الاثنين، 31 أكتوبر 2011

ولو كره اليهود


     عندما رأيت مظاهرات وول ستريت بأمريكا ومعظم دول العالم ورأيت لافتة تحملها سيدة مكتوب عليها:"نريد العودة للاقتصاد الاسلامى" لم أملك إلا أن أردد قوله تعالى"كتب الله لأغلبن أنا ورسلى" فقد تجرع العالم كأس الربا وويلاته وعَلِمَ عِلْمَ اليقين أنه لا حل إلا فى نظام الاقتصاد الاسلامى.
   حيث احتشد محتجون في مختلف أنحاء العالم لتوجيه صرخة غضب في وجه مصرفيين ورأسماليين وسياسيين، يتهمونهم بتدمير اقتصاديات العالم وحكمهم على الملايين بمواجهة الفقر والصعاب نتيجة طمعهم. وخرج المحتجون للشوارع من نيوزيلاند الى آلاسكا، ومن لندن وفرانكفورت إلى نيويورك نفسها.
   والغريب أن الناس يعتقدون أن الربا محرم فى الإسلام فقط رغم أنه محرم فى كل الأديان فقد جاء فى العهد القديم:"إذا افتقر أخوك فاحمله .. لا تطلب منه ربحًا ولا منفعة" (لاويين 35:25) إلا أن اليهود لا يرون مانعًا من أخذ الربا من غير اليهودى فقد ورد فى سفر التثنية (20:23):"للأجنبى تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكى يباركك الرب إلهك فى كل ما تمتد إليه يدك"لكن الإسلام ينظر إلى هذه النصوص التى تحرم الربا على فئة معينة دون غيرها على أنها نصوص محرفة ، لأن الربا محرم من أى إنسان ولأى إنسان لأنه ظلم والظلم يحرم على الجميع بدون فرق بين أحد وأحد لأن الله يقول فى الحديث القدسى:"يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا".
واعتبر القرآن الكريم اليهود من أكلة الربا.. قال تعالى:"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما"
أما النصرانية فقد حرمت الربا تحريمًا قاطعًا على الجميع لا فرق بين نصرانى وغير نصرانى واتفقت كلمة رجال الكنيسة على ذلك استنادًا إلى النصوص التى وردت عندهم؛ يقول الأب"سكوبا":"إن من يقول أن الربا ليس بمعصية يعد ملحدًا خارجا عن الدين"
ويقول الأب "يوتى":"إن المرابين يفقدون شرفهم فى الحياة الدنيا وليسوا أهلا للتكفين بعد موتهم".وقد ورد فى العهد الجديد:"إذا أقرضتم لمن تنتظرون منه المكافأة فأى فضل يعرف لكم ولكن افعلوا الخيرات واقرضوا غير منتظرين إلى عائدها وإذ يكون ثوابكم جزيلا"(إنجيل لوقا 34 ،35)
وبذلك فإن اليهود سيطروا على اقتصاد العالمى ومن هنا حولوا العالم إلى عالم ربوى طغى عليه المال طغيانا شديدا ، وقد سيطروا أولا على الدول بنظامهم ، ثم تحكموا بعد ذلك فى كل ما يتعلق بالانتاج ولنأخذ مثالا على ذلك بآل روتشيلد الذين تحكموا فى الاقتصاد الأوروبى فى آخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر وقد كانوا خمسة أبناء لرجل واحد وهؤلاء الخمسة آلت إليهم أموال أبيهم الذى كان تاجرًا يهوديًا يقيم فى حى اليهود بفرانكفورت وقد اكتسب ثروته من الحرام حيث اتخذ من صداقته لأحد اشراف الجرمان سبيلا إلى الاستيلاء على أمواله فى المصارف عندما فر هذا الشريف من وجه نابليون سنة 1806 م.
وقد اقتسم هؤلاء الأبناء الخمسة أوروبا وأمريكا ، فأحدهم فى ألمانيا والآخر فى إنجلترا والثالث فى النمسا والرابع فى إيطاليا والخامس طواف هنا وهناك.وقد أخذوا يتكسبون من تجارة النقود ذاتها لا من تجارة اشتغلوا بها ولا من صناعة أنتجوها ولا من زراعة استنبتوها ، بل ربحهم كان من إقراض الدول وإنشاء المصارف الربوية والسيطرة عليها ولقد قوى سلطانهم حتى اختار البابا أحدهم مديرا لأمواله فى روما.
   هذه صورة من الصور الكثيرة التى قام بها هؤلاء الأبناء وغيرهم من اليهود مما يوضح بجلاء كيف عمل اليهود على نشر الربا فى العالم،وكان أهل الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يرابون ، يبيعون المتاع من أرض أو إبل أو غير ذلك بالثمن إلى أجل ، فإذا حل الأجل وصار المدين معسراً قالوا له: إما أن تعطينا حقنا، وإما أن تُربي ، إما أن تقضي وإما أن تُربي ، المعنى إما أن تعطينا حقنا الآن أو نزيد عليك في المال ونؤخر الأجل ، نفسح لك في الأجل ، فإن كان عنده مال سلم لهم وإلا رضي بهذا، فإذا كانت القيمة مثلاً مائة ريال ، قالوا نؤجلك أيضاً ستة أشهر أو عشرة أشهر تكون المائة مائة وعشرين مائة وثلاثين هذه الزيادة في مقابل الأجل الجديد، وهذا معنى: إما أن تربي وإما أن تقضي، تُربي يعني تقبل الزيادة، تعطينا الزيادة وهي الربا، وإما أن تقضينا حقنا الآن، فلما جاء الله بالإسلام نهاهم عن هذا، وخاطبهم النبي في حجة الوداع عليه الصلاة والسلام، وأخبرهم أن الربا موضوع، وأن لكل واحد رأس ماله فقط، وأنزل الله جل وعلا هذه الآيات، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) [البقرة:278-279]، فأمرهم سبحانه أن يذروا أي يتركوا ما بقي من الربا لهم في ذمم الناس، ويأخذوا رأس المال، فإذا كانت السلعة بمائة وأمهلوه وزادوا عليه عشرين يتركوا له العشرين، أو ثلاثين يتركوا الثلاثين يأخذوا رأس المال فقط ، والزيادة يتركونها، هذا معنى (وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)، وإذا كانوا قد قبضوا رأس المال، وبقي الربا، يتركونه، ما يأخذون الربا، يكفيهم رأس المال، ثم قال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا)، يعني فإن لم تدعوا الربا، (فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، يعني فاعلموا بحرب، يعني اعلموا أنكم محاربون لله ورسوله، وهذا وعيد عظيم لم يأت مثله بشيء من المعاصي، وهو يدل على عظم جريمة الربا، وأنها جريمة عظيمة وكبيرة عظيمة، ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا، وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: (هم سواء)، فالربا من أقبح الكبائر، وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا)، فجعله الرابع، (وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف)، يعني يوم الحرب، (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، فجعل الربا من السبع الموبقات، يعني المهلكات، ثم قال: "وَإِنْ تُبْتُمْ" يعني من الربا (فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)، يعني لهم رأس المال فقط ، وهو المبلغ الذي بيعت به السلعة إلى أجل، الزيادة تبطل، فإذا كان باع المطية أو السيارة إلى رمضان مثلاً من عام 1411هـ بألف ريال، بعشرة آلاف بخمسين ألف ريال، ثم حل الثمن فإنه يأخذ رأس المال فقط ولا يطلب زيادة، وإن أعسر يُنظره، ولهذا قال: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)، إذا جاء رمضان، قال أنا ما عندي أنا معسر، وثبت إعساره فإنه يمهل بدون زيادة، ولا يأخذ ربا، هذا هو معنى قوله جل وعلا: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) أي إذا تبتم من الربا فلكم رؤوس أموالكم التي عند الناس، ما بعد قبضتموها (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)، يقبض رأس المال، ويترك الربا الزيادة، وإن كان قد قبض رأس المال وبقيت الزيادة يترك الزيادة أفضل له، (لا تَظْلِمُونَ) بأخذ الزيادة، (وَلا تُظْلَمُونَ) بمنعكم من رأس المال، لكم رأس المال، فأنت لا تُظلم بمنعك من رأس مالك، لا، تعطى رأس مالك، وليس لك أن تَظلم أخاك بأخذ الربا، بل لك رأس المال فقط، فإن كان المدين معسراً عاجزاً بالبينة الشرعية فإنه يمهل ولا يطالب بالزيادة، لقوله سبحانه: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) سورة البقرة، إن تصدق عليه وأبرأه فجزاه الله خيراً، هذا طيب، وإلا فالواجب الإنظار إلى ميسرة، يقول: أنا أنظرك إلى ميسرة، والواجب على المدين تقوى الله، إن كان صادقاً في الإعسار فعليه تقوى الله ويتسبب حتى يحضر المال، وإن كان كاذباً فقد ظلم أخاه، فليتق الله وليؤد حقه إذا ادعى الإعسار وهو يكذب. فالمقصود أن المدين عليه أن يتقي الله فإن كان صادقاً في الإعسار وجب إمهاله، وإن ثبت أنه مليء وجب أخذ الحق منه، والحاكم ينظر في ذلك ويعتني، وإذا كان صاحب الدين يعلم أنه معسر فلا حاجة إلى المحكمة، يمهله وينظره، حتى يحصل له اليسر، وإن تصدق عليه وسامحه فقد فعل خيراً كثيراً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سرَّه أن ينفِّس الله عنه كربات يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه)، ينفس أي بإنظاره، أو يضع عنه يعني بالصدقة عليه، وفي الحديث الآخر: (من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله)، وهذا فضل عظيم، فينبغي للمؤمن إذا عرف أن أخاه معسر المدين أن ينظره أو يسامحه بالدين كله أو بعضه، يرجو ما عند الله من المثوبة.
    وقد حرمت السنة النبوية الربا وذكرت أن الربا أشد من 36 زنية ، والمرابى يسمى مصاص الدماء.
    يقول الدكتور أبو سريع عبد الهادى:"إن الحل الإسلامى لمشكلة الربا يتحقق فى الأمور الآتية:"1- الزكاة ؛ حيث يبارك الله فى المال المزكى عنه أما الربا فيمحقه.
2- العمل:حث الإسلام على العمل مهما كان ضعيفا وقرنه بالإيمان فى كثير من الآيات القرآنية بشرط أن يكون فى شئ مباح.
3- تحريم الرشوة والاستغلال والاختلاس حتى لا تضيع مصالح الناس وحاجياتهم.
4- القرض الحسن:حث الإسلام عليه حتى تسود المجتمع المحبة والتعاون.
5- البنوك:الفوائد التى تمنحها البنوك حرام لأنها ثابتة ومحددة أما البنوك التى تقوم على المضاربة ، وهى المشاركة فى الربح والخسارة فهذا هو العلاج الذى أمر به الإسلام فى هذا الأمر كبنك فيصل الإسلامى والمصرف الإسلامى الدولى وغيرهما.

