في القارة، فيما اكتفى رئيس الوزراء السويدي فريدريك رينفلدت بتقديم منشارٍ بمقبضٍ متين من صنع بلاده إلى الرئيس الأميركي السابق جورج بوش.
وتلقت سيدة أميركا الأولى سابقاً لورا بوش تشكيلةً من الجوز والفاكهة المجففة من الدلاي لاما. وفي خانة الهدايا البسيطة أيضاً، لم يتوانى الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عن إعطاء كتابٍ للفيلسوف المعروف مونتسكيو للزعيم الليبي معمر القذافي، وحذا الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز حذوه ليهدي الرئيس الأميركي باراك أوباما كتاباً لأحد المؤلفين اليساريين في إشارة تحمل في طياتها ألغازاً ملغومة.
وكسرا للروتين المعتاد عليه، اختار رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، طاولة تنس بريطانية الصنع ليمنحها للرئيس الأمريكي باراك أوباما، كما قدم مضرب تنس بطولة ويمبلدون كهدية لرئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانج.
وكانت هدية الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون لنظيره المصري جمال عبد الناصر شديدة الغرابة، وهي عبارة عن أحجار صغيرة جُلبت من القمر عبر رحلة مركبة الفضاء أبوللو 11.
بينما كانت باقي الهدايا المقدمة من رؤساء دول أوروبا غير تقليدية مثل الكتب التاريخية وأسطوانات الموسيقى ومنتجات تشتهر بها البلد المضيفة، بينما كانت أغرب الهدايا على الإطلاق ما قدمه وزير الخارجية الأمريكي لنظيرة الروسي سيرجي لافروف، وكانت عبارة عن حبتين من البطاطس وهناك رئيس اهدى دستة شرابات لرئيس آخر لانه لاحظ انه يرتدى شرابا مقطوعا. وكان عليه الصلاة والسلام يقبل القليل من الهدية كما يقبل الكثير
ففي الصحيح (البخاري:2568) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت ، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت.".
والكراع من الدابة ما دون الكعب .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ( فتح الباري :5/236) : وخص الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير لأن الذراع ثمينة، والكراع لا قيمة له. يعنى النبى صلى الله عليه وسلم لم يشترط فى الهدية ان تكون ثمينة. قال ابن بطال: " حضًا منه لأمته على المهاداة، والصلة، والتأليف، والتَحابِ، وإنما أخبر أنه لا يحقر شيئاً مما يُهدى إليه أو يدعى إليه، لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المُهدِى، وإنما أشار بالكُراع إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية " .
فالهدية سنة نبوية، ومَظْهر حب، ومبعث أُنْس، تـُقرِّب البعيد، وتصل المقطوع، وتشق طريق الدعوة إلى النفوس، وتفتح مغاليق القلوب، وتبذر المحبة بين الناس، وقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تشريع كل ما مِن شأنه أن يؤلف القلوب، فالهدية من هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي حض عليها حيث قال: ( تَهَادُوا تَحَابُّوا ) رواه البخاري في الأدب المفرد، ومالك، وصححه الألباني .
وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الهدية من خير العمل عند الله، وأنها تعدل في أجرها عِتق الرقبة، فعن البرآء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: "من منح منيحة ورق (فضة ( ، أو منيحة لبن، أو هدى زقاقا (دلَّ على الطريق ( كان له كعتق رقبة )". رواه أحمد (.
والآن عزيزى القارئ ألا تتفق معى ان الهدية قيمتها فى رمزيتها وليس ثمنها؟

الخميس، 11 يونيو 2015

لعنة الأحفاد


بعد مرور آلاف السنين تبين أننا لا نستحق حضارة أجدادنا فقد بعنا آثارهم وأهنا مومياواتهم ولم نكن على مستوى المسؤولية التى ألقوها على عاتقنا ، يحق لأجدادنا قدماء المصريين ان يتبرؤوا منا نحن أحفادهم الذين جلبنا لهم اللعنة ومرمغنا رؤوسهم فى التراب ، ولاحقهم عارنا ، فلو يعلم أسلافنا أن مومياواتهم سوف يتاجر بها خلفهم وأنها سوف تضيع فى الترع والمصارف ما دفنوها أصلا فى مصر ولا حافظوا على مومياواتهم بالتحنيط ، بالتأكيد أخطأ المصرى القديم حين أوصى ابنه المسافر بأنه لا بد أن يعود لبلده ليدفن فى ترابها ليدخل الجنة لأن – من وجهة نظرهم – باب الجنة ليس موجودا إلا فى مصر وأن من يدفن خارجها فلن يدخل الجنة .. بالتأكيد لو كانوا مايزالون يعيشون بيننا الآن فلسوف تتغير وجهة نظرهم وسوف يوصى الأب ابنه بأنه لابد أن يدفن خارج مصر لأن الجحيم أصبحت بوابته فى مصر وإن من يموت لا يأمن من نبش قبره وتعرض جثته للنهب والسرقة ونقل الأعضاء ، لأن الحضارة المصرية التى قامت على الأخلاق لم يبقَ من مُثلِها وقِيَمها شئ .. وحق لنا أن نقول أن لعنة الفراعنة انتهت لتحل محلها لعنة الأحفاد الذين ضيعوا كل شئ:الحضارة والتاريخ والأخلاق .. نهر النيل الذى تركوه لنا نظيفا طاهرا لوثناه ، الآثار التى خلفوها لنا بعناها من أجل حفنة دولارات وللأسف حاميها حراميها ، فزاهى حواس الذى من المفترض أنه راعى وحامى للآثار هومن يتاجر فيها بالتعاون مع شرطة الآثار.. الثروات التى حافظوا لنا عليها بددناها ، لم يبق من تراثهم الذى نفتخر به شئ وحق لنا اليوم أن نقول:آسفين يا أجدادنا ضيعنا تاريخكم وتراثكم وسمعتكم ولم نكن على قدر المسؤولية ، نحن لا نستحق أن ننتسب إليكم ولا أن نكون أحفادكم وكما قال سيد درويش :
عد لى مجدى اللى ضيعته بإيديك
شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار
من جمودككلعظمة بتستجار
فين آثارك يا اللى دنست الآثار
دول فاتوا لك مجد وأنت فت عار

السبت، 29 نوفمبر 2014

فرعون موسى وفراعنة هذا العصر






    كنت كلما قرأت الآيات التى تحكى قصة فرعون مع موسى أظن أن هذه القصة هى فريدة من نوعها ولن تتكرر ، لكنى اليوم فقط أدركت أن الله تعالى ذكر لنا هذه القصة ليعطينا درسًا فى أى فرعون يأتى بعده سواء فى مصر أو فى أية دولة أخرى.
    فبالمقارنة السريعة بين فراعنة اليوم والأمس نجد أن فرعون الأمس كان يقتل بنى إسرائيل وليس بنى وطنه من المصريين..فرعون الأمس كان ديمقراطيا يستمع للرأى الآخر المعارض له بدليل أنه عقد مناظرة علنية تم الاتفاق على موعد محدد ليشهدها المؤيدين والمعارضين فكان يوم الزينة وسمح لموسى عليه السلام بأن يعبر عن رأيه ويعرض ما عنده أمام الرأى العام ثم الناس تحكم بعدها ، أما فرعون اليوم فقد كمم الأفواه واحتكر الإعلام  ومنع أصوات المعارضين وسمح فقط لأصوات المسبحين بحمده ليل نهار أن يظهروا على الشاشة وتم تخوين أى معارض..فرعون الأمس كان يقتل الصبيان ويترك البنات أما فرعون اليوم فلا يرحم لا بنت ولاولد ولا شاب ولا عجوز..أسمع قائلا يقول:نعم لكن فرعون الأمس كان كافرا لكن فرعون اليوم مسلمًا ..الإجابة بمنتهى البساطة أن القضية الأساسية فى القصة ليست قضية الكفر والإيمان بل قضية الظلم الذى وقع بفئة من الناس ، فعندما ذهب موسى عليه السلام  لمقابلة فرعون لم يطلب منه أن يؤمن بل طلب منه أن يرسل معه بنى إسرائيل ليخرجوا من مصر.. نعم ذكر الله تعالى مسألة كفر فرعون لكنها كانت قضية فرعية فى معرض الكلام..أى أن فرعون لو كان قد وافق على طلب موسى فى أن يسمح له هو وبنى إسرائيل  بالخروج من مصر لم يكن الله ليغرق فرعون ولكان استمر فى الحكم ، ولو فرضنا أن فرعون كان مؤمنا ومنع موسى وبنى إسرائيل من الخروج من مصر كان سيغرقه الله أيضا..أى أن فرعون غرق بظلمه ولم يغرق بكفره ..إذن هى رسالة يريد الله توصيلها للعالم وهى أن دولة الظلم لا بد أن يزيلها الله حتى لو مؤمنة ودولة العدل يبقيها الله حتى لو كافرة.

