الخميس، 25 يوليو 2013

أسئلة لمن يقول أنها ثورة



     فى زمن الفراعنة حتى يستطيعوا أن يحكموا المصريين ويعطوا لأنفسهم مسوغا شرعيا كانوا يقولون أن معهم تفويضا إلهيا بحكم مصر لإجبار الشعب على الخضوع لهم وحتشبسوت لما وجدت أنها انثى ولن يقبل المصريون بامرأة تحكمهم ارتدت زى الرجال وركبت لحية وادعت أنها ابنة الإله آمون وصورت ميلادها على جدران معبدها بالدير البحرى لإقناع الشعب أن الإله آمون تزوج أمها وأنجبها وبعض المغفلين - فى ذلك الوقت – صدقوها كما هو حال المغفلين فى عصرنا الحالى ، أما الآن ونحن فى القرن الواحد والعشرين لا يستطيع حاكم أن يدعى الألوهية ولذلك فقد لجأوا لطريقة أخرى يبرروا بها اغتصابهم للسلطة وهى أنهم يقومون بعمل تمثيلية سخيفة أن الشعب قام بثورة لكن فى حقيقة الأمر هو انقلاب عسكرى ، المفروض أن الجيش لا يتدخل فى السياسة ولا ينحاز لطرف دون الطرف الآخر لكن الجيش تدخل فى السياسة وانحاز لطرف تمرد رغم أن هناك ملايين أخرى تؤيد مرسى..والسؤال الآن:إذا كان السيسى فعلا نزل على إرادة الشعب فلماذا لم يستجب للملايين الاخرى المؤيدة ؟؟؟ إلا إذا كانت هذه هى رغبة الجيش أن يستولى على السلطة.



     وإذا افترضنا أن السيسى أصاب فى عزل مرسى فلماذا لا يقول لنا أين هو؟دليل على أنه خائف لأنه اغتصب السلطة ، لو كان  شجاعا لسمح له أن يخرج للناس ويواجههم  مثلما حدث مع الملك فاروق ، أخرجوه بكرامة وقدموا له التحية العسكرية 21طلقة وسمحوا له أن يسافر على الباخرة المحروسة معزز مكرم ولم يعتقلوه أو يحبسوه أو يحاكموه لكن عندما اغتصبوا السلطة وانقلبوا على الرئيس محمد نجيب اعتقلوه لانهم خائفين من جريمتهم لأن اعتقال رئيس شرعى منتخب هو جريمة يعاقب عليها القانون اسمها جريمة الاختفاء القسرى.
    وهناك من يقول أنها ثورة بدليل أنه تم تحديد موعدها وأقول له:ليس معنى أنه تم تحديد موعده أنه ليس انقلابا ، هذه تمثيلية لإقناع السذج من الشعب المصرى أنها ثورة فمثلا  لو أن رجلا صرح بأنه سيزنى بفلانة يوم كذا هل تحديده لميعاد الزنا يجعل الزنا مباحا ومقبولا ويحوله الى زواج شرعى؟ هذا ما فعله السيسى لتضليل الشعب ، مثل آخر لو أن أحدا قدم لك خمرا وقال لك أن هذه قهوة ، هل تغيير اسمها يحولها الى قهوة فعلا ، لا يهم الاسم المهم المسمى ، هذا ما فعله السيسى قدم لنا انقلابا ولكن ألبسه ملابس الثورة حتى يخدع الشعب المصرى ، لقد ثبت أن السيسى استعان بالمخرج السينمائى خالد يوسف لكى يصور المتظاهرين بطائرة من فوق ليخدع الناس أن عددهم كبير ..

     هو انقلاب مكتمل الأركان أولا: لأن الرئيس الشرعى المنتخب لم يستقيل من منصبه ومازال هو الرئيس الشرعى للبلاد وثانيا: لأن من عزله ليس له سلطة ولا أهلية فى عزله فهو موظف عنده فلا يحق لوزير أن يعزل رئيسا وثالثا: أن عزل الرئيس لا يكون بالانقلاب عليه بل يكون عن طريق الصناديق ؛ فالغاية لا تبرر الوسيلة.

نرمين كحيلة


الأحد، 21 يوليو 2013

مصر على مائدة اللئام





    سبحان الله ! ما أشبه اليوم بالبارحة فالتاريخ يعيد نفسه ، الجيش المصرى أيام الملك فاروق عمل انقلابا عسكريا أسماه ثورة واستطاع أن يقنع الشعب المصرى أنه ثورة شعبية وأخذوا يدرِّسونها لنا سنوات وسنوات على أنها ثورة وليست انقلابا ، والشعب المسكين الذى كانت أغلبيته أمية وليس لديها وعى سياسى صدق ذلك وأخذنا نحتفل كل عام بهذه الثورة العظيمة ثورة 1952 التى لم يقم بها الشعب وإنما قام بها الجيش ، لكنه أراد أن يجمل صورته أمام شعبه فأوهمه أنها ثورة تماما مثل فيلم سر طاقية الاخفاء عندما قال توفيق الدقن لعبد المنعم إبراهيم أن هذه العلبة الصغيرة فيها فيل ، ونفس الشئ تكرر مرة أخرى أيام الرئيس محمد نجيب – أول رئيس لجمهورية مصر العربية – حيث انقلب عليه الضباط الأحرار (وعلى رأسهم جمال عبد الناصر والسادات) فى انقلاب عسكرى مكتمل الأركان ثم كذبوا على الشعب وقالوا أن جمال عبد الناصر هو أول رئيس لجمهورية مصر العربية وحذفوا اسمه من المناهج الدراسية وزيفوا التاريخ وأنكروا كل دور لمحمد نجيب وأظهروه كأنه لم يكن له أى دور فى الثورة رغم أنه هو المخطط والمدبر لها بحكم أنه كان أكبر منهم سنا وخبرة وهو الذى اقترح عليهم أن تكون مفاجئة وأن يكرم الملك ولا يهان.. وكذبوا على الشعب وقالوا أنهم اتفقوا معه أن يكون واجهة فقط ثم يعتزل الرئاسة ويسلمها لجمال عبد الناصر.. يقول اللواء محمد نجيب فى كتابه "كنت رئيسا لمصر" أنه كان كلما دخل عليهم سكتوا فعلم أنهم يدبرون له مؤامرة وبعد أن عزلوه قبضوا عليه وحددوا إقامته واضطهدوه هو وأسرته ومنعوه من أداء الشعائر الإسلامية فقد أراد فى عيد الأضحى أن يضحى بخروف فطلب منهم جزارا ليذبحه له فرفضوا فذبحه بنفسه وطلب منهم أن يسمحوا له أن يوزعه على الفقراء فرفضوا فدفنه فى حديقة منزله.. لذلك فقد أسماهم الضباط الأشرار بدلا من الضباط الأحرار. تقول ابنته فى حديث تليفزيونى أنهم منعوها هى وإخوتها من إكمال تعليمهم العالى حتى يظلوا فى مستوى مادى واجتماعى متدنى وأنها متزوجة من سائق ولا تجد ما يكفيها هى وزوجها وأن أسرة محمد نجيب بكاملها تعيش على الكفاف.

    إلى هذا الحد بلغ الأمر بعبد الناصر والسادات ومبارك الذين طمعوا فى الحكم فباعوا ضمائرهم ودينهم وتنكروا لمن ساعدهم. وكان ذلك سببا فى انفصال السودان عن مصر لأول مرة منذ عهد الفراعنة لأن الشعب السودانى كره ما حدث لنجيب وهو من أصول سودانية.. إذا علمنا ذلك فليس بمستغرب أن يستميت الجيش اليوم للبقاء فى السلطة حتى لو كان ذلك على حساب جثث المصريين ودمائهم ، حتى لو بيعت مصر بأبخس الأثمان وأصبحت خادما مطيعا لإسرائيل.


      واليوم عمل الجيش انقلابا لثالث مرة ولكنه أراد هذه المرة أن يضفى عليه غطاء من الشرعية لأن الناس أصبحت اكثر وعيا من ذى قبل فالناس أيام عبد الناصر لم تعترض ولم تثر بل تقبلت الأمر الواقع أما اليوم فلن يقبلوا لذا فقد كان عليه أن يوهمهم أنهم قاموا بثورة عظيمة نابعة من الشعب وزرع بينهم حركة تمرد وسخر الإعلام كله لخدمة أهدافه فتقبل الناس الانقلاب بل وفرحوا به وهللوا له واقتنعوا أن العلبة فيها فيل.

    وهذا هو ما حدث أيام عثمان بن عفان رضى الله عنه فقد قيل عنه نفس ما قيل عن مرسى ، قيل أنه يعين أقاربه فى مناصب كبيرة فى الدولة يعنى بلغة العصر عثمنة الدولة كما يقال الآن أخونة الدولة.. ورغم أنه ذو النورين الذى تزوج ابنتى النبى صلى الله عليه وسلم ورغم أنه صحابى جليل ورغم أنه من العشرة المبشرين بالجنة ورجل تستحى منه الملائكة ألا أن كل ذلك لم يشفع له عند من ثاروا عليه فدخلوا عليه بيته وأجبروه على التنحى عن الخلافة وكان ذلك بتدبير من اليهود - كما هو الآن – فلما قال لهم:"لا أخلع قميصا ألبسنيه الله" انقضوا عليه بالسيوف فقتلوه وعندما حاولت زوجته نائلة أن تدافع عنه بيدها قطعوا أصابعها ، وظلت هذه الفتنة قرونا طويلة خسر المسلمون بسببها الكثير وظلت الأمة الإسلامية منذ بداية عهد الدولة الأموية التى ألغت حكم الشورى والانتخابات وحكمت بالتغلب والقوة والجبروت والتوريث ، ظلت هذه الأمة فى قهر وذل ولما أراد الله لنا بعد قرون طويلة أن نعود لحكم الشورى والديمقراطية والانتخابات أفشلوا هذه المحاولة بالدسائس والمؤامرات .. فيا ليتنا نتعلم من أخطاء الماضى ولا نكررها فهذه التجربة الوليدة هى المخرج الوحيد لما نحن فيه من قهر وذل واستعباد وتخلف.
نرمين كحيلة

السبت، 6 يوليو 2013

استحبوا العمى على الهدى




 


     قال الله تعالى:وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( فصلت آية 17 ) أى أن الله أراهم وأرشهدهم إلى طريق الحق والإيمان ولكنهم أصروا على الكفر والضلال.

     وهذا ما حدث تماما معنا فقد هدانا الله ووفقنا للقيام بثورة عظيمة ضد طاغية ولكننا كرهنا الديمقراطية والشرعية والانتخابات النزيهة وأحببنا القمع والقهر والعودة لغياهب السجون وتكميم الأفواه والديكتاتورية فانقلبنا على الشرعية وعلى القانون والدستور ، استكثر علينا العالم أن تخوض مصر تجربة ديمراقطية عظيمة لأول مرة فى تاريخها فحاولوا إجهاضها وإفشالها بكل طريقة وهى ما تزال فى مهدها وللأسف ساعدهم فى ذلك البسطاء من الناس ممن أنهكتهم الأزمات المفتعلة والمدبرة وشحن الاعلام كله ضد الاخوان وتصويرهم كأنهم شياطين ومحتلين واستغلوا أيضا الطامعين فى الكرسى من خاسرى الانتخابات الرئاسية أمثال حمدين والبرادعى وموسى الذين فعلوا مثل بنى إسرائيل حين اعترضوا على الملك الذى أرسله لهم الله وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة:247)
     هؤلاء الذين ينتمون لحركة تمرد ولجبهة الانقاذ ليس لهم أية صفة ليتكلموا باسم الشعب كله ولم يفوضهم أحد للتحدث باسم 90 مليون مواطن والتوقيعات المزورة التى جمعوها لا تسمن ولا تغنى من جوع لأننا دولة نظامية تحترم القانون والدستور والشرعية فمن لا يرضى عن أداء الدكتور مرسى فليغيره عن طريق الصناديق وليس عن طريق الميادين ، هذا يوصلنا لردة وانتكاسة وضربة قاسمة فى ظهر الديمقراطية والثورة.
     يقول الله تعالى: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا" (الإسراء:34)
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود"ِ
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ}(النحل: 91)
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان وجاء في حديث آخر : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان * ( صحيح ) _ وأخرجه البخاري ومسلم . وجاء في الصحيحين عن رسول لله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان بن فلان
    كل من عاهد الدكتور مرسى وبايعه فى صناديق الانتخابات ثم خرج عليه فى الانقلاب العسكرى ما هو إلا خائن لله وللرسول وللوطن ، ناقض للعهد وغادر. عار عليكم أن تنقضوا عهدكم معه وتعودوا إلى الدولة البوليسية القمعية التى أغلقت كل قنوات الرأى المخالف وأخذت تعتقل كل من يخالفهم ، كيف ترضون أن ينقلب الجيش على رئيس شرعى منتخب جاء إلى سدة الحكم بطريقة شرعية قانونية شريفة وتقبلون أن تولوا عليكم البرادعى الذى اغتصب الحكم بطريقة دنيئة غير شريفة وقد خسر خمس مرات فى انتخابات سابقة أى رفضه الشعب ولفظه؟ لو كانت لديه أى نزعة أخلاقية لرفض هو نفسه أن يتولى أية مناصب لا يستحقها بعد فشله الذريع فى اجتياح الانتخابات كما يحدث ذلك فى كل دول العالم المتقدمة..إين عقولكم وضمائركم؟ ترضون بالخاسر وترفضون الفائز؟ فيا من استحببتم العمى على الهدى إذا كنتم لا ترضون بالدكتور مرسى والاخوان فلماذا اخترتموه وانتخبتموه فى الصندوق؟ إن أمامكم طريقا وحيدا للإطاحة به وهو الصناديق أما الفتونة والبلطجة التى أطحتم به من خلالها فلا تليق أبدا بدولة عظيمة مثل مصر ، هل تريدون أن توصلوا رسالة للعالم أننا شعب لا نحترم الصناديق ولا الدساتير ولا القوانين ولا العهود ومنطقنا الوحيد هو القوة ، البقاء للأقوى وليس للأصلح؟ عودوا إلى رشدكم يرحمكم الله.
نرمين كحيلة

 

الجمعة، 14 يونيو 2013

لا تتعجلوا الحصاد




       إن من إرادة الله أن يذكر الصبر في القرآن الكريم لهداية القارئ المؤمن.
 ذكر الصبر ومشتقاته 103 مرات في القرآن الكريم في 45 سورة تمثل بمجموعها 40 بالمئة من مجموع سور القرآن الكريم البالغ عددها 114 سورة، أما السور التي يتكرر فيها ذكر كلمة الصبر عدة مرات فهي
 
البقرة (9 مرات)، آل عمران (8 مرات)، الكهف (8 مرات) النحل (7 مرات).
  -
تحتوي 93 آية على كلمة الصبر، وعشر من هذه الآيات يرد فيها ذكر الصبر مرتين كما ترد كلمة (اصبر) 19 مرة.
 -(
اصبروا) خمسة عشر مرة.
-(
الصابرين) خمسة عشر مرةأيضا
فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (القلم:48)


     وقد صدق عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين قال: اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم. أى مهما كان النعيم الذى يعيش فيه الإنسان لا بد أن يعود نفسه على معيشة الزهد لأن النعم لا تدوم فإذا زالت  يكون الإنسان قد وطن نفسه ودربها على فقدانها فلا يشعر باكتئاب وإحباط ويستطيع أن يواصل حياته.


   يتضح من الآية الكريمة أن بنى إسرائيل كانوا يعيشون حياة الرفاهية والترف والنعيم فى أرض مصر يأكلون من خيراتها ومنهم من يسكن القصور ولديه خزائن من المال الوفير مثل قارون ولكن كانت مشكلتهم الوحيدة هى الذل والهوان على يد فرعون ولما خرج بهم موسى عليه السلام من مصر ليرحمهم من هذا الذل فوجئ بأنهم يشتاقون إلى اللقمة المغموسة بالذل والهوان ويطلبون منه أن يحضر لهم الفول والعدس والبصل فتعجب وقال لهم:إذا كنتم تريدون الترف مع الذل فعودوا إلى مصر. صحيح أن حياتهم بعد الخروج من مصر كان فيها بعض المشقة المؤقتة لكن على الأقل رؤسهم مرفوعة وكرامتهم عادت لهم وهذه هى سنة الله التى تكررت كثيرا على مر التاريخ فدائما المرحلة الانتقالية التى تعقب حكم الظلم والجور والطغيان والجبروت والقهر تكون بها بعض المشقة المؤقتة التى يجب تحملها حتى لا نحيا حياة الذل والهوان.

    وما أرى الذين يطالبون بعودة مبارك ويتغنون بأيامه والترف الذى رأوه على يديه إلا كبنى إسرائيل حين تمنوا العودة لجبروت فرعون من أجل الحصول على المواد التموينية رغم أن ما أعطاهم ربهم من المن والسلوى هو أفضل كثيرا مما طلبوه ولكنهم مع ذلك يتغنون بالماضى ويرون أن وجود موسى النبى بينهم وتأييد ربهم لهم ليس كافيا وأن معيشتهم السابقة أفضل  بل وصلت بهم الوقاحة أن اتهموا سيدنا موسى بأنه أخرجهم من مصر ليهلكهم.

    ولننظر إلى الفلاح حين يرمى البذرة فى الأرض هل ينتظر نموها فى اليوم التالى؟ أم أنها تحتاج لشهور طويلة وأحيانا سنوات لتنبت وتؤتى أكلها؟

     لو نظرنا لمرحلة انتقالية أخرى فى التاريخ ، مرحلة فارقة بين الخير والشر ، بين الحق والباطل ، بين الظلم والعدل وهى قصة المسلمين الأوائل فى الشِعب حيث قرر كفار مكة  ألا يناكحوهم -لا يزوّجونهم- ولا يتزوجون منهم، وأن لا يبايعوهم، لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم، وألا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، وأن لا يقبلوا من بني هاشم وبني المطلب صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسْلموا رسول الله لهم للقتل.
    من حينها تكون قد بدأت مرحلة جديدة من المعاناة والألم، تلك التي عاشها المسلمون في بداية الدعوة الإسلامية، فقد قُطع الطعام تماما عن المحاصرين، لا بيع ولا شراء، حتى الطعام الذي كان يدخل مكة من خارجها وكان يذهب بنو هاشم لشرائه، كان القرشيون يزيدون عليهم في السعر حتى لا يستطيعون شراءه، ومن ثَمَّ يشتريه القرشيون دون بني هاشم.
    وقد بلغ الجهد بالمحاصرين حتى كان يسمع أصوات النساء والصبيان يصرخون من شدة وألم الجوع، وحتى اضطروا إلى التقوت بأوراق الشجر، بل وإلى أكل الجلود، وقد ظلت هذه العملية وتلك المأساة البشرية طيلة ثلاثة أعوام كاملة، ثلاث سنوات من الظلم والقهر والإبادة الجماعية، ومع ذلك لم يتراجع المسلمون ولم يرتدوا ولم يتهموا النبى صلى الله عليه وسلم بأنه أوردهم التهلكة وبعد هذه الفترة الانتقالية التى امتدت سنوات انتصرت الدعوة الإسلامية وانتشرت وبدأت الحضارة الإسلامية العظيمة لأن المسلمين صبروا.
    ولأن الله لا يريد لعباده أن يتعودوا حياة الترف فينسوا دينهم وربهم كما حدث ذلك كثيرا على مر العصور "بل متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر" من أجل ذلك جاء تحريم الشرب فى الأوانى الفضة والذهب بنص الحديث المتفق عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
    بل جاء في حديث أم سلمة التوعد على الأكل والشرب فيهما بنار جهنم، فيكون من كبائر الذنوب. وهو ما ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: "إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". وقد ألحق بالأكل والشرب سائر الاستخدام عند الجمهور.
   وقد كان الامام ابن حنبل رحمه الله يجلس على الأرض ويرفض شرب الماء البارد وحين سألوه لماذا لا تجلس على الكرسى وتشرب الماء البارد؟ قال لهم: أخشى الآية الكريمة التى تقول:"ثم لتسألن يومئذ عن النعيم"

    وكذلك حين هاجر النبى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة لم يجد بانتظاره الترف والرفاهية بل وجد المشقة والجوع هو وأصحابه وكانت حياتهم هنك صعبة "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ قَالا الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا" وكان أبو بكر وعمر يضعان على بطنيهما حجرا فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع حجرين.

    لقد تعودنا – للأسف - على حياة الرفاهية وهذا خطأ ، حتى صار انقطاع الكهرباء يمثل كارثة لنا لا نطيق تحملها رغم أن الأجيال التى سبقتنا كانت تعيش على ضوء الشموع ، لكن حياة الترف أفسدتنا وجعلتنا لا نصبر على بعض المشقة حتى تتحقق نهضة بلادنا وتؤتى الثورة التى قمنا بها ثمارها ونلهث وراء نظام قديم استعبدنا لمجرد أنه - من وجهة نظر البعض - كان يوفر لنا المواد التموينية ، تماما مثل منطق بنى إسرائيل.

    فإذا كانت المرحلة الانتقالية التى نعيشها بها بعض المشقة والصعوبات والمشاكل فهذا شئ طبيعى بعد الثورة على نظام فاسد.
      
        فصبرا صبرا ولا تتعجلوا الحصاد.



نرمين كحيلة




الخميس، 9 مايو 2013

تبرير المعصية




     من العجيب للعاصى أن يبرر معصيته بدلا من الاعتراف بها والندم عليها فكانت أول معصية تمت هى معصية الشيطان عندما رفض السجود لآدم وبدلا من التوبة والاستغفار قام بتبرير معصيته.
قَالَ مَا مَنَعَك َألا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الأعراف:12)
     هذه القصة ذكرها اللّه تبارك وتعالى في سورة البقرة، وفي أول سورة الأعراف، وفي سورة الحجر، والكهف،  وهي أن اللّه سبحانه وتعالى، أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام، بأنه سيخلق بشراً من صلصال من حمأ مسنون، وقد تقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته، فليسجدوا له إكراماً وإعظاماً واحتراماً وامتثالاً لأمر اللّه عزَّ وجلَّ، فامتثل الملائكة كلهم سوى إبليس ولم يكن منهم جنساً، كان من الجن وليس من الملائكة فخانه طبعه وجبلته، فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عزَّ وجلَّ فيه، وادعى أنه خير من آدم، فإنه مخلوق من نار، وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر اللّه تعالى، وكفر بذلك فأبعده اللّه عزَّ وجلَّ، وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض.

   ولو قارنا بين موقف الشيطان وموقف آدم عليه السلام لوجدنا أن الاثنين عصيا الله ولكن الفرق بينهما أن الشيطان برر معصيته أما آدم فقد اعترف بها واستغفر الله "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" ) الأعراف : 23)

     ونجد صورة أخرى من صور تبرير المعصية تتجلى فى أوضح صورها فى قصة أصحاب السبت فقد ورد ذكر القصة مرتين إحداهما في سورة البقرة والمرة الثانية بتفصيل أكثر فى سورة الاعراف الآيات (163-166).
    قال الله تعالى في سورة الأعراف:"وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ."
     وقال تعالى في سورة "البقرة": وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ" .
    وقال تعالى في سورة "النساء:" أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا"
     أبطال هذه الحادثة، جماعة من اليهود، كانوا يسكنون في قرية ساحلية. وكان اليهود لا يعملون يوم السبت، وإنما يتفرغون فيه لعبادة الله. فقد فرض الله عليهم عدم الانشغال بأمور الدنيا يوم السبت بعد أن طلبوا منه سبحانه أن يخصص لهم يوما للراحة والعبادة، لا عمل فيه سوى التقرب لله بأنواع العبادة المختلفة.
     لقد ابتلاهم الله عز وجل، بأن جعل الحيتان تأتي يوم السبت للساحل، وتتراءى لأهل القرية، بحيث يسهل صيدها. ثم تبتعد بقية أيام الأسبوع. فانهارت عزائم فرقة من القوم، واحتالوا الحيل  كما هو طبع اليهود- وبدأوا بالصيد يوم السبت. لم يصطادوا السمك مباشرة، وإنما أقاموا الحواجز والحفر، فإذا قدمت الحيتان حاوطوها يوم السبت، ثم اصطادوها يوم الأحد. كان هذا الاحتيال بمثابة صيد، وهو محرّم عليهم.
    فانقسم أهل القرية لثلاث فرق. فرقة عاصية، تصطاد بالحيلة. وفرقة لا تعصي الله، وتقف موقفا إيجابيا مما يحدث، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحذّر المخالفين من غضب الله. وفرقة ثالثة، سلبية، لا تعصي الله لكنها لا تنهى عن المنكر.
وكانت الفرقة الثالثة، تتجادل مع الفرقة الناهية عن المنكر وتقول لهم: ما فائدة نصحكم لهؤلاء العصاة؟ إنهم لن يتوقفوا عن احتيالهم، وسيصبهم من الله عذاب أليم بسبب أفعالهم. فلا جدوى من تحذيرهم بعدما كتب الله عليهم الهلاك لانتهاكهم حرماته.
    لقد كان العذاب شديدا.  فمسخهم الله، وحوّلهم لقردة عقابا لهم لإمعانهم في المعصية.
   وتحكي بعض الروايات أن الناهين أصبحوا ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد. فتعجبوا وذهبوا لينظرون ما الأمر. فوجودا المعتدين وقد أصبحوا قردة. فعرفت القردة أنسابها من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابهم من القردة; فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ; فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم ثم ماتت بعد ثلاثة أيام. 
    وكما يقول د. ياسر برهامي تعليقا على هذه القصة:"هذه القصة وإن وقعت لأمة غير أمتنا فقد وقعت في جماعة من بني إسرائيل وإن لم يكن زمنها هو زمننا، إلا أننا نتعلم من قصص القرآن دائما كما ذكر الله عز وجل أنه عبرة لأصحاب العقول "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِي الأَلْبَابِ" [يوسف: 111]، فلا بد أن نتعلم، ونستفيد، ونطبق هذه القصص علي واقعنا وعلي حياتنا، وليس فقط أن نجعلها مجرد حكاية للتسلية.
    ذلك أن كثيراً من الناس قد يظن ما ذكره الله عن الماضيين أنه ليس لنا ويقول: وما لنا ولهؤلاء؟ وهذا باطل فإن أسلوب الصحابة رضي الله عنهم في القرآن وتطبيقه لم يكن أبداً كذلك فإنهم كانوا يرون أن ما خوطب به السابقون خطاب لنا كذلك.

     والحيتان هنا معناها السمك ، وهي كذلك في كلام العرب ، كل سمكة تسمي حوتا ، فكانت الأسماك تأتيهم يوم السبت في البحر شارعه زعانفها وخراطيمها في المياه ، تظهر نفسها ، والأسماك - قطعا- لا تدرك أيام الأسبوع ، ولكن قدر الله هذا الأمر العجيب ويوم لا يسبتون أى لا تأتيهم باقي أيام الأسبوع  ، لا يكون في البحر سمكة واحدة ، فسبحان الله! والتحايل علي شرع الله صفة من صفات اليهود ، ولكنها ورثت فيمن أشبههم ممن ينتسب إلي الإسلام وكما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: "لا تشبهوا باليهود فتستحلوا الله بأدنى الحيل".
  
     فاستحلال محارم الله بأدنى الحيل والتحايل على شرع الله سمة يهودية والعياذ بالله، وهناك من يفعلها من المسلمين، كمن يسمي الربا بغير اسمه ليضل الناس، كالاستثمار مثلاً، أو يسميه بالفائدة، أو عائداً أو نحو ذلك، وهو في الحقيقة ربا.

    ومن يتعامل مع الناس بالإقراض والزيادة عليه أو بالإقراض الذي تشترط فيه شروط معينة كبيع أو إجارة أو عقد آخر كما يصنع كثيراً من الناس، يقرضهم قرضاً للصرف على ما يحتاجون من أرض وغيرها بشرط أن يبيعوا له إنتاج أرضهم، وهذا للأسف كثير.
      أو مثل كثيراً من الناس الذين يتعاملون بأنواع من القروض بفائدة من البنوك أو صناديق الاستثمار أو رجال الأعمال وغيرها، كل ذلك من الربا المحرم، وإن سمي بغير اسمه، حتى ولو تبرع بفتوى باطلة بعض من ينتسب إلى أهل العلم، وهو ليس منهم وإن كان عند الناس يشار إليه بالبنان، فإن من أحل ما أجمع العلماء على تحريمه، وإن كان متأولاً ويزعم إنه مجتهد، فهو مبطل، لأن الاجتهاد لا يكون في الإجماع.
   
      ومن الحيل المنتشرة نكاح التحليل، الذي يطلق امرأته ثلاثاً ثم يتفق مع رجل يحلها له، يسمى في الشرع الإسلامي التيس المستعار، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله المحلل والمحلل له"، وذلك بأن يتفق مع رجل بأن يتزوج امرأته ويطؤها أو لا يطؤها، ثم يطلقها بعد يوم أو يومين، يزعم بذلك أنه يحله للأول، فهذا من التحايل على شرع الله، بل ذلك يبطل العقد الثاني، ولا يحلها للزوج الأول.
   
     وهناك أنواع من الحيل في البيوع، مثل بيع العينة وهو نوع من الربا لكن بحيلة على الربا، وذلك بأنه يقول لمن يريد أن يقترض منه مائة مثلاً والرجل لن يقرضه مائة إلا بمائة وعشرون، فيقول: اشترِ مني هذه السلعة بمائة، وهو يعرف ما سوف يتم، فيشتريها بمائة ويقبضها إياه، ثم يقول: أنا أشتريها منك بالتقسيط بمائة وعشرون، فرجعت له سلعته، وأصبح مديناً بمائة وعشرون، وهو قبض مائة فصارت المائة مائة وعشرون، ودخلت بينهما السلعة.
    
     وقريب جداً من هذا مسألة التورق وصورته لو أن رجلاً لا يجد من يقرضه فيشتري سلعة من السوق بالتقسيط بسعر مائة وعشرون، وهو يعلم أنها تساوي مائة، فيبيعها بمائة، وهذا التورق بيع عينة من ثلاثة أطراف.فالتعامل بالتقسيط بدون ضوابط شرعية يوقع الناس في الربا كثيراً والعياذ بالله بنوع من التحايل.
     فما يتم في المعارض مثلاً من أنهم يأتون بسلع لا يملكونها، ولا يشترونها، ولكن يقولون: نحن نحضر لك السلعة التي تريدها، وسندفع لك الثمن، وسدد لنا أنت بعد ذلك، فهذا الوسيط الذي لا يمتلك السلعة، ولكن يبيعها قبل تملكها وقبضها، والواجب أن يستلم السلعة وتقع في ضمانه، ثم يبيعها بعد ذلك، وله الحق في أن يربح، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، فأما أن يقول له اشترِ ما تريد، وأنا أسدده لك وأنت تسدد لي بعد ذلك، فهذا هو القرض الذي جرَّ نفعاً بلا شك وطالما أنه لم يحز السلعة ولم يمتلكها في يده، ويقبضها لا يجوز أن يربح فيها.

     وهذا نوع من التحايل على ما حرم الله عز وجل، لذلك أقول: الحذر واجب من التحايل على الشرع، خصوصاً في باب الربا، فإنه من أخطر الأبواب التي يقع فيها كثيراً من الناس من التحايل على شرع الله كما فعل اليهود في هذه القصة.

      ومن صور التحايل على الشرع قصة الممثلة صابرين حين أرادت أن تخلع الحجاب ولكنها أرادت تبرير ذلك والتحايل على شرع الله فلجأت إلى فتوى مكذوبة تقول أن الباروكة تحل محل الحجاب وقالت أنها ارتدت الباروكة فى المسلسل بدلا من الحجاب وهى بهذا قد فعلت تماما مثلما فعل بنو إسرائيل فى تحايلهم على الشرع لأنه فى كثير من الأحيان تكون الباروكة أجمل من الشعر الطبيعى فضلا عن أن ارتداء الباروكة محرم ولا يجوز ،فعن عائشة - رضي الله عنها -: أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ – تساقط - شَعَرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا فَسَأَلُوا النَّبِيَّ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ) متفق عليه). كان الأجدر بها أن تعترف بضعف نفسها واستجابتها لشياطين الإنس وتقول أنا نفسى ضعيفة تشتهى الأضواء والشهرة والأموال لذلك عدت إلى التمثيل بدلا من أن تبرر معصيتها تبريرا أحمق.
     مثل تلك البنت التى تبرر عدم ارتدائها للحجاب بأنها صغيرة أو تريد أن تتزوج أو أن الحجاب ليس فرضا.
  
     ما أعظم موقف امراة العزيز حين انكشف مخططها فى الكيد ليوسف عليه السلام فهى لم تبرر معصيتها ولم تدافع عن نفسها بل اعترفت بخطئها وندمت وقالت:"وما أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء" (يوسف:53)


     ومن صور تبرير المعصية قول المشركين أن الله أمرهم بالمعصية. قال تعالى:" وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون" الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة . وقال الحسن : هي الشرك والكفر . واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم ، وبأن الله أمرهم بها . وقال الحسن : والله أمرنا بها قالوا : لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه . قل إن الله لا يأمر بالفحشاء )الاعراف 28-30)

     وفى تفسير ابن كثير :كانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا اللّه فيها، وكانت قريشا  يطوفون في ثيابهم  وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من اللّه وشرعه، فأنكر اللّه تعالى عليهم ذلك فقال: { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} ، فقال تعالى رداً عليهم: { قل} أي يا محمد لمن ادعى ذلك { إن اللّه لا يأمر بالفحشاء} أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة واللّه لا يأمر بمثل ذلك، {أتقولون على اللّه ما لا تعلمون} ؟ أي أتسندون إلى اللّه من الأقوال ما لا تعلمون صحته، وقوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط} أي بالعدل والاستقامة. مثل الراقصة التى تقول: ربنا وفقنى فى الرقصة.

فيا من تبرر معصيتك وتتحايل على شرع الله هل تخدع الله أم تخدع نفسك؟



نرمين كحيلة