الأحد، 5 أغسطس 2012

وطن نظيف




   كنت بصحبة صديقة ألمانية جاءت لزيارة مصر وكنا فى وسيلة مواصلات فقالت لى إحدى الراكبات:خذى هذه الورقة وألقِها من النافذة التى بجوارك فأخذتها وأغلقت عليها قبضة يدى ولم ألقِها فتعجبت السيدة وسألتنى:لماذا لم تلقِها؟ فقلت:لأنى لا أريد أن يظهر الشعب المصرى بأسوب غير حضارى أمام الأجانب. فأخذت منى الورقة وألقتها هى فقالت لى صديقتى:لو حدث عندنا فى ألمانيا أن ألقى شخص بورقة على الأرض لدفع غرامة ، فأريتها حقيبتى التى اكتظت بالمخلفات حرصا منى على نظافة الشارع وقلت لها:أنا أحتفظ بها حتى أعود للبيت فأرميها.

    وذات يوم سمعت رجلا يقول لابنه الصغير الذى ذهب ليغلق غطاء صندوق القمامة: لا تفعل فليس لك شأن دعها مفتوحة. فتعجبت لسلوك الأب الذى يعلم ابنه السلبية فقلت له:يا رجل إن ابنك إيجابى فلماذا تعلمه السلبية؟ فقال:اذهب يا بنى وأغلق الصندوق حتى لا تغضب هذه المرأة. وتذكرت سلوكيات كثيرة نفعلها مثل إلقاء أكياس القمامة فى الشارع على بعد خطوات من صندوق القمامة وقارنت بين هذه السلوكيات المرفوضة شرعا وبين ما حكاه رجل سافر إلى أوروبا فأكل شيئا ثم ألقى غلافه فى الشارع فإذا برجل يتلقفها ويعيدها إليه ويقول:عندما تعود إلى بلدك ألقها هناك.
 
    وإن أشد ما يسوؤنى هو منظر القمامة فى كل مكان والتى بدأت كمياتها تتزايد يوما بعد يوم على الرغم مما جاء به الإسلام من الوعيد الشديد على من ينتهك حقوق الطريق ويجعلها موطناً للقاذورات والفضلات ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : "اتقوا اللاعنين ، قالوا : وما اللاعنان يا رسول الله ؟ ، قال : الذي يتخلّى في طريق الناس أو ظلهم" والمقصود أنه مستحقّ لغضب الله تعالى وذمّ الناس لإفساده الطريق وحرمانه لهم من التمتّع في أماكن مواطن الراحة كظلّ الأشجار ونحوها .


    وفي رواية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: "مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق (وسط الطريق) ، فقال : والله لأنحّين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم ، فأدخل الجنة" رواه مسلم .

   في هذا الحديث يحكي لنا النبي – صلى الله عليه وسلم – قصّة أحد الناس الذين تملّكهم الحرص على الآخرين ، فبينما هو يمشي في بعض حاجته ، أبصر في وسط الطريق غصن شجر مليء بالأشواك ، فاستوقفه ذلك ، ثم فكّر في الأذى الذي قد يسبّبه وجود مثل هذا الغصن على الناس ودوابّهم ، فقال في نفسه : " والله لأنحّين هذا عن المسلمين كى لا يؤذيهم " ، وبكل رجاء أردف قائلا : " لعل الله عز وجل يغفر لي به "  
    عملٌ قليلٌ في نظر الناس ، قد لا يُكلّف من الجُهد أو الوقت شيئاً ، لكنّ الله تعالى بواسع رحمته وعظيم كرمه جعل ما فعله سبباً في مغفرة ذنوبه ودخول الجنة ، استحقه بنيّته الحسنة ، ولولا فضل الله ما أُثيب .

    ومن القضايا التي جاء بها الحديث إعطاء الطريق نوعاً من الحقوق والدعوة إلى العمل بها ، فإن طرق الناس ملك للجميع ومسؤوليّتها مشتركة بين جميع أفراد المجتمع ، وهذه سابقةٌ حضاريّة تعكس اهتمام الإسلام بحماية الممتلكات العامّة ونظافتها ورعايتها ، على أساسٍ من الوازع الديني .