     فرعون موسى كان صريحا فقد أعلن كفره أما فرعون اليوم فقد أخفى كفره وتظاهر بالإيمان ليخدع شعبه ، لذلك فقد توعد الله المنافقين بالدرك الأسفل من النار يعنى المنافق أشد شرا وسوءًا من الكافر المجاهر بكفره.

       فرعون موسى كان يحب وطنه ويحارب من أجله أما فرعون اليوم فهو يعمل لصالح أعداء وطنه.

    فرعون الأمس استخف قومه فأطاعوه وفرعون اليوم استخف قومه فأطاعوه أيضا ولكن الفرق أن عبيد فرعون هذا العصر تجدهم يقرأون القرآن فيتعجبون من ظلم فرعون ومن تصديق الناس له ثم فى نفس الوقت تجدهم يهتفون باسم فرعونهم وكأنهم لم يتعلموا شيئا من القصة أو كأنهم يقرأونها للتسلية فقط وليس لاستخلاص الدروس والعِبَر.

     هذه هى أهم الدروس المستخلصة من قصة الفراعنة فى كل زمان ومكان وقد وعدنا الله تعالى بسقوط الفراعين ولو بعد حين.

نرمين كحيلة


الأحد، 22 يونيو 2014

علمنة مصر




    عندما كنت طالبة بالماجستير قال لى أستاذى:ليس من المعقول أن يخرج فرعون وجنوده لمطاردة موسى فسألته:ولمَ لا؟ قال:فرعون كان ملكا عظيما صاحب امبرطورية عظيمة وكان أعظم ملوك الشرق قاطبة يدين له الجميع بالولاء فكيف لواحد مثله أن يجرى ليتعقب ويطارد رجل بسيط مثل موسى وجماعته وهم قلة ضعفاء ، لا بد أنه أرسل أحد أتباعه لتعقبهم ولم يذهب بنفسه..فقلت له:صدق الله العظيم حين أخبرنا أن الفرعون خرج بنفسه لتعقب  موسى وبنى إسرائيل.قال تعالى: "وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين"(يونس:90).

     ففرعون كان يخشى على ملكه أن يزول على يد موسى كما رأى فى الرؤيا وهذا ما جعله يخرج بنفسه لا أن ينتدب أحد أتباعه لهذه المهمة . خرج ومعه جيشه ووزيره هامان لكى ينقذ عرشه من الضياع.. هذا هو ديدن كل متجبر فلا عجب إذن من أن تجيش الدولة  كل جيوشها ومؤسساتها لكى تقضى على عبارة "صلى على النبى" فهى تمثل بالنسبة لها تهديدا بل الإسلام كله يمثل تهديدا لأمريكا وأوروبا وإسرائيل. ليس الإسلام نفسه كديانة من صلاة وصوم ولكن الاسلام كطريقة للحياة والمعاملة  ؛ الاسلام الذى يجعل الناس تضحى بالغالى والنفيس من أجله ، تضحى بحياتها وأموالها وأولادها طلبا للشهادة ، الإسلام الذى يعلى قيمة الوطن والدفاع عنه والموت فى سبيله .. هم لا يريدون هذا الإسلام الذى يعوق أطماعهم فى بلادنا ، كان لا بد أولا انتزاع الإسلام من قلوبنا حتى نتخلى عن فكرة الجهاد للدفاع عن النفس والمال والعرض والوطن .
     وكما قال دكتورمصطفى محمود-رحمه الله- فى كتابه:"الإسلام فى خندق":"أعداؤنا يخافون من بعث هذه الروح وصحوة هذه العاصفة النائمة وهم لا يخافون من صحوة البراقع والجلاليب واللحي ولا يعبأون لبعث الشكليات والمظاهر...... بل إنَّ بيوت الأزياء في باريس تتنافس في هذا المضمار فتبتكر الماكسي والطويل والمجرجر والقفطان لتبيع للعرب . وهم لا يخافون من ثرواتنا البترولية ما دامت تتحول إلى قصور وترف ونعومة ، فهم يلتقون بهذه الثروات في مصايف الريفيرا ونيس ومونتي كارلو وهم يحصدون هذه الثروات على موائد القمار في لاس فيجاس.
ولكنهم يخافون من رجال كالزوابع يحاربون في أعتى الظروف وأقساها
وهم يخافون ذلك الكتاب الذي يتحدث بصوت الفطرة فيصل إلى قلوب الناس ، ذلك القرآن العجيب الذي يحادثهم بالعقل والمنطق والبرهان ويكلمهم بلغة العلم وأسلوب العصر ويأتي بالجديد في كل قضية وفي كل زمان . ذلك الكتاب الذي ينتشر بقوة ذاتية فيه ، ويكسب الاتباع في صمتٍ ودونما جهدٍ من دعاة أو متخصصين .

      ورغم هزيمة المسلمين في كل مكان ، ورغم تراجع صوتهم وخفوتِ نفيرهم ، فان الإسلام يكسب اتباعاً جدداً كل يوم ، وفي كل مكان . هذه الظاهرة تحيرهم ، فهل يعود التاريخ الذي يمشي في دوائر إلى تكرار نفسه ؟!
وهل يرتفع صوت الاسلام من جديد رغم اصفرار شجرته وتساقط اوراقه ؟!
هذا الهاجس يخيفهم ويريبهم.
والإسلام في ذاته لا يهمهم.... ولكن الإسلام سوف يأتي ومعه الدنيا والسيادة والدنيا همهم والسيادة دينهم وديدنهم ولن يتنازلوا عنها باختيارهم.
وحول هذا يدور الصراع..... فهو صراع حول الارض والسيادة"

   وكما قال الشيخ الشعراوى - رحمه الله-: خصوم الإسلام وبعض أهله الذين يخافون من أنْ يقضي على سلطتهم وطُغْيانهم وجبروتهم يريدون حَصْر الإسلام في أركانه الخمسة ٬ فإنْ قُلْت بهذه المقولة لا يتعرضون لك ٬ وأنت حر في إطار أركان الإسلام هذه ٬ لكن إياك أن تقول: إن الإسلام جاء ليُنظِّم حركة الحياة ؛ لأن حظهم في حَصْر الإسلام في أركانه فقط ٬ وما فَهم هؤلاء أن الأركان ليست هي كل الإسلام ٬ إنما هي أسُسه وقواعده التي يقوم عليها بناؤه ٬ لكنهم يريدون أنْ يعزلوا الإسلام عن حركة الحياة ٬ فنقول لهم : نعم ٬ هذه أركان الإسلام ٬ أمَّا الإسلام فيشمل كل شيء في حياتنا ٬بداية من قمة العقيدة في قولنا : لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق؛ لأن الإسلام دين يستوعب كل أقضية الحياة ٬ كيف لا وهو يُعلِّمنا أبسط الأشياء في حياتنا؟"

      لذلك فهم يروجون للعلمانية  بكل ما أتوا من قوة وهذا هوما فعلوه حين أرسل ثيودور هرتزل اليهودى رسالة إلى السلطان عبد الحميد الثاني يعرض عليه قرضاً من اليهود يبلغ عشرين مليون جنيه إسترليني، مقابل تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومنح اليهود قطعة أرض يقيمون عليها حكماً ذاتياً.   فكان رد السلطان: "انصحوا الدكتور هرتزل بألاّ يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع؛ إني لا أستطيع أن أتخلَّى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست مِلْك يميني، بل مِلْك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها، وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملاينيهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يومًا فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن. أما وأنا حيٌّ فإنّ عمل المِبْضَع في بدني لأهون علىّ من أن أرى فلسطين قد بُتِرت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون؛ إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة".

     كان السلطان العثمانى يتكلم من واقع حسه الدينى الذى ينهاه عن التفريط فى شبر واحد من أراضى المسلمين . حينها فقط علم اليهود أنه لكى يتسنى لهم احتلال فلسطين يجب القضاء على الخلافة العثمانية التى توحد المسلمين وتقوى شوكتهم فبدؤوا أولا بمحاولة اغتيال السلطان عبد الحميد ولما فشلت المحاولة  رَكِبَ اليهود جمعية الاتحاد والترقي العلمانية ذات العلاقات الماسونية اليهودية، واستطاعت هذه الجمعية في النهاية خلع السطان عبد الحميد، والإمساك بزمام الأمور وانتهى الأمربأن أسقطوا الخلافة العثمانية  سنة 1924 على يد رجلهم اليهودى أتاتورك.

     هذه هى أهدافهم التى يصلون إليهاويخططون لها فى كل زمان ومكان فهذا الذى حدث مع السلطان عبد الحميد يحدث مع أى رئيس  لا يكون أداة طيعة فى يدهم .
نفس السيناريو  يتكرر باختلاف الأشخاص بنفس الخطوات فكما خلعوا السلطان عبد الحميد الثانى عزلوا الرئيس مرسى وكما علمنوا تركيا المعروفة بحبها للإسلام يريدون أن يعلمنوا مصر وكما أتوا بأتاتورك أتوا برجلهم المطيع فى مصر.
           استيقظوا إيها المسلمون قبل فوات الأوان.
نرمين كحيلة

الاثنين، 24 مارس 2014

أيها الشعب المصرى التعيس





      هذا هو الخطاب الجديد للرئيس القادم بعد أن ثبت أن الشعب المصرى من أتعس شعوب الأرض بحسب المسح الثاني للأمم المتحدة لمؤشرات السعادة والرضا بين الشعوب. ويوضح التقرير أنه يمكن قياس السعادة بمدى شعور الأفراد بالسعادة والرضا في حياتهم، والدول الأكثر سعادة غالباً ما تكون الدول الأكثر ثراء إلى مدى معين، إضافة إلى عوامل أخرى مساعدة مثل الدخل الإضافي والدعم الاجتماعي، وغياب الفساد ومستوى الحرية التي يتمتع بها الأفراد.

      تصدرت الدانمارك قائمة دول العالم الأكثر سعادة، وللعام الثاني على التوالي ومنذ إطلاق أول مسح دولي شامل عن السعادة من قبل الأمم المتحدة في عام 2012، جاء شعب الإمارات في صدارة الشعوب العربية الأكثر سعادة، والـ14 عالميا، متقدما 3 مراتب مقارنة بالعام الماضي.

     فيما احتلت كل من عمان المرتبة 23 وتلتها قطر في المركز 27 فالكويت 32 ثم السعودية بالمركز 33 في قائمة الشعوب الأكثر سعادة في العالم.

    ويستند ترتيب الدول على مسح غالوب العالمي (Gallup World Poll) الذي يستطلع رأي الأفراد في تقييمه لمستوى المعيشة والرضا عن الحياة من درجة صفر (الأقل سعادة) إلى 10 (في غاية السعادة).

ويصدر التقرير عن معهد الأرض من جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، وغطى التقرير في نسخته الثانية 156 دولة.  

    والسؤال الذى يفرض نفسه بقوة: من سرق من الشعب المصرى سعادته وهنائه؟ فقد كان المصريون رغم بساطة معيشتهم سعداء يحمدون الله على نعمة الستر واللقمة الحلال لكن للأسف حتى هذه استكثروها عليه وأخذوا منه حلمه بأن يعيش المصرى آمن فى بلده يشعر بالاستقرار والدفء بين أهل بلده وأسرته وجيرانه بعد أن أصبح أى مواطن معرض للسحل والقتل والاعتقال والتعذيب وأصبح مهددًا فى لقمة عيشه ومعيشته كلها بعد أن أصبح بلا قيمة ، تطحنه الأزمات المختلفة. وكما قال الشيخ عبد الرحمن السديس: كان صباح ‫مصر جميلا ، يرشون الماء أمام المحلات ، وعبد الباسط يتلو القرآن ، والأمهات يجهزن الإفطار للأبناء ... أما اليوم فالأرض تشرب الدماء والدموع في عيون الأمهات.

    ولا ننسى بهذه المناسبة أن نهنئ شعب الإمارات الشقيق والشعب السعودى الشقيق على فوزهما بمرتبة متقدمة فى قائمة الشعوب السعيدة على حساب إخوتهم المصريين ودمائهم ، اشتروا سعادتهم بتعاسة غيرهم والتآمر عليهم ، متناسين أن السعادة تسير فى شكل دائرى أى من يسعد غيره يسعد وأن هناك دراسة تقول أن أسعد الناس هم من يقومون بالأعمال الخيرية لإسعاد المحتاجين ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم)). ويفهم من هذا أن الله إذا كان يحب إدخال السرور على قلب المسلم فإنه يبغض إدخال الحزن على قلب المسلم.

    فالواجب على كل مسلم: أن يعمل جاهدا على إدخال السرور على قلب إخوانه المسلمين.

    وواجب على كل مسلم: أن يحذر كل الحذر من إدخال الحزن على قلوب إخوانه المسلمين. لكنهم اتبعوا منهج أدوس على غيرى كى أعيش فتساووا بذلك مع إسرئيل التى نالت المركز الحادى عشر فى الدول السعيدة (طبعا على حساب كل العرب والمسلمين)

       حسبنا الله ونعم الوكيل فى كل من سرق فرحة المصريين وسعادتهم.

نرمين كحيلة