وهكذا يتضح أن الإسلام فيه علاج ناجع لمشاكل العالم الحديثة التى عجزت جميع الأنظمة العالمية فى حلها ، وهذا هو ماقاله برنارد شو:إن محمدا عليه السلام لو كان يحيا بيننا الآن لحل مشاكل العالم فى خمس دقائق وهو يحتسى قدحا من القهوة. ولو تولى العالم الأوربي رجل مثل محمد لشفاه من علله كافة ما أحوج العالم اليوم إلى رجل كمحمد يحل مشاكل العالم!."
نرمين كحيلة



السبت، 15 أكتوبر 2011

مصر بين ناقة عمرو ومطالب المعتصمين

  كان أوّل من جبى خراج مصر في الإسلام عمرو بن العاص رضي اللّه عنه فكانت جبايته اثني عشر ألف ألف (اثنى عشر مليونا) دينارًا بفريضة دينارين من كل رجل ثم جبى عبد الله بن سعد بن أبي السرح خراج مصر أربعة عشر ألف ألف (اربعة عشر مليونا) دينارًا فقال عثمان بن عفان رضي اللّه عنه لعمرو بن العاص‏:‏ "يا أبا عبد اللّه درَّت اللقحة بأكثر من درِّها الأوّل" فقال‏:‏ "أضررتم بولدها"
   أى أن الخليفة عثمان رضى الله عنه يشبِّه مصر بالناقة التى كانت تدر لبنها فى عهد عبد الله بن أبى السرح بأكثر مما كانت تدرِّه فى عهد عمرو بن العاص ولكن عمرو رد عليه بأنه لكى تدر الناقة أكثر تم تجويع أولادها أى أنه تم حلب لبنها كله ولم يتبقَ لأولادها شيئا.
وهذا هو ما يحدث الآن فالكل يريد أن يحلب مصر ليمتص لبنها وخيرها كله دون النظر لحالتها الاقتصادية المتردية نتيجة سلبها ونهبها لمدة سنوات عديدة تم استنزافها بلا رحمة فكل فئة تريد أن تحصل على حقوقها بطريقة فورية وكل يوم نرى اعتصامات وقطع طرق واضرابات ، كل فئة تريد تغليب مصلحتها الشخصية على مصلحة الوطن والمجتمع كله.
    إن حالنا كحال صائم ظل صائما اليوم كله ثم شعر بالجوع قبيل آذان المغرب بخمس دقائق فأفطر وأضاع ثواب يوما كاملا من الصيام بسبب تعجله وعدم صبره.
   يقول الدكتور أحمد عكاشة – أستاذ الطب النفسى - : "إن هذه المظاهرات الفئوية تشوه صورة الشعب المصرى وتظهره بمظهر سئ ، فمن أين تأتى الدولة بزيادة المرتبات فى ظل الحالة الاقتصادية الصعبة ومع توقف عجلة الانتاج فى كل المجالات؟ فالكل مضرب ومعتصم ؟ كما أنهم يطلبون الزيادة من المجلس العسكرى الذى هو مؤقت وليس من سلطته تلبية مطالب الشعب بل هو مجرد سفينة انقاذ تنقل البلاد لبر الأمان".. ويستطرد الدكتور عكاشة فيقول:"إن على المجلس العسكرى أن يخرج إلى الناس ويخبرهم أنه لن يزيد مرتب أحد وأنهم عليهم العمل بجد واجتهاد بدلا من الاضراب حتى تخرج مصر من هذه الكبوة".
   ولا بد أن يخرج رجال الدين للناس ويفتون بحرمة قطع الطريق لأن الغاية لا تبرر الوسيلة..ولابد من التعامل مع هذا الأمر بحسم شديد وإصدار قانون يجرم قطع الطريق والمظاهرات الفئوية حتى لو اضطررنا لتطبيق حد الحرابة.
نرمين كحيلة

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

حكمة الاختلاف

لنا فى قصة موسى عليه السلام مع الخضردروسا عظيمة مستفادة فنلاحظ أن موسى عليه السلام كان يعتقد اعتقادًا راسخا أن الخضر مخطئ حين قتل الغلام وخرق السفينة وأقام الجدار للغلامين اليتيمين وبناءً عليه كان سيدنا موسى عليه السلام يرى نفسه على حق وغيره (الخضر) على باطل ولذلك فقد قال له حين رآه يخرق السفينة "أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرًا"(الكهف 71) أى شيئا عظيمًا أى أنه أنكر عليه فعله وبالتأكيد كان موسى عليه السلام يقولها بغضب وانفعال رغم أننا لا نشك أنه عليه السلام فعل ذلك من باب الشهامة والمروءة والحرص على الفقراء فهو يريد لهم الخير ولا يريد لهم الغرق لكن أسلوبه فى الاعتراض خاصة وأنه لا يعرف الحكمة من وراء ذلك دفعه إلى إنكار ما رآه مما دفع الخضر إلى معاتبة موسى وقال له:ألم أقل لك أنك لن تستطيع معى صبرا"(الكهف 72) فخجل موسى من نفسه لأنه تسرع ولم يصبر كما وعد واعتذر وقال:"لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا"
    وبعد ذلك بقليل وجد موسى الخضر يقتل ولدا صغيرا بدون ذنب فقال له بنفس نبرة الانفعال والغيظ والضيق:" أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً" (الكهف:74) "لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا".ً  هذه العبارة أشد من العبارة الأولى. في الأولى قال:{ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمرا }، ولكن هنا قال: { نُكْراً } أي منكراً عظيماً، والفرق بين هذا وهذا، أن خرق السفينة قد يكون به الغرق وقد لا يكون وهذا هو الذي حدث، لم تغرق السفينة، أما قتل النفس فهو منكر حادث ما فيه احتمال.
"قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً" (الكهف:75)
قوله تعالى: { أَلَمْ أَقُلْ لَكَ } هنا فيها لوم أشد على موسى، في الأولى قال: { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ } وفي الثانية قال: { أَلَمْ أَقُلْ لَكَ } يعني كأنك لم تفهم ولن تفهم، ولذلك كان الناس يفرقون بين الجملتين، فلو أنك كلمت شخصاً بشيء وخالفك فتقول في الأول: "ألم أقل إنك"، وفي الثاني تقول: "ألم أقل لك" يعني أن الخطاب ورد عليك وروداً لا خفاء فيه، ومع ذلك خالفت، فكان قول الخضر لموسى في الثانية أشد: { أَلَمْ أَقُلْ لَكَ }، فقال له موسى لما رأى أنه لا عذر له:
  
    قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) (الكهف:76)
قوله تعالى: { إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي } أي امنعني من صحبتك، وفي قول موسى:
(فَلا تُصَاحِبْنِي) إشارة إلى أنه - عليه الصلاة والسلام - يرى أنه أعلى منه منْزِلة وإلاَّ لقال: "إن سألتك عن شيء بعدها فلا أصاحبك".(بعد أن كان يظن سابقا أنه أعلم أهل الأرض بصفته نبى فقد تعلم الدرس أى أنه لا يستخف ولا يستهين بأحد حتى لو كان أقل منه)
" قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً " يعني أنك وصلت إلى حال تُعذَر فيها، لأنه أنكر عليه مرتين مع أن موسى عليه السلام التزم إلاَّ يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكراً.
"فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً")  الكهف:77) هنا تعجب موسى عليه السلام أن الخضر رغم أن القوم رفضوا ان يضيفوهما وبخلوا بخلا شديدا إلا أنه ساعدهم وبنى لهم الجدار الذى كان آيلا للسقوط دون أن يأخذ أجرا لقاء ذلك.
قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) (الكهف:78)
قوله تعالى: (قَالَ) أي قال الخضر لموسى: { هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } أي انتهى ما بيني وبينك فلا صحبة. { سَأُنَبِّئُكَ } أي سأخبرك عن قُربٍ قبل المفارقة { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً }، وإنما قلنا: "سأخبرك عن قرب" لأن السين تدل على القرب بخلاف سوف، وهي أيضاً تفيد مع القرب التحقيق.
(بِتَأْوِيل ) أي بتفسيره وبيان وجهه.
إذن نستطيع أن نستخلص من هذه القصة أن موسى عليه السلام فقد فرصة عظيمة منحها الله له وهى فرصة أن يتعلم من هذا الرجل الصالح عن طريق مصاحبته وذلك لأنه اتهمه بأنه مخطئ ونستطيع أن نستنتج من كلام سيدنا موسى أنه ندم لأنه ضيع من يده تلك الفرصة بتسرعه فى الحكم على الآخرين بأن رأيهم أو تصرفهم خاطئ.  قبل أن يعرف الحكمة من وراء ذلك..وهذا ما نفعله نحن الآن حيث يتهم بعضنا بعضا بالجهل وعدم الفهم قبل أن نستمع للرأى الاخر فربما يكون صحيحا ونضيع على أنفسنا فرصة الاستفادة من آراء الآخرين.
وقد سمح النبى صلى الله عله وسلم نفسه بالاختلاف حين كانوا فى إحدى الغزوات مع يهود بنى قريظة فقال لهم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا فى بنى قريظة" ففهم بعض المسلمين قول النبى عليه السلام أنه يقصد فعلا المعنى الحرفى للكلمة بأنه يجب أن يصلى العصر فى بنى قريظة فأرجأ الصلاة حتى ذهب إلى هناك ثم صلى ، أما البعض الآخر ففهم كلام النبى صلى الله عليه وسلم أنه مجازى لا يقصد المعنى الحرفى له ولكنه يقصد السرعة فى الذهاب فصلوا قبل أن يرحلوا ثم أسرعوا بعد الصلاة إلى هناك.. وعندما قابلوا الرسول عليه السلام حكوا له ما حدث فأقر المجموعتين ولم يعترض على أحد ولم يقل لأحد أنت مخطئ أنت لم تفهم كلامى أو كيف لم تنفذ أوامرى ؟ وهذا يدل على جواز تعدد الفهم والاختلاف طالما فى الخير.. فلا يصح لمن يقول أن النقاب أو اللحية فرض أن يفرض رأيه وفهمه على الآخر والعكس لأن مشيئة الله الاختلاف ألس الله بقادر على يجعل النبى صلى الله عليه وسلم يقول إن النقاب أو اللحية فرض بصريح العبارة ؟ وإلا فلماذا ظهرت المذاهب المتعددة من شافعى وحنبلى وحنفى ومالكى وظاهرى وغيرها كثير ؟ لو كان الحق له وجه واحد لكان هناك مذهب واحد فقط ..ولننظر مثلا لاختلاف الليل والنهار واختلاف الفصول الاربعة بل إن أصابعنا نفسها مختلفة وألواننا وجنسياتنا وألسنتنا"إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ".."واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذلك لآيات للعالمين"، "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" والحكمة تقول:"لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع" يعنى الاختلاف هو إرادة الله ومشيئته أليس الله قادرا على أن يجعل الناس كلهم يفكرون بنفس الطريقة ويفهمون نفس الفهم؟ لكنه لايريد ذلك هو لا يريد ماءً راكدا بل يريد ماءً متجددا ، فالاختلاف فيه إثراء للحياة وتنوع جميل.


نرمين كحيلة

الجمعة، 9 سبتمبر 2011

الحاكم أولا

    عجبت لمن ينادى بالدستور أولا أو انتخابات مجلسى الشعب والشورى أولا قبل انتخابات الرئاسة فمن أولى المشاكل التى تواجهنا الآن هى اختيار رئيس على وجه السرعة ينقذ البلاد والعباد من حالة الفوضى والبلطجة التى نعيشها الآن ولا اعرف لماذا يتأخر المجلس العسكرى فى إجراء انتخابات رئاسية سريعة ؟ فقد اجتمع المسلمون بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم فى سقيفة بنى ساعدة ليختاروا لهم خليفة قبل أن يدفنوا النبى صلى الله عليه وسلم وذلك لعلمهم بأهمية تنصيب إمام للمسلمين تفوق أهمية دفن النبى عليه السلام لما يمكن أن يحدث من فتنة وفساد فى الأرض إذا بقيت الأمة بدون حاكم لأنه بدون حاكم أو رئيس تحدث فوضى عارمة كما هو الحال الآن..ولنتأمل موقف الصحابة رضوان الله عليهم جيدا فهم اختاروا أبا بكر باقصى سرعة ومنها استنتج العلماء أن سرعة تنصيب حاكم للمسلمين أمر فى منتهى الأهمية وهو ما جعل أبو بكر رضى الله عنه يختار عمر بن الخطاب ويوصى له بالخلافة من بعده قبل وفاته خشية تكرار حدوث خلاف بين المسلمين كما حدث بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم ، ودعا الله وأشهده أنه ما فعل ذلك إلا لمصلحة المسلمين وتجنيبهم شر الفتنة والخلاف ، وكذلك فعل عمر بن الخطاب حين قام بترشيح ستة من الصحابة ليختاروا من بينهم واحدا يكون هو الخليفة فاختاروا عثمان ، أما على بن أبى طالب كرم الله وجهه فقد تولى فى اليوم التالى لمقتل عثمان..بل إن قطز- قاهر التتار- حين قتله بيبرس كان أهم ما يشغل باله وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة هو مصير المسلمين من بعده ومصير مصر والمصريين فأوصى لبيبرس بولاية مصر من بعده وأمر الناس بالسمع له والطاعة حتى لا تقع فريسة بين فكى أعدائها فهناك شئ اسمه فقه الأولويات.. وقياسًا على ذلك كان يجب اختيار رئيسا لمصر فى نفس الأسبوع الذى تم فيه خلع الرئيس السابق وعدم الانتظار إلى شهر سبتمبر أو شهورا أخرى.
نرمين كحيلة





السبت، 3 سبتمبر 2011

هز الهلال يا سيد

   من مهازل هذا القرن هو عدم توحيد المطالع فكل دولة تختلف فى رؤية هلال رمضان ؛
يقول أبو عبد الله الدرعمى:"ففي كل عام ما إن تقترب ليلة رؤية هلال رمضان إلا وترى الأمة منقسمة إلى فريقين.. فريق يرى وحدة المطالع وفريق يرى اختلاف المطالع..وكل فريق عن رأيه يدافع..
أسأل الله أن يوحد الأمة على كلمة واحدة اللهم آمين آمين آمين
أقول بالله مستعينا: أرى أن وحدة المطالع للدول التي تشترك في جزء يسير من الليل هو الرأي الصحيح بإذن الله تعالى وذلك من وجوه:

 -
 فما الداعي إلى تفريق الأمة في شهر وتجميعها في شهر آخر، أعني تفترق الأمة في شهر رمضان ثم تجتمع جبرا على ذي الحجة لإقامة شعيرة الحج والوقوف بعرفة.. فإن قال قائل بجواز التفريق في الهلال في رمضان ، أقول: قياسا عليه يجوز التفريق في الوقوف بعرفة وعندئذ وجب على أهل السعودية أن يخصصوا يوما لأهل مصر لأنهم اختلفوا معنا في الرؤية وهذا يوم المغرب وهكذا وبذلك تختلف الأمة ، فإن كان توحيدها حتما في عرفة فلماذا لا توحد من باب أولى في جميع العام..

 -
إن قال قائل باختلاف المطالع ، سألته: ما الفرق بين تبوك بالسعودية والعقبة بالأردن ونوبيع بمصر(مع العلم أن المسافة بينهم لا تتعدى الوقت اليسير)؟؟... أليست كلها بلاد إسلامية.. أم إن الخلاف أن هذه تتبع دولة والأخرى تتبع دولة أخرى.. أليست هذه التقسيمات بين بلاد المسلمين - أعني بذلك الحدود - هي من وضع الغرب؟؟ هل لأن هذه التقسيمات وقعت من الغرب جاز لنا أن نقسم التشريع بين بلاد المسلمين؟؟
فإن قال نعم يجوز أن نقسم لأن هذه تتبع دولة أخرى. أقول: لقد قلت حينئذ مقالة عظيمة تقر فيها هذه القسمة التي وضعها الغرب لبلاد المسلمين..

 -
أقول: من قال باختلاف المطالع لا يجوز له أن يوحد الصيام في الدولة الواحدة أعني أنه لا يجوز أن يصوم أهل مكة برؤية أبها مثلا..أو أهل المدينة برؤية حفر الباطن وكذلك الحال عندنا في مصر لا يصوم أهل الأسكندرية برؤية الصعيد وهكذا..فإن قالوا نعم يجوز لأنهم بلغوا بالهاتف أقول وما الفارق بين تبوك والعقبة ونوبيع؟؟؟

-
 إن قال قائل بعدم جواز تبليغ الرؤية بالسبل المتطورة - بين الدول- كالجوال مثلا والهاتف أقول ما قلت قبلا بعدم جواز صيام أهل مكة برؤية أبها...وإنما يكون الحال ما إن يرى أهل مكة الرؤية حتى يجهزوا فرسا قوية وعليها راكب يسير من بعد المغرب إلى قبل الفجر وهذا المطلع ينتهي بما وصل إليه الراكب بدخول آذان الفجر فلنقل دائرة قطرها مثلا 40 أو 50 كم..

-
 قول النبي -صلى الله عليه وسلم"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"

 -
قبول النبي- صلى الله عليه وسلم- بشهادة الرجل الواحد في رؤية هلال رمضان.
وحتى لا نقع في مثل ما وقعنا فيه من قبل..إن قال قائل إننا رأينا عطارد أو المريخ أو زحل أقول...هذا كذب من وجوه..

-  معروف عند أهل الفلك أن الكوكب لا يمكن رؤيته بالعين المجردة إلا على شكل نقطة أو نجم ولكن أكثر سطوعا مما يتعارض مع شكل الهلال المعروف بين أوساط الناس جميعا..
-
 فرضا أننا استطعنا رؤيته وإن كان هذا مستحيلا كان سيكون على شكل دائرة وليس على شكل الهلال المعروف.
 
 - نفترض أن هذا ممكن الوقوع وممكن حدوث اللبس بين عطارد أو أي كوكب آخر.. كان الرسول- صلى الله عليه وسلم حينئذ يبين للناس كيفية التحقق من الهلال لأن هذا من الدين ودين الإسلام كامل من عهد النبي صلى الله عليه وسلم " اليوم أكملت لكم دينكم"
أما عن الحساب الفلكي: فهو باطل من وجوه عديدة منها:
- قصور الحساب الفلكي حتى وقتنا الحاضر: لا يستطيع علماء الفلك تحديد مواعيد الصلاة مستخدمين الحساب الفلكي وهذا بشهادة علماء الفلك باختلاف مواعيد الصلاة عن تلك الموجودة في التقويم..

 - قول النبي - صلى الله عليه وسلم- فيما روي عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «نحن أمة لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا وأشار بيده إلى تسع وعشرين وثلاثين»..
*
لا نحسب أي إننا لا نبني أحكام شريعتنا على الكتاب والحساب ولهذا جميع العبادات الموقتة بوقت وقتت بأمور محسوسة يستطيع أن يتعرفها المتعلم والعامي المقيم والمسافر الراعي والفلاح"
ومن الطريف أن رؤية هلال رمضان مرت بمراحل على مر التاريخ
فكان الخليفة يخرج في مهرجان إعلان حلول شهر رمضان من باب الذهب "أحد أبواب القصر الفاطمي"، متحليًا بملابسه الفخمة وحوله الوزراء بملابسهم المزركشة وخيولهم بسروجها المذهبة ، وفي أيديهم الرماح والأسلحة المطعمة بالذهب والفضة والأعلام الحريرية الملونة ، وأمامهم الجند تتقدمهم الموسيقى ، ويسير في هذا الاحتفال التجار صانعو المعادن والصاغة ، وغيرهم الذين كانوا يتبارون في إقامة مختلف أنواع الزينة على حوانيتهم فتبدو الشوارع والطرقات في أبهى زينة..


وكان موكب الخليفة يبدأ من بين القصرين "شارع المعز بالصاغة الآن"، ويسير في منطقة الجمالية حتى يخرج من باب الفتوح "أحد أبواب سور القاهرة الشمالية"،ثم يدخل من باب النصر عائدًا إلى باب الذهب بالقصر، وفي أثناء الطريق توزع الصدقات على الفقراء والمساكين ، وحينما يعود الخليفة إلى القصر يستقبله المقرئون بتلاوة القرآن الكريم في مدخل القصر ودهاليزه ، حتى يصل إلى خزانة الكسوة الخاصة ، فيغيِّر ملابسه ويرسل إلى كل أمير في دولته بطبق من الفضة مملوء بالحلوى ، تتوسطه صرة من الدنانير الذهبية وتوزع الكسوة والصدقات والبخور وأعواد المسك على الموظفين والفقراء، ثم يتوجه لزيارة قبور آبائه حسب عاداته ، فإذا ما انتهى من ذلك أمر بأن يكتب إلى الولاة والنواب بحلول شهر رمضان.

     وفي عام 155هـ خرج أول قاضي لرؤية هلال رمضان وهو القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الذي ولي قضاء مصر، وخرج لنظر الهلال ، وتبعه بعد ذلك القضاة لرؤيته ؛ حيث كانت تُعَدُّ لهم دكّة على سفح جبل المقطم عرفت بـ " دكة القضاة"، يخرج إليها لنظر الأهلة ، فلما كان العصرالفاطمي بنى قائدهم بدر الجمالي مسجداً له على سفح المقطم اتخذت مئذنته مرصدًا لرؤية هلال رمضان.
    وهذا لقاء أجري العام الماضي لشخص استطاع معرفة ليلة القدر وبحث عن تحديد ليلة القدر من خلال تقديم بحوث في هذا المجال مما جعل الجميع يندهش من نتائج هذه البحوث هو الشيخ ممدوح الجبرين رحمه الله واسكنه فسيح جناته
وقد حاوره ماجد المسمار  بدر المشعان
حيث يذكر انه يستحيل دخول شهر رمضان يومي الأحد والجمعة ؟
 والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في الْوِتْرِ من الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ من رَمَضَانَ ) رواه البخاري .
فإذا دخل يوم الأحد أو يوم الجمعة أصبحت ليله القدر في الأعداد الزوجية التي هي ليله الثلاثاء .
وقد حدد الشيخ ممدوح الجبرين ليلة الثلاثاء الفردية في العشر الأواخر من رمضان بأنها ليله القدر .
تم تحديد ذلك بعد متابعه وملاحظه عدد من السنوات لشعاع الشمس صبيحة يوم ثلاثاء الفردي في العشر الأواخر من رمضان بأن تطلع الشمس بيضاء لا شعاع لها من عام

وقال أن ليله القدر ليست في علم الغيب وهناك أدله كثيرة على ذلك عن عائشة رضي الله عنها قالت يا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إن عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ما أَقُولُ فيها قال (قُولِي اللهم إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ) رواه الترمذي وغيره. فتذكر عائشة رضي الله عنها أنها إذا علمتها . فلو كانت غيبية لقال لها صلى الله عليه وسلم أنها في علم الغيب .ولا يستطيع احد أن يعرفها .
روى مسلم رحمه الله في صحيحه أن صاحب رسول الله أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال :
والله الذي لا اله إلا هو إنها لفي رمضان ، و والله إني لأعلم أي ليلة هي ، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها هي ليلة صبيحة سبع وعشرين . فهل يحلف صحابي على علم الغيب .
وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

((خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحم فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة))
فهل يأمرنا رسول الله بالتماسها وهي من علم الغيب.
وبمعرفة وقت ليلة القدر نستطيع أن نحدد دخول الشهور المتبقية ويوم عرفة وعيد الأضحى وكذلك معرفه بداية السنة الهجرية .
وستطيع معرفه شهر رمضان من خلال عدد أيامه 30 يوم أو 29 يوم؟
بمعرفة ليلة القدر فإذا كانت ليله القدر تصادف ليله 27 فأن الشهر يكون كاملا .
وعلى هذا فان شهر ذي الحجة يكون مشابها لرمضان في عدد أيامه.
بذلك نكون قد ضبطنا دخول السنة الهجرية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا عيد لا ينقصان.
وهو يرى أنه على الدول الاسلامية أن تتفق أذا تم مشاهدة الهلال من مسلم في أي مكان على سطح الأرض أن يكون صيامهم في يوم واحد . وإفطارهم في يوم واحد فنحن أمة إسلاميه واحدة . فليلة القدر ليلة واحدة وهي ما يثبت دخول رمضان في ليلة واحدة على الكرة الأرضية .
وإن أول نزول القرآن كان في ليلة الثلاثاء ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن هذا اليوم قال : ذلك يوم ولدت فيه وبعثت فيه وأنزل *عليّ فيه وهاجرت فيه.
فتكون ليله القدر هي ليله الثلاثاء في الأيام الفردية في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك .
وقد شاهدت برنامج آخر لباحث مصرى حاول رصد شكل الشمس فى سنوات مختلفة لتحديد ليلة القدر حسب وصفها فى الحديث الشريف أنها تطلع فى ليلة لا شعاع فيها مثل القمر وأثبت هذا الباحث أن ليلة القدر كانت تطلع لمدة سنوات عديدة فى ليالى زوجية وليست وترية بسبب خطأ فى رؤية هلال رمضان.. يعنى المشكلة قائمة منذ زمن وليس الآن وتذكرت حديث الشيخ كشك رحمه الله وهو يقول أن فى سنة من السنين كانت مصر على خلاف مع السعودية فقررت أن تخالفها فى رؤية هلال شهر رمضان بلكى تعاندها وجعلوا شيخا كبيرا فى الأزهر يطوف بمصر كلها يقول أن رمضان ليس غدا..يعنى هناك تلاعب بالدين لخدمة السياسة..
    والكاتب الكبير أحمد بهجت له مقالة ساخرة فى هذا الموضوع فى عموده نصف كلمة يقول فيها: كل سنة وانتم طيبين لو العيد النهاردة وكل سنة وانتم طيبين لو العيد بكرة وكل سنة وانتم طيبين لو العيد بعد بكرة.. والمضحك فى الأمر أن كل دولة تختار لنفسها يوما مختلفا عن الدولة الأخرى لتحتفل بالعيد فهناك دول تؤكد أن رمضان هذا العام 30 يوما وهناك دولا أخرى تؤكد ان رمضان هذا العام 29 يوما بل ووصل الأمر إلى أن العراق فى سنة من السنين احتفل فيه السنة بالعيد فى يوم والشيعة فى يوم آخر كما لو كان القمر الذى يطلع على دولة ليس هو القمر الذى يطلع على باقى الدول بينما الصحيح أن الهلال إذا رؤي فى دولة ما فجميع الدول تصوم تبعا لذلك وهذا ما أوصى به المؤتمر الإسلامى إلا أن خلافات المسلمين حالت دون تطبيق ذلك..لأن ذلك سيجعل ليلة القدر ليلتان وليست ليلة واحدة وهذا لا يجوز.. ووصلت المهزلة إلى حد أن مصر تحدد يومًا مختلفا عن السعودية للفطر بينما تتفق معها فى يوم عرفة وعيد الأضحى حتى أننا حذفنا يوما لنتماشى مع التاريخ الذى حددته السعودية للحج يعنى كان عندنا فى مصر مثلا اليوم الثامن من ذى الحجة فقالوا لنا اجعلوه التاسع من ذى الحجة.. أليس هذا سفها وحمقا وغباءً؟؟ فما الذى جعلنا منذ البداية نخالف السعودية ونضطر فى النهاية للوقوع فى هذا المأزق؟؟ والكارثة أن المسلمين ليسوا فقط غير قادرين على تحديد رؤية الهلال بل إنهم أيضا غير قادرين على تحديد وقت صلاة الفجر إذ أن هناك باحثا مصريا هو الدكتور محمد سعيد متولى إبراهيم بجامعة الأزهر أثبت أن وقت صلاة الفجر بالحساب الفكى المعمول به فى مصر متقدم بنحو عشرين دقيقة عن دخول الوقت الشرعى بطلوع الفجر الصادق حسب علاماته الشرعية ، وأن وقت المغرب ودخول وقت العشاء بذات الحساب غير صحيح أيضا إذ لا يطابق كل هذا ما جاء فى السنة.
نرمين كحيلة



الجمعة، 12 أغسطس 2011

الأرض يرثها عبادى الصالحون



     إن الاعتقاد الشائع بيننا جميعًا أن مصر للمصريين والعراق للعراقيين والسعودية للسعوديين.... وهكذا. ولكن سنة الله فى أرضه اقتضت أمرًا آخر فهو جل وعلا وضع القاعدة الهامة لوراثة الأرض فقال: "ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون".(الانبياء 105)
    فنجد فى قصة طوفان نوح عليه السلام  أمره بصنع سفينة ضخمة واصطحاب المؤمنين ومن كل زوجين اثنين لأن الله جل وعلا قرر أن يبيد هذه الأمة الكافرة (التى لا تستحق الأرض) ويُسكِن مكانهم قومًا آخرين مؤمنين. 
 "واذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح"…(الأعراف 69)
أي أن قوم عاد صاروا خلفاء لقوم نوح
والآية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض..(الأعراف (74أي أن قوم ثمود خلفاء لقوم عاد
     ومن الآيتين السابقتين نجد أن قوم عاد استخلفهم الله بعد قوم نوح , وقوم ثمود استخلفهم الله بعد قوم عاد
ومن التفاسير نستخلص أن الله استخلفهم في أرضهم بعدما أباد الذين سبقوهم ومن ثم  ورثوا أرضهم
    إذن الطوفان شمل منطقة قوم سيدنا نوح ولم يشمل عاد ..وإن قوم عاد ورثوا أرض قوم سيدنا نوح .. إذن أرض قوم عاد مجاورة لقوم سيدنا نوح .. وهي نفسها أرض ثمود.  
    
    وتستمر هذه القاعدة على طول التاريخ الإنسانى كما نفهم من القرآن
     
     يقول العلامة محمد بن عثيمين - رحمه الله - فى تفسير سورة البقرة (168-171) فى فوائد آية "يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم و أنى فضلتكم على العالمين" :"ومنها: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم ؛ لأنهم في ذلك الوقت هم أهل الإيمان؛ ولذلك كُتب لهم النصر على أعدائهم العمالقة (أصحاب الأرض الأصليين)، فقيل لهم: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] ؛ و "الأرض المقدسة" هي فلسطين؛ وإنما كتب الله أرض فلسطين لبني إسرائيل في عهد موسى ؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون؛ وقال موسى لقومه: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} [الأعراف: 128] ، ثم قال: {والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] ؛ إذاً المتقون هم الوارثون للأرض ؛ لكن بني إسرائيل اليوم لا يستحقون هذه الأرض المقدسة ؛ لأنهم ليسوا من عباد الله الصالحين؛ أما في وقت موسى فكانوا أولى بها من أهلها ؛ وكانت مكتوبة لهم، وكانوا أحق بها؛ ولكنه حرمها عليهم تحريما أبديا بنص الآية "قال فإنها محرمة عليهم" وكتب عليهم الشتات فى الأرض لأنهم فقدوا شرط الصلاح.
     ونستطيع أن نفهم من ذلك ضمنا أن فلسطين ليست بلد بنى إسرائيل لكن الله - جلت حكمته – أراد أن يخرج أهلها الأصليين (أصحاب الأرض الوثنيين) ثم يسكن مكانهم بنى إسرائيل الموحدين فى ذلك الوقت. .    لكن لما جاء الإسلام الذي بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم صار أحق الناس بهذه الأرض هم المسلمون .  {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] ؛ فجعل الميراث لعباده الصالحين.
"  وأورثناها قوما آخرين" "فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا"(الشعراء 52)
وكذلك عندما فسد حكام الأندلس أخرجهم الله منها.

   وفى ضوء نفس القاعدة نجد الله تعالى يقرر حد النفى والإبعاد عن الوطن كعقاب للزانى والذى يحارب الله ورسوله فقال:" إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) سورة المائدة.

    انظروا معى إلى جملة:"أو ينفوا من الأرض" نجد  فكرة النفى والإبعاد لأن الوطن نعمة فالعقاب أن يخسر الجانى وطنه وإحساسه بالأمن والاستقرار فى حد الزنا والحرابة ويغترب عنه لمدة عام حتى يذوق معنى الغربة واسألوا من جرب الغربة وشعر بآلامها النفسية هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه لا يستحق أن يعيش فى هذه الأرض الطاهرة بين المؤمنين الأطهار وقد نفى علي كرم الله وجهه رجلين من الكوفة إلى البصرة. قال أبوعبد الله رضى الله عنه: إذا زنى الرجل فجلد ينبغي للإمام أن ينفيه من الأرض التي جلد فيها إلى غيرها.. وورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه أمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام .ومعنى ( لم يحصن ) أى: لم يتزوج . (بجلد مائة ) يضرب مائة جلدة . ( تغريب عام ) يبعد عن البلد التي زنا فيها سنة

   ونجد فى قصة القاتل الذى قتل 99 نفسا أنه بعد توبته تم نفيه من الأرض وكذلك السامرى حين صنع العجل لبنى إسرائيل كان عقابه النفى من الأرض وأن يقول لا مساس قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً) [طـه:)97 أي: قال موسى عليه السلام اذهب من بيننا.
(
فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ) أي: ما دمت حياً.
(
أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ) أي: لا أمسُّ ولا أُمسّ، فصار السامري يهيم في البرية لا يمس أحداً، ولا يمسه أحد عاقبه الله بذلك، وألهمه أن يقول: (لا مِسَاسَ) . وكان إذا لقي أحداً يقول (لا مِسَاسَ) أي: لا تقربني، ولا تمسني، فكانت عقوبته الطرد، والنفي من المجتمع ، فكأن الله سبحانه وتعالى يسحب الجنسية من الجانى نتيجة لأنه لم يحترم قوانين المجتمع فالجزاء من جنس العمل.

   تذكرت ذلك وأنا أستمع إلى حوار المذيعة منى الشاذلى مع أحد أعضاء المجلس العسكرى فقالت له أن هناك دعوات لنفى مبارك عن أرض مصر فتعجب وقال:"ولماذا النفى أليس مبارك مصريا؟ إذن ينبغى له أن يعيش فى أرض مصر". وتعجبت فعلا من إجابته فإن الفكرة ليست فى أن المصرى يعيش على أرض مصر والسورى يجب أن يعيش على أرض سوريا والتونسى يجب أن يعيش على أرض تونس لأن من خان هذه الأرض الطيبة لا يستحق أن يعيش فيها وينعم بخيراتها ، وأعتقد أن هذا هو العقاب العادل له ولأسرته تماما مثلما فعلنا مع الملك فاروق وطالبناه بالرحيل.


نرمين كحيلة