    ومن مظاهر اهتمام الإسلام بهذا الجانب الهام ، بيان فضائل هذا السلوك الراقي من خلال عدد من الأحاديث ، فقد جاءت البشارة بالمغفرة والجنّة في سياق القصّة ، إضافةً إلى أحاديث أخرى تجعل هذا الفعل من جملة الأعمال الصالحة التي تدلّ على إيمان صاحبها ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال :"الإيمان بضع وسبعون شعبة ، فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (رواه مسلم) ، وكذلك جعل الإسلام ذلك الفعل باباً عظيماً من أبواب الصدقة ، فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال : "كل سلامىأي مفصل - من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس : - ثم ذكر جملةً من الأعمال وفيها : - ويميط الأذى عن الطريق صدقة" (رواه البخاري).
    وهى بذلك عبادة أفضل من صلاة وصوم التطوع وهى صدقة يغفلها كثيرون رغم سهولتها. والغريب أن هناك من يحمل الرئيس مرسى المسؤولية كاملة عن تفشى ظاهرة القمامة فى الشوارع فهل الرئيس مرسى هو من يلقى القمامة فى طريق الناس؟ لا بد أن نتعاون جميعا حاكم ومحكوم فى القضاء على هذه الظاهرة ولا نلقى بالتبعة كلها على شخص واحد؟ فعندما طلب الناس من ذى القرنين أن يبنى بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدًا قال لهم:"  ... ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما )"( الكهف:95)

   يقول تعالى: قال ذو القرنين : الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السد بينكم وبين هؤلاء القوم ربي ، فقواني عليه ، خير من جعلكم ، والأجرة التي تعرضونها علي لبناء ذلك ، وأكثر وأطيب ، ولكن أعينوني منكم بقوة ، أعينوني بفعلة وصناع يحسنون البناء والعمل . يعنى لم يعتمد الناس على ذى القرنين وحده بل ساعدوه بكل ما أوتوا من قوة.

    لكن تلك الصدقات البسيطة لم تجد بيننا إلا تطبيقا بسيطا لها، بل إننا نجد من سلوكيات البعض من ساكني المدن الحديثة خاصة إعراضا عن القيام بصدقة واحدة منها كـ (إماطة الأذى عن الطريق)، فتحول الأذى في طرقاتنا إلى كارثة، لا.. ليس طرقاتنا فقط ، بل وحتى سلالم عماراتنا التي أصبحت مرتعا للأذى تعبث به الكلاب والقطط الضالة.

   وتلوث تلك الفضلات كل شئ والطرقات والحدائق والمتنزهات ومجاري المياه.
وتتسبب تلك الفضلات في العديد من المشكلات المتعلقة بالأمان والصحة العامة حيث تمثل مرتعا خصبا للحشرات والقوارض الضارة إضافة إلى تسببها في التلوث البصري ونتن الرائحة وتلوث التربة ومصادر مياه الشرب وسد المجاري المائية ؛ مما يتسبب في أذى الإنسان والحيوان والنبات.

    وتتمثل خطورة كثير من تلك الفضلات إذا لم تكن قابلة لإعادة الاستخدام أو إعادة التدوير في أنها لا تتحلل بسهولة في التربة، فالكرتون المغلف بالبلاستيك يستغرق خمس سنوات ليتحلل، أما الأحذية الجلدية فتحتاج من 25 إلى 40 عاما، والنايلون من 30 إلى 40 عاما، والعلب القصدير من 50 إلى 100 عام، والألمنيوم من 80 إلى 100 عام، أما الحلقات البلاستيكية سداسية الطبقات فتحتاج إلى 450 عاما، أما الزجاج فيحتاج إلى مليون عام، بينما الزجاجات البلاستيكية تبقى إلى الأبد.

   من كل ما سبق نتبين معنى قول الحق: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.. (الروم:41). ومعنى وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لتلك الفضلات بالأذى ، وحكمة أن يكون سلوك الإماطة عن الطريق (صدقة)

    ولا أدري في الحقيقة كيف يمكن أن نصف سلوك الناس أهو ناتج عن اللامبالاة؟ أم عن ضعف الوازع الديني؟ واكتفاء خطباء المساجد بأن يدعوهم إلى الإكثار من العبادات ، والصمت عن دعوتهم إلى الكف عن الإفساد في الأرض ، وعن دعوتهم إلى إصلاح ما أفسدوه وما يستمرون في إفساده إذا أرادوا توبة وقربا حقيقيا من الله؟

   فمن منا يأخذ نية فى هذا الشهر الكريم هو وأولاده أن يميط أذى واحدًا عن الطريق كل يوم، ويدعو شخصًا واحدًا إلى تلك الفضيلة ؟

   إن هذ الصدقات التي ذكرها لنا الحديث الشريف وغيرها مما جاءت بها نصوص الشرع الحنيف تعظم نتائجها إذا تحولت من مجرد سلوك فردي (مندوب) ، إلى حركات ومؤسسات ترى في ذلك المندوب واجبا كفائيا على أقل تقدير في ظل تعاظم المشكلات الناتجة عن اتكال الناس على أن الأمر لا يعدو أن يكون فضلا لا إلزام فيه ، والناتجة عن اعتماد الجميع على الجميع حتى تحولت شوارعنا إلى مجمعات للأذى.

نرمين كحيلة

الثلاثاء، 24 يوليو 2012

العبادة المفرحة



    يتصور البعض أن العبادة فى الإسلام شاقة وثقيلة لذلك يعزفون عنها والبعض الآخر يؤديها كواجب ثقيل لا بد من تأديته.. لكنى كلما قرأت آية قرآنية أو حديث شريف وجدت العبادة موصوفة للمؤمنين بأنها مريحة و مفرحة ومطمئنة للقلوب الحزينة فكيف ذلك؟ إذا ضاقت نفسك يوما بالحياة فما عدت تطيق آلامها و قسوتها... إذا تملكك الضجر واليأس و أحسست بالحاجة إلى الشكوى فلم تجد من تشكو له فتذكر أن لك رباً رحيماً يسمع شكواك و يجيب دعواك فتذكر قول النبى صلى الله عليه الله و سلم ":أرحنا بها يا بلال" لا حظ كلمة "أرحنا" أى الراحة بعد التعب. وهى قرة عين النبى صلى الله عليه وآله و سلم فكان يقول":وجعلت قرة عينى فى الصلاة" .. قال تعالى:
 "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). الرعد (28-فقد روى أبو داود عنْ حْذَيْفَةَ قالَ : "كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلّى" أى إذا شغله أو أهمه أمر صلى وذلك - كما يشير "فارس علوان" فى كتابه عن الصلاة  "الصلاة تضفى على المسلم ، أمن واستقرار نفسي وتوازن عصبي ، وانسجام عقلي ، كلها ممزوجة براحة الضمير ، وشعور بالسعادة ، وإشباع في العاطفة ، ولذة في الروح لا تعادلها لذة ، هذه المعاني السامية ، يحسبها غير المصلي هراء ، ويعدها معاني جوفاء ، فيبقى محروما منها ، مهما أوتي من مال أو علم أو ترف . وفي الصلاة وقاية ولذة لا يشعر بها إلا من أخلص وجه لله ، ومتعة لا يتذوقها إلا من استقرت حلاوة الإيمان في قلبه ، وراحة نفسية ، قلما توجد إلا عند من خضعت جبهته ذليلة ساجدة لله  ".فلا يمكن أبدا لإنسان قريب من الله أن يصاب باكتئاب أو أى مرض نفسى.
    ويشير "محمد نجاتي" - في كتابه الحديث وعلم النفس - إلى أثر الصلاة في جانبها النفسي فيقول : " للصلاة تأثير فعَّال في علاج الإنسان من الهم والقلق ، فوقوف الإنسان في الصلاة أمام ربه ، في خشوع واستسلام ، وفي تجرد كامل عن مشاغل الحياة ومشكلاتها ، إنما يبعث في نفس الإنسان الهدوء والسكينة والاطمئنان ، ويقضي على القلق وتوتر الأعصاب ، الذي أحدثته ضغوط الحياة ومشكلاتها .. ، وتؤثر الطاقة الروحية التي تطلقها الصلاة .. فتبعث في النفس الأمل ، وتقوي فيها العزم ، وتُعلي فيها الهمة ، وتطلق فيها قدرات هائلة ، تجعلها أكثر استعدادا لقبول العلم والمعرفة والحكمة .. ، وللصلاة تأثير هام في علاج الشعور بالذنب الذي يسبب القلق ، والذي يعتبر الأصل الذي ينشأ عنه المرض النفسي .. ، وعلى الجملة فإن للصلاة فوائد عظيمة كثيرة ، فهي تبعث في النفس الهدوء والطمأنينة ، وتقضي على الخوف والقلق ، وتمد الإنسان بطاقة روحية هائلة ، تساعد على شفائه من أمراضه البدنية ، والنفسية ، وتزوده بالحيوية والنشاط ، وبقدرة كبيرة تمكنه من القيام بجليل الأعمال ، وتنور القلب وتهيئه لتلقي النفحات الإلهية " .
ويؤكد ذلك "فارس علوان" بقوله : " إنها في الحقيقة معانٍ وأحاسيس وقفها الله عز وجل على من أراد له الخير وخصه بالفضل ..، وهذه النفحات الطيبة ، تقي المسلم بإذن الله من معظم الأمراض النفسية ، والعلل العصبية ، والآفات العقلية ، كالقلق النفسي ، و الاكتئاب ، والخوف المرضي (الفوبيا) ، والهستيريا ، والبارانويا ، والفصام وغيرها ...    إن الطمأنينة النفسية والسكينة الروحية ، وشعور الأمن والاستقرار التي تضفيها الصلاة في قلوب التُّقاة وألباب الخاشعين، تجعل الأمراض النفسية ، والغضب والحزن والوحدة القاتلة ، والأمراض العقلية ، كالخرف وغيره ، نادرة الحدوث في مجتمع المصلين" قال تعالى : " وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ" (البقرة:45)
والدليل على ذلك عند الشعور بالخوف يأمرك الله بأن تصلى صلاة الخوف ليزول خوفك وهلعك وعندما تحتاج لشئ سواء فى حوزة البشر أو حوزة الخالق تصلى صلاة قضاء الحاجة وعندما تكون سعيدا بعطية الله تصلى صلاة الشكر وعندما تكون مخيرا بين شيئين ولديك حيرة فى الاختيار تصلى صلاة الاستخارة ....إلخ. أما الكافر أو المنافق فإنه يشعر بثقل العبادات ولا يرى فيها إلا التعب والمشقة يقول تعالى: "وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ "(التوبة54)
    ويقول "مختار سالم" فى كتابه:"الصلاة رياضة النفس والجسد" هناك علاقة بيولوجية بين مواعيد الصلاة ودرجة الطاقة الحيوية للجسم ولقد حاول العلماء عمل تحليل حركى للصلاة لمعرفة العمل العضلى وأهم التأثيرات الفسيولوجية لكل حركة وكذلك الوضوء.
     ولنا أن نعرف أن الله غنى عن عبادتنا فلن يزيد ملكه شئيا أو ينقص بعباداتنا له ولكن العباد هم الذين يحتاجون للعبادة.
   أما الصيام فقد أخبرنا ربنا جل وعلا أنه مصدر الفرح لنا وليست فرحة واحدة بل فرحتين قال صلى الله عليه وسلم (( للصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه )) جزء من حديث رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه .

قال القرطبي : معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر ، فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح ، فإذا امتنعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر ، فرحت بإباحة ما منعت منه ، خصوصا عند اشتداد الحاجة إليه ، فإن النفوس تفرح بذلك طبعا.


‏قوله : "وإذا لقي ربه فرح بصومه" ‏أي بجزائه وثوابه  فيما يجده عند الله من ثواب الصيام مدّخرا ، فيجده أحوج ما كان إليه ، كما قال تعالى (( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا )) وقال تعالى :" يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا  ".
قال سفيان بن عيينة : "إن ثواب الصيام لا يأخذه الغرماء في المظالم ، بل يدّخره الله عنده للصائم حتى يدخله به الجنة" .
  
    وفى كتاب "بغية الإنسان في وظائف رمضان" لابن رجب الحنبلي يقول:ولم لا يفرح الصائم بطاعة ربه؟! ..لم لا يفرح الصائم وهو يتقرب إلى الله بركن من أركان الإسلام .. وقد أعانه الله عليه حين حرم منه آخرون إما لعذر أو ضلال.؟! لم لا يفرح الصائم وثواب الصوم لا يعلمه إلا الله ..

   إن للصائم فرحتين: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه أما فرحه عند فطره فيفرح بما أنعم الله عليه من القيام بعبادة الصيام الذي هو من أفضل الأعمال الصالحة, وكم من أناس حرموه فلم يصوموا, ويفرح بما أباح الله له من الطعام والشراب والنكاح الذي كان مُحَرَّما عليه حال الصوم . وأما فرحه عند لقاء ربه فيفرح بصومه حين يجد جزاءه عند الله - تعالى- مُوَفَّرا كاملا في وقت هو أحوج ما يكون إليه حين يقال: أين الصائمون ليدخلوا الجنة من باب الريَّان الذي لا يدخله أحد غيرهم؟

 
يقول د. رياض المسيميري ا يعني قوله – عليه الصلاة والسلام- فيما رواه مسلم وغيره:"للصائم فرحتان" أن الصائم لا يتمتع بسوى هاتين الفرحتين المذكورتين في الحديث الشريف، كلا، ولكنهما فرحتان إضافيتان لا يظفر بهما غيره من الناس!.

أما أولى الفرحتين: فهي فرحة تصاحبه كل ليلة، كلما غربت شمس يوم رمضاني كريم، وامتدت يده إلى تمراته ومائه البارد، يسدُّ بهنّ جوعته، ويطفئ حر ظمئه!
ولم لا يفرح، وقد بذل وسعه في إرضاء ربه، ومنع نفسه حظها من الطعام والشراب؛ أملاً فيما عند الله من النعيم المقيم، والمتاع الحسن!.
إنها فرحة الاستعلاء فوق ضرورات الجسد، وأنماط الحياة الرتيبة.
إنها أفراح الروح تنتشي طرباً، وتهتز فرحاً بحلول شهر الصيام والصبر الجميل، فرحة الصائم بفطره ليست لكسر سطوة الجوع، وإبراد لهيب الظمأ، فتلك فرحة تشاركه فيها الهوام والأنعام، ولكنها فرحة الانتصار على كيد الشيطان وهوى النفس ومطارق الشهوة وسُعارها.
فرحة الإذعان والاستسلام لأمر الجبار جل وعز حين أمر بترك الطعام فتُرك، وهجر الشراب فهُجر.

وأما الفرحة الثانية: فهي فرحة ذات مذاق خاص، فرحة لقاء الحبيب حبيبه، والصائم ربَّه الذي أعانه على الصيام ووفّقه إليه، ووعده بحسن الثواب وادخره له.
فرحة أنست كل الآلام والأحزان الغابرة، فقد غلبت هذه الفرحة ورجحت وحُقّ لها، وحُقّ لصاحبها أن يبتهج بها. فلطالما حفظ جوارحه عن المحرم والممنوع، وصان لسانه عن السافل والقبيح، فلم يكن صيامه صيام المحرومين، الذين حُرموا الطعام والشراب، وحرموا الأجر والثواب كذلك، يوم انتهكوا حرمة الشهر بكل ساقط من القول، وشائن من الفعل والسلوك.

   فما أحرى كل صائم إذاً أن يستشعر حقيقة الصيام، ويعي مراميه العظام، فيوطن نفسه على صون صيامه من قول الزور والعمل به ، ليحظى بالفرحتين كلتيهما، وتقر عيناه حقاً بكل ما أعده الله للصائمين الصادقين.

   فإن أبى إلا أن يطلق لناظريه العنان ليطالعا كل قبيح تبثه وسائل الإعلام، أو تعرضه المتبرجات في شوارع المسلمين، أو يرخي سمعه لمزامير الشيطان، وأصوات الطرب والغناء، ثم هو مع كل هذا فاحش اللسان بذيئه، فليعلم إنسان كهذا أن فرحه بفطره هو فرحة الأنعام بهبوطها المرعى، ونشوة الأُسْد بالتهام فريسة كلَّت قدماها عن الفرار.

   فيا أيها الصائم افرح بصومك واهنأ بمنحة ربك فقد اختارك لتكون من الفرحين المحظوظين برضا ربهم.


نرمين كحيلة


















الأربعاء، 27 يونيو 2012

الشعب يريد رئيس أمور


   أتعجب حقا لمن ينتقدون الرئيس محمد مرسى من أجل أن شكله لا يعجبهم وأنه غير وسيم مما حدا ببعض الصحفيين وصفه بأنه ليس حسين فهمى أو رشدى أباظة ولذلك لا  يحق له أن يضع صورته فى أية مصلحة حكومية فهل هذا منطق؟
   قالت لى  إحدى قريباتى فى تبريرها لاختيارها لشفيق بدلا من مرسى أنها تفضل شفيق لأنه وسيم وأنيق وابن ناس أما مرسى ففلاح.. للأسف هذا منطق كثير من الناس رغم تفاهته وسطحيته.   
   ماذا سيستفيد الناس لو أن رئيسهم أجمل رجل فى العالم ولكنه لا يفهم شيئا وأودى بمصر إلى الهاوية ؟ فربما الدكتور مرسى عند الله أعز وأكرم وأنفع للأمة من حسين فهمى ورشدى أباظة اللذان كانا كان يشربان الخمر ويصاحبان النساء فبئس التشبيه.
    قَالَ رَسُولُ الَّهِ صَلَّى الَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"إِنَّ الَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ".
   قال ابن القيم في روضة المحبين : إن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه وهذا أمر مشهود بالعيان فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل.

     عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم   -: (مم تضحكون؟) ، قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُد)  رواه أحمد (.

يجتني سواكاً: يقطف السواك  ، الأراك: من شجر البوادي ويُصنع منها السواك ، تكفؤه: أي تحرّكه يميناً وشمالاً حموشة ساقيه: دقّة الساقين..أى أن الصحابة رضوان الله عليهم لما رأوا نحافة ساقى عبد الله بن مسعود ضحكوا فغضب النبى صلى الله عليه وسلم وقال لهم:إن هذه الساق التى تضحكون منها هى أثقل عند الله من جبل. أحد أى أن عبد الله هذا الذى لا يعجبكم شكله ربما يكون عند الله أفضل منكم جميعا.

   وهل يُقاس الناس بأشكالهم وألوانهم؟! وهل يضرّ عبد الله رضي الله عنه ضعفه ونحوله؟!! لا والله؛ فإن لصاحب تلك الساقين فضائل تُثقل الميزان، وأعمالاً تُقرّ العين، ومزايا تُبهر الألباب، جامعاً في ذلك بين جمال السيرة ونقاء السريرة.

   وسيدنا موسى عليه السلام كان أسمر البشرة أجعد الشعر ولكن الله اصطفاه وفضله على بنى إسرائيل بالنبوة ووضع عليه محبة منه حتى أحبه كل من رآه.
  الشكل ليس له قيمة لأن ملامحنا جميعا ستفنى فى التراب فكلنا بعد الموت هياكل عظمية لا يستطيع أحد ان يفرق بينها ولكن العمل هو ما سيبقى.
   وكذلك حين فتح المسلمون فارس وطلب كسرى منهم أن يفوضوا رجلا للتحدث باسمهم فاختاروا رجلا أسود فتعجب كسرى وقال:أما وجدتم غير هذا الأسود كى يتحدث عنكم ؟ فقالوا له إنه أفضلنا فتعجب كسرى.
عن عائشة رضى الله عنها قالت : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفية أنها كذا وكذا -تعني أنها قصيرة- فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته.
    وهذا يذكرنا بموقف أبى ذر الغفارى حين كان فى مجلس ومعه بعض الصحابة فقدم اقتراحا لم يعجب بلالا فقال أبو ذر لبلال رضى الله عنهما:حتى أنت يا ابن السوداء تخطئنى؟ ولما بلغ الأمر الرسول صلى الله عليه وسلم تغير وجهه وقال:"أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية" فبكى أبو ذر رضي الله عنه.. وأتى الرسول عليه الصلاة والسلام وجلس .. وقال يارسول
الله استغفر لي .. سل الله لي المغفرة
ثم خرج باكيا من المسجد ..

   وأقبل بلال ماشيا ..فطرح أبو ذر رأسه في طريق بلال ووضع خده على التراب ..وقال :والله يابلال لا ارفع خدي عن التراب حتى تطأه برجلك .. أنت الكريم وأنا المهان ..!!فأخذ بلال يبكي .. وأقترب وقبَّل ذلك الخد ثم قاما وتعانقا وتباكيا .

    والمفهوم من القصة أن أبا ذر رضى الله عنه تصور أن سواد بشرة بلال رضى الله عنه سوف يمنعه من التفكير الصحيح وهذا هو نفس التفكير المريض لدى البعض الآن فما علاقة الشكل الخارجى بالعقل؟ وهذا هو ما يؤكده المثل الشعبى الدارج:"لا تأخد من الأصلع لا رأى ولا نصيحة لو كان الله يحبه  لجعل رأسه صحيحة"
    أتعجب من أننا مازلنا نعيش عصر الجاهلية الفكرية حتى بين النخبة أو الصفوة كما يسمون أنفسهم وهذا نتاج طبيعى للإعلام الفاسد الذى ركز انتباهنا طوال السنوات الماضية على مسابقة ملكات الجمال ، وأجمل طفل فى العالم ، فعمل جاهدا على تسطيح فكر المجتمع وتوجيهه لجمال الصورة والصوت بصرف النظر عن جمال الطباع والأخلاق.
   لو يعلم من يسخرون ويتغامزون ويلمزون سواء فى الصحف أو الإعلام أن الله عز وجل توعدهم بالويل والثبور فى سورة الهمزة :"ويل لكل همزة لمزة...."


    احترموا كلمتكم أيها الإعلاميون حتى لا تكون دليلا ضدكم يوم القيامة.

نرمين كحيلة

الثلاثاء، 26 يونيو 2012

تعالوا نبنى مصر



     لا شك أن فوز الدكتور محمد مرسى بمنصب الرئيس جاء على غير هوى البعض ممن كانوا يرفضون الإخوان ويشككون فى وطنيتهم وإنى أوجه سؤالا لهؤلاء: لماذا تريدون شخصنة مصر ؟ من كان يعبد شفيق فإن شفيقا قد خسر ورحل ومن كان يحب مصر فليتعاون مع رئيسها الشرعى المنتخب من أجل رفعتها وتقدمها..لا بد أن يعلم هؤلاء أن الأشخاص زائلون ومصر باقية ، فالثورة وسيلة وليست غاية ، الثائر الحق هو من يثور لنصرة الحق ثم يهدأ ليبنى الأمجاد..يجب أن تكون الثورة استثناء وليست قاعدة.
    من يرى المشهد السياسى الآن يجد أن الشعب المصرى انقسم إلى فريقين:الفريق المهزوم يعادى الفريق المنتصر وكأن عدوى التعصب الأعمى فى مباريات كرة القدم انتقلت إلى السياسة ، فقد سمعت سيدة فى إحدى البرامج التليفزيونية فى مداخلة هاتفية تقول بامتعاض:هل الذين انتخبوا شفيق يضربون رؤوسهم فى الحائط؟ فقالت لها المذيعة:"وما يرضيكِ؟"فقالت:"والله لا أرضى أبدا وسأظل غير راضية لمدة أربع سنوات قادمة"  وتلك السيدة التى مزقت ملابسها ومرغت أنفها فى التراب حزنا على خسارة شفيق والسيدة التى اتهمت شعب مصر اتهامات غير لائقة ،  وهناك من قال أنه ينوى أن يثور على الرئيس الجديد.. فلماذا لا نعطيه فرصة ونرى ؟ لماذا نبيت النية للثورة وللرفض قبل أن نرى ، تعالوا وضعوا أيديكم فى أيدينا لنبنى مصر فلا مجال للفرقة الأن.
     إذا نظرنا إلى التاريخ فسنجد أن هناك قادة عظماء مثل صلاح الدين الايوبى تم رفضهم لأسباب غير منطقية ثم أثبتوا بعد ذلك أنهم عظماء فبعد موت (شيركوه) في مارس سنة 1169م، اختار الخليفة الفاطمي صلاح الدين وزيرًا له بدلاً من عمه وهو في الحادية والثلاثين من عمره وكانت هناك اعتراضات كثيرة على توليته هذا المنصب منها صغر سنه لأن كثيرين كانوا يرون أن هناك من هو أحق منه سنا وخبرة ولكن صلاح الدين استطاع ان يثبت للجميع أنه كفء لهذا المنصب.
    وبنفس المنطق الخاطئ لما بعث الله سبحانه وتعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كفرت به بعض القبائل هل تعرفون لماذا؟ تصوروا أنهم كفروا به لمجرد انتمائه لقريش؟ كانوا يريدون النبى أن يكون من قبيلة أخرى حتى ينالوا شرف النبوة يعنى كفروا بأفضل خلق الله لمجرد انتمائه لقبيلة معينة فهل هذا يعقل؟ وقالوا ألم يجد ربك غيرك ليرسله؟ يحكى أن رجلا من ربيعة ، دخل الاسلام حديثا ، جاء إلى اليمامة - بلاد مسيلمة - فسأل عنه حتى رآه، فقال له يا مسيلمه من يأ تيك ؟ قال رحمن . قال أفي نور أم ظلمة؟ فقال في ظلمة . فقال له : «أشهد أنك كذاب ، وأن محمدا صادق ، ولكن كذاب ربيعة، أحب إلينا من صادق مضر» . فلزم الرجل مسيلمة ، حتى قتل معه في يوم من أيام حروب الردة .

أي أن هذا الرجل الشقي خسر دنياه وخسر آخرته ، رضوخا لتعصبه القبلي ، رغم قناعته بأن محمدا رسول من الله ، وأنه صادق في نبوته، في حين أن مسيلمة كان كذابا ومدعيا .
أستندت على هذه القصة التاريخية لأسأل :

ألسنا في بعض الأحيان نتعصب في الرأي لشخص تربطنا به صداقة أو مصالح ضد شخص
آخر رغم أن هذا الآخر على حق وصديقنا على باطل

هل مازلنا نحتفظ ببعض من العصبية القبلية في صداقاتنا والدفاع عن أصدقاءنا

رغم أنهم مخطئين
؟ وكذلك اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لمجرد أنه من العرب وكانوا يريدونه من بينهم..وكذلك الكفار لم يرضوا بأنبيائهم أنهم بشر وليسوا ملائكة وقال لهم الله "ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا" يعنى رفضوا الحق والخير لأنه أتى على يد رجل وليس ملاكا ، بينما لو فكروا قليلا لوجدوا أن المهم هو ماذا يقدم لهم وليس من يقدمه لهم.
    وعلينا الآن أن نعمل بالحديث الشريف:عن ‏قتيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الليث ‏ ‏عن ‏ ‏عبيد الله بن عمر ‏ ‏عن ‏ ‏نافع ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عمر ‏ ‏قال " ‏ ‏السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة ‏
وفى تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي قَوْلُهُ :  (السَّمْعُ)  
‏الْأَوْلَى الْأَمْرُ بِإِجَابَةِ أَقْوَالِهِمْ ‏
‏ (وَالطَّاعَةُ )
‏لِأَوَامِرِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ ‏
‏( عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ ) ‏
‏أَيْ حَقٌّ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ ‏
‏( فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ ) ‏
‏أَيْ فِيمَا وَافَقَ غَرَضَهُ أَوْ خَالَفَهُ‏( مَا لَمْ يُؤْمَرْ ) ‏
‏أَيْ الْمُسْلِمُ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ ‏
‏( بِمَعْصِيَةٍ ) ‏
‏أَيْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ‏
‏( فَإِنْ أُمِرَ ) ‏
‏بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ‏
‏( فَلَا سَمِعَ عَلَيْهِ وَلَا طَاعَةَ ) ‏ تَجِبُ بَلْ يَحْرُمُ إِذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ . وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَمَرَ بِمَنْدُوبٍ أَوْ مُبَاحٍ وَجَبَ . قَالَ الْمُظْهِرُ : يَعْنِي سَمَاعُ كَلَامِ الْحَاكِمِ وَطَاعَتُهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَوَاءٌ أَمَرَهُ بِمَا يُوَافِقُ طَبْعَهُ أَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَأْمُرَهُ بِمَعْصِيَةٍ , فَإِنْ أَمَرَهُ بِهَا فَلَا تَجُوزُ طَاعَتُهُ .

‏وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ , كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ . ‏

قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) فلا بد من ولي أمر ولا بد من طاعته والا فسد الناس.
نرمين كحيلة


الأحد، 10 يونيو 2012

الخوف من الحرية




    هل يتصور أحد أن هناك من يخشى الحرية ويغلق دونها باب قلبه؟ للأسف كثرٌ هُم من يخافون من الحرية ويحذرونها وذلك لأنها تضعهم وجها لوجه أمام اتخذا القرار وتحديد المصير .. فللحرية ضريبة وليس كل البشر قادرين على تحمل تلك الضرائب والتكاليف .. هذه الضريبة هى تحمل المسؤولية ولنبدأ منذ بدأ الخليقة حين عرض الله الحرية على السموات والأرض والجبال فرفضت ؛ أى عرض علي هذه المخلوقات أن أن تكون مخيرة وليست مسيرة ثم يجازيها على أفعالها سواء بالخير أو بالشر.
قال تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا"(الأحزاب:72)
   فأبين أن يحملنها وأشفقن منها :أي : خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب وحملها الإنسان:  يعني : آدم عليه السلام ، فقال الله لآدم : إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها ؟ قال : يا رب وما فيها ؟ قال إن أحسنت جوزيت ، وإن أسأت عوقبت ، فتحملها آدم .

قال مجاهد : فما كان بين أن تحمَّلها وبين أن خرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر..
    وحكى" النقَّاش" بإسناده عن ابن مسعود أنه قال : مثلت الأمانة كصخرة ملقاة ، ودعيت السماوات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها ، وقالوا : لا نطيق حملها ، وجاء آدم من غير أن يدعى ، وحرك الصخرة ، وقال : لو أمرت بحملها لحملتها ، فقلن له : احملها ، فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها ، وقال والله لو أردت أن أزداد لزدت ، فقلن له : احملها فحملها إلى حقوه ، ثم وضعها ، وقال : والله لو أردت أن أزداد لزدت ، فقلن له احمل فحملها حتى وضعها على عاتقه ، فأراد أن يضعها فقال الله : مكانك فإنها في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة . إنه كان ظلوما جهولا: قال ابن عباس : ظلوما لنفسه جهولا بأمر الله وما احتمل من الأمانة . أى أن آدم لم يكن يعرف حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه حين وافق على حملها لكنه تبين له بعد ذلك ثقلها.  ومن هنا فقد خشى كثير من ذريته من تحمل المسؤولية.

      والحرية كما يطلق عليها الأديب الأيرلندى :جورج برنارد شو" هى مرادف للمسؤولية ولذلك يفزع منها معظم الناس.

     وتتفاقم مشكلة الخوف من الحرية مع من ظلوا فترة طويلة فى الرق أو الأسر أو الاستعباد حيث يعتادون حياة العبودية ولا يجدون أنفسهم قادرين بعد ذلك على التصرف كأحرار حتى لو أتيحت لهم فرصة التحرر ، وليس هناك أدل على ذلك من ذهاب كثير من العبيد الذين حررهم "أبراهام لينكولن" – محرر العبيد فى أمريكا – إلى ساداتهم طالبين الرق رافضين حياة الحرية.
    ويروى لنا التاريخ أن النعمان بن المنذر حليف كسرى أنو شروان الملك الفارسى أرسل حملة إلى عرب بنى تميم لتأديبهم لامتناعهم عن دفع الإتاوة فهاجمهم وهزمهم واستولى على ممتلكاتهم وأموالهم وسبى نساءهم.
   
   فقرر سادات بنى تميم واشرافها أن يسيروا إلى النعمان فى الحيرة ليكلموه فى إطلاق سراح سباياه من نساء بنى تميم ولما قابلوه جعل الخيار فى ذلك للنساء فمن أرادت زوجها ردت إليه ومن أرادت البقاء مع سابيها بقيت معه فى الحيرة وفضلت كثيرات البقاء فى السبى ولما جاء دور ابنة قيس بن عاصم أحد كبار أشراف بنى تميم اختارت سابيها على زوجها ورفضت الرجوع مع أهلها فصدم أبوها صدمة شديدة ، واغتم زوجها وشعر الاثنان بعار شديد ورجع بنو تميم إلى منازلهم وقد نذر "قيس بن عاصم" أن يدس كل بنت تولد له فى التراب ، وأن يئدها وهى حية..ومن ثم انتشرت هذه الفضيحة فى قبائل العرب ، وأن البنات لا يجلبن إلا العار فأقبلوا على وأد بناتهم خشية العار والفضيحة ، وانتشر ذلك فى أنحاء الجزيرة العربية حتى مكة وأهلها.

    وإن التاريخ يعيد نفسه فالذين خرجوا منادين بعيش ، حرية ، عدالة اجتماعية هم الأحرار فقط من هذا الشعب أما من فضلوا العودة للنظام القديم بعد التحرر منه هم العبيد الذين استمرأوا حياة العبودية فى ظل نظام مبارك ، عار علينا إن تركناهم يفعلون.
نرمين كحيلة