الأحد، 18 ديسمبر 2011

الراية البيضاء



     لا أعرف لماذا تذكرنى مشاهد حريق المجمع العلمى بمسلسل الراية البيضاء وهو مسلسل درامي مصري من إخراج محمد فاضل، و تأليف أسامة أنور عكاشة ، ومن بطولة جميل راتب وسناء جميل وتدرو أحداثه عن إحدى أثرياء تجارة السمك ترغب في الاستيلاء على قصر أثري يقيم به أحد السفراء في فترة تقاعده.

    وأتذكر مشهد المعلمة فضة المعداوى بكل جهلها وحمقها وهى تلعب هى وذويها بإحدى تحف القصر الثمينة النادرة جهلا بقيمتها وعيون الدكتور مفيد أبو الغار تراقب بخوف وحذر هذه التحفة خوفا عليها من السقوط والانهيار ، وفى نهاية المشهد نرى دموع الدكتور وهى تسيل حزنا على انكسار هذه التحفة.. وفى نهاية المسلسل قام الدكتور مفيد ومعه كل محبى الثقافة والتاريخ بالتصدى بأجسادهم لآلة البلدوزر التى تريد هدم هذا القصر الأثرى الفريد.

    وكأن الكاتب كان ينظر بعين ثاقبة - وهو يكتب هذا المشهد - إلى ما يحدث فى مصر الآن .. فهؤلاء الحمقى ممن يريدون تدمير مصر تاريخيا وثقافيا وحضاريا وبشريا يفعلون نفس ما فعله التتار من حرق لمكتبة بغداد العظيمة وهي أعظم مكتبة على وجه الأرض في ذلك     الزمن.. وهي الدار التي كانت تحوي عصارة فكر المسلمين في أكثر من ستمائة عام.. جمعت فيها كل العلوم والآداب والفنون.. من علوم شرعية كتفسير القرآن والحديث والفقه والعقيدة والأخلاق، ومن علوم حياتية كالطب والفلك والهندسة والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وعلوم الأرض، ومن علوم إنسانية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والتاريخ والفلسفة وغير ذلك.. هذا كله بالإضافة إلى ملايين الأبيات من الشعر، وعشرات الآلاف من القصص والنثر.. فإن أضفت إلى كل ما سبق الترجمات المختلفة لكل العلوم، الأجنبية سواء اليونانية أو الفارسية أو الهندية أو غير ذلك علمت أنك تتحدث عن معجزة حقيقية من معجزات ذلك الزمان..

 لقد كانت مكتبة بغداد مكتبة عظيمة بكل المقاييس.. ولم يقترب منها في العظمة إلا مكتبة قرطبة الإسلامية في الأندلس.. وسبحان الله!!.. لقد مرت مكتبة قرطبة بنفس التجربة التي مرت بها مكتبة بغداد!!!..
 عندما سقطت قرطبة في يد نصارى الأندلس سنة 636 هـ (قبل سقوط بغداد بعشرين سنة فقط ( قاموا بحرق مكتبة قرطبة تماماً.. وقام بذلك أحد قساوسة النصارى بنفسه.. وكان اسمه "كمبيس"، وحرق كل ما وقعت عليه يده من كتب بذلت فيها آلاف الأعمار وآلاف الأوقات، وأنفق في سبيل كتابتها الكثير من المال والعرق والجهد..لكن هذه سنتهم!..
   يقول الدكتور راغب السرجانى: حروبهم هي حروب على الحضارة.. وحروب على المدنية.. وحروب على الإسلام.. بل هي حروب على الإنسانية كلها..

لقد حمل التتار ملايين الكتب الثمينة... وفي بساطة شديدة -لا تخلو من حماقة وغباء- ألقوا بها جميعاً في نهر دجلة!!!!..
      لقد كان الظن أن يحمل التتار هذه الكتب القيمة إلى "قراقورم" - عاصمة المغول ليستفيدوا- وهم لا يزالون في مرحلة الطفولة الحضارية - من هذا العلم النفيس.. لكن التتار أمة همجية.. لا تقرأ ولا تريد أن تتعلم.. يعيشون للشهوات والملذات فقط..لقد كان هدفهم في الدنيا هو تخريب الدنيا!!..
   ألقى التتار بمجهود القرون الماضية في نهر دجلة.. حتى تحول لون مياه نهر دجلة إلى اللون الأسود من أثر مداد الكتب.. وحتى قيل أن الفارس التتري كان يعبر فوق المجلدات الضخمة من ضفة إلى ضفة أخرى!!..
     هذه جريمة ليست في حق المسلمين فقط.. بل في حق الإنسانية كلها!!..وهي جريمة متكررة في التاريخ..
     لقد فعلها الصليبيون النصارى في الأندلس - كما ذكرنا - في مكتبة قرطبة الهائلة..
وفعلها الصليبيون النصارى في الأندلس مرة أخرى في مكتبة غرناطة عند سقوطها، فأحرقوا مليون كتاب في أحد الميادين العامة!!..
  وفعلها الصليبيون النصارى في الأندلس مرة ثالثة ورابعة وخامسة وعاشرة في مكتبات طليطلة وأشبيلية وبلنسية وسرقسطة وغيرها..وفعلها الصليبيون النصارى في الشام في مكتبة طرابلس اللبنانية فأحرقوا ثلاثة ملايين كتاب..وفعلها الصليبيون النصارى في فلسطين في مكتبات غزة والقدس وعسقلان..
     ثم فعلها بعد ذلك المستعمرون الأوروبيون الجدد الذين نزلوا إلى بلاد العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر، ولكن هؤلاء كانوا أكثر ذكاء؛ فإنهم سرقوا الكتب ولم يحرقوها، ولكن أخذوها إلى أوروبا، وما زالت المكتبات الكبرى في أوروبا تحوي مجموعة من أعظم كتب العلم في الأرض.. ألّفها المسلمون على مدار عدة قرون متتالية.. ولا يشك أحد في أن أعداد الكتب الأصلية الإسلامية في مكتبات أوروبا تفوق كثيراً أعداد هذه المراجع الهامة في بلاد المسلمين أنفسهم!!..
     لقد كان من أولويات الغزاة على طول العصور أن يحرموا هذه الأمة من اتصالها بأي نوع من أنواع العلوم.. إما بحرق الكتب أو بإغراقها في الأنهار أو بسرقتها.. أو بتغيير مناهج التعليم - حالياً- حتى تفرغ من كل ما هو قيّم وثمين.. كل ذلك لأن الغزاة يعرفون جيداً قيمة العلم في دين الإسلام.. ويعرفون كذلك قوة المسلمين إذا ارتبطوا بالعلم..
    وبات الآن واضحا الهدف الحقيقى وراء حرق المجمع العلمى الذى يحتوي على الخرائط الأصلية و الوثائق التي تحدد حدود الدولة المصرية القديمة ...وهي الخرائط التي تم استخدامها لإثبات أن نقطة طابا الحدودية هي أرض مصرية كما أنه تم استخدامها لتحديد أن حلايب وشلاتين أرض مصرية ويتم استخدام هذه الوثائق لاثبات حدود الدولة المصرية على مر التاريخ.
  
    تماما مثلما حرق اليهود – فى هذا العصر - متحف بغداد لأنه يضم لوحة أثرية تصور ملك بنى إسرائيل وهو يقبل الأرض من تحت أقدام ملك العراق ويعلن له استسلامه وخضوعه وقبوله دفع الجزية قائلا له بالحرف الواحد:"أنا كلبك وابن كلبك".

 وكان أول سؤال لأحد المسؤولين اليهود:هل دمرتم هذه اللوحة؟

  ولا يعلم حجم الكارثة إلا المؤرخين والباحثين فى التاريخ وعلماء الآثار مثلما يعرف الجواهرجى قيمة الذهب ، فأول درس تعلمته فى الكلية أثناء دراستى للتاريخ أن التاريخ هو ذاكرة الأمة فلا تستطيع أمة أن تعيش بدون ذاكرة ومن ليس له تاريخ ليس له حاضر ولا مستقبل ، يريدون محو ذاكرتنا وهويتنا وتاريخنا حتى نصبح مثلهم بلا تاريخ ، فكتاب هيرودوت المؤرخ اليونانى الشهير الذى زار مصر وسجل كل مشاهداته بخط يده عنها يعتبر مرجعا رئيسيا لكل باحث فى تاريخ مصر وكذلك كتاب وصف مصر – الحسنة الوحيدة للحملة الفرنسية – والذى ألفه مجموعة من العلماء الفرنسيين الذين جاءوا مع الحملة الفرنسية وكتبوا وصفا دقيقا مصر فى كل المجالات..هذه الكتب فقدانها خسارة حقيقية فادحة لمصر.

      إن حرق المجمع العلمى هو القنبلة الحقيقية المسيلة للدموع.
   إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن على ما يجرى فيك يا مصر.. هم يريدوننا أن نرفع الراية البيضاء لهم ولكن هيهات هيهات أن نفعل وسنتصدى جميعا بأجسادنا لآلة البلدوزر التى تريد هدم مصر.

نرمين كحيلة


الخميس، 15 ديسمبر 2011

قصتى مع الحجاب

أحكى لكم قصتى يا إخوانى مع الحجاب وهى قصة أرويها لكل بنت لا تريد أن تلبس الحجاب ولكل أب أو ابن أو زوج أو أخ يترك ابنته أو أخته أو زوجته بدون حجاب بل فى بعض الأحيان يحرضها ضده ويهددها بالطلاق إن لبسته بحجة أن شكلها وحش أو فلاحى .....إلخ..لا تتعجبون فأنا أعرف ناس فعلا فعلت هذا.
أنا تحجبت قبل أن أكمل عامى الثانى عشر ، وكان جسدى نحيلا وصغيرًا وأبدو أصغر من سنى ولا أخفيكم القول كان قرار الحجاب هو أصعب قرار اتخذته فى حياتى ، اسمع بعضكم يقول:لماذا؟ سأجيبكم:الحقيقة أن فطرة الله التى فطر النساء عليها هى حب إظهار المفاتن والجمال فلا توجد امرأة فى العالم لا تحب إظهار جمالها ومفاتنها ، هكذا خلقها الله.. وإن أسعد لحظة فى حياة أية امرأة هى حينما تسمع إطراء أو إعجاب من المحيطين بها عن جمالها وأناقتها لذلك فحين تؤمر بإخفاء هذا الجمال هو فعلا اختبار صعب ولكنى وضعت رغبتى الداخلية فى كفة ورغبة الله وأمره فى كفة أخرى ووقفت فى المرآه وقلت لنفسى: اللهم إنى أشهدك أنى أخفى أنوثتى وأغطى جمالى ابتغاء مرضاتك.. ثم ارتديت الحجاب وأنا سعيدة وفخورة أنى انتصرت على نفسى الأمارة بالسوء وانتصرت على شيطانى وأنى نفذت أول أمر إلهى فى تلك السن ، وأحسست بطاقة نور تشع من وجهى وأنا بالحجاب.. وهنا كان الاختبار صعبًا للغاية فقد حوربت من الجميع وكان علىَّ أن أحارب فى جبهتين:الأولى جبهة عائلتى التى كانت تمانع منعًا باتا فى ارتدائى إياه والثانية:المجتمع كله الذى كان يرفض تمامًا ارتداء طفلة للحجاب ويراه تزمتا خاصة فى وقت لم يكن الحجاب فيه منتشرا مثل الآن.
    كنت أول وأصغر بنت تتحجب فى العائلة وبدأ الجميع يلقبنى بست الشيخة فقلت:مش مهم شيخة شيخة بس أرضى ربنا ، فليت الذى بينى وبينك عامر وبينى وبين العالمين خراب.. وذات يوم ذهبت لزيارة إحدى أقاربى التى رزقت بمولود جديد وعندما حملت الطفل بين ذراعى قال لى جده مستهزئا:لا تفعلى فهو حرام لأن الرضيع ولد وأنتِ بنت محجبة..فقلت لنفسى سرًا:"اللهم إنى أشهدك أنى أتحمل الأذى و السخرية  لأجلك وأقول كما قال نوح عليه السلام لقومه:إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون".."فحاق بالذين سخروا منهم"
  وبدأت المغريات تحيطنى فكان حفل زفاف أحد أقاربى وكل بنات العائلة ذهبن ليصففن شعورهن ويلبسن الملابس المكشوفة وحاول الجميع أن يثنينى عن فكرة ارتداء الحجاب فى الفرح وقلن لى:دى ليلة مفترجة وتعدى روحى اعملى شعرك زينا وابقى ارجعى اتحجبى تانى".. وكان هذا اختبارًا صعبًا مثل الذى تعرض له بنى إسرائيل لما نهوا عن الصيد يوم السبت." واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون" (الأعراف 163)
وقاومت بشدة كل الإغراءات التى تحثنى على خلع الحجاب فى تلك الليلة وكنت أيضا الفتاة الوحيدة المحجبة فى الفرح وكنت محط أنظار الجميع ؛ نظرات استنكار وكأننى شاذة عنهم ولكنى تعمدت أن أتجول بحجابى بين الموائد وأنا أرفع رأسى ليرى كل الناس أنى أنفذ تعاليم الله وأتجاهل كل التعليقات السخيفة.
وكان أصعب اختبار حين كنت بمصيف مع عائلتى ورأتنى جدتى وقالت لى:إيه اللى انتِِ لابساه ده يا بنت؟ ده مش للبنات الصغيرين ده للعواجيز اللى زيى ثم خلعت حجابى وألقت به على الأرض فأخذته بسرعة وارتديته وقلت لها:لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.
والحقيقة أن الوحيدة التى كانت تشجعنى على الحجاب هى أمى - رحمها الله -وأحضرت لى كتاب لنعمت صدقى اسمه:"التبرج"  كانت تروى فيه المؤلفة قصتها مع الحجاب فتقول أنها كانت سافرة وتلبس ملابس قصيرة وضيقة وتصفف شعرها بأحدث الصيحات والتسريحات إلى أن حدثت لها حادثة تصادم جعلتها تعيش فى الجبس شهورا وتقول المؤلفة واصفة حالها:وجدت أن الله عاقبنى لأنى لا اريد أن أرتدى الحجاب فجعلنى أرتدى حجابا من الجبس حول رأسى وجسدى فنذرت نذرا لله إن شفانى فسوف أرتدى الحجاب فقد فهمت الدرس يا رب..واشترت أمى نسخا من الكتاب وكانت تهديه إلى كل بنت متبرجة وتحجبت على يديها عشرات الفتيات.
أما نظرات المجتمع فقد ظلت تلاحقنى أينما ذهبت فمن يقول لى:يا عينى يا حبيبتى ليه كدة ده انتِ لسة صغيرة على الحجاب؟ فأقول: التدين ليس له سن وهو أمر الله..فيقولون:ربنا يزيدك إيمان..واستطعت إقناع بنات العيلة اللاتى فى مثل سنى بارتداء الحجاب وبالتالى فقد أصبحت خطرًا يهدد بنات العائلة بعد أن انتشر الحجاب بسببى وبدأوا يحذروننى من إقناع المزيد من الفتيات بهذا الفكر الارهابى المتطرف.. أنا لا أمزح واللهِ هذا ما حدث أرويه لكم بكل صدق لتعرفوا كم المعاناة التى يلاقيها المؤمن فى خلال دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
عزيزتى الفتاة لا تستمعى لكلام أحد ولا لسخرية أحد واستمعى فقط لأمر خالقك وتذكرى أنك ستقفين بمفردك أمام الله يوم القيامة وتندمين أشد الندم على كل لحظة عصيتِ فيها الله وتعضين أصابع الندم وتقولين:"يا ويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا"
نرمين كحيلة

لا تفرح

    هذه ليست دعوة للحزن وإنما هى أمر من الله إلى المؤمنين حيث قال تعالى "لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور ٍ" (الحديد:23)

    سعى الإسلام - ابتداءً - إلى تصحيح معتقد الناس تجاه ما يجري في هذه الحياة الدنيا، حين أعاد الأمر كله لله تعالى؛ مُلْكاً وخَلْقاً، ومشيئةً وقضاءً، فبدأ الآيات بتلك المقدمة: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ .........} [الحديد : 22-23].
     إن الله وهو يربي عباده ويقوِّم سلوكهم - يبين لهم أنه - تعالى – قدَّر مقادير الخلق قبل أن يخلق الأرض،فكل مصيبة أو نعمة تصيب الإنسان هى أمر مقدَّر في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله الخلائق بخمسين ألف سنة.

   إذا علم المؤمن ذلك وآمن به، أيقن أن هذا المقدَّر لا يدفعه سخط ، ولا ينجي منه جزع، عندها يضبط انفعالاته بضابط الشرع، سواء فيما اتصل بحزنه ، أو في فرحه    وأياً ما كان التوجيه، فما يقال في أمر المصيبة المحزنة، يقال في أمر النعمة المفرحة؛ فالمسلم المتَّزن - في ضوء توجيهات الآية السابقة - لا يحزن حزن القانط من رحمة الله ولا يندم على شئ فاته ، ولا يفرح فرح البطر المنسي لشكر الله.

    ولهذا ختم الله الآية بقوله: " وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ " أي: متكبر فظ , معجب بنفسه, فخور على الناس بنعم الله, ينسبها إلى نفسه.
    وعن ابن مسعود أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه" ثم قرأ "لكيلا تأسوا على ما فاتكم" أى كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم ما كان ليفوتكم "ولا تفرحوا بما آتاكم" أي من الدنيا. وروى عكرمة عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا، وغنيمته شكرا. والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز، قال جعفر بن محمد الصادق: يا ابن آدم ما لك تأسى على مفقود لا يرده عليك الفوت، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت. وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاحتقار، وكلاهما شرك خفي.  
      أما قوله تعالى:((إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ))[القصص:76]؟  فهذه الآية نزلت في قصة قارون: "إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ" والمراد بذلك الفرح الذي يصحبه الكبر والبغي على الناس والعدوان والبطر واحتقار الناس ، هذا المنهي عنه ، أما الفرح بنصر الله وبرحمته ونعمه وإحسانه فهذا مشروع؛ كما قال الله عز وجل:"قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ"(يونس:58).
 
      إن ترف قارون ومرحه جعله أنموذجاً لكل الأصناف، التي صدرت منها صور من الفرح المذموم؛ فقارون من اليهود الذين عُرف عنهم حب المال وعبادته, وتقديم الفرح به على كل شيء. وقد كان من بني إسرائيل, قومِ موسى, وكان من أعبد بنى إسرايل وأقربهم لموسى عليه السلام وكان فقيرا فقال لموسى عليه السلام:"ادعو لى ربك أن يغنينى" فقال له:"ولكن هل توفى حق الله لو أصبحت غنيا؟" قال:"نعم" فآتاه الله تعالى مالاً كثيراً, فرح به فرحاً جعله يتجاوز الحد, فتطاول على قومه, وأعرض عن الاعتراف بفضل الله, وتجاهل الحقوق الواجبة عليه, فاستحق بذلك ما استحق.

 فانقسم قومه تجاه مسلكه إلى فئتين:
الأولى: كانت الفئةَ المؤمنة، التي لا تشغلها زخارف الدنيا ولا الفرح بها عن القيم العليا والدار الآخرة, فذهبت هذه الفئة إلى قارون ومن فُتِن به واعظةً ومحذرة: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}، {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77]،  والفَرِح بكسر الراء: مَن أكثر من الفرَح، وتخلَّق به على الدوام  حتى يصير خُلُقاً فيه , فينقلب من انفعال نفسي معفوٍّ عنه إلى صفة مذمومة.
     إن قارون لم يبتغ فيما آتاه الله الدار الآخرة, وإنما كان همه الدنيا فقط, ولم يحسن إلى الناس كما أحسن الله إليه, ودفعه فرحه المذموم إلى البخل, فوعظه قومه في هذه الأمور؛ لكنه لم يُلقِ لهم بالاً, وحمله فرحه إلى العُجْب بنفسه {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}[القصص:78].
    الثانية: الفئة المفتونة: كانت الموعظة من الفئة المؤمنة إلى أولئك الذين فتنوا بكنوز قارون، وتمنوا شيئا منها {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}[القصص:79]
   {فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ في زِينَتِهِ} [القصص:79], والتعبير ب"على" يتضمن معنى التكبر
والتطاول, حمله فرحه على المرح، فأظهر ماله, وعرض زينته, وصاحب هذا ازدراءٌ لقومه؛ لأنهم لا يملكون ما يملك.

    وكانت نهاية قارون دليل واضح على أن الإيتاء لا يدل على الرضا من المعطي, ولا على إكرام, ولا كان هذا العطاء مانعاً من العذاب, بل قد يكون العطاء طريقاً للهلاك, ومؤشراً على قربه {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام:44]، ولمّا غابت هذه الحقيقة عن المترفين، صارت أموالهم مدعاةً للفرح والبطر, بدلاً من أن تكون فرصةً للتأمل والمراجعة.

    
فالمؤمن يفرح أن الله هداه إلى الإسلام، وأن الله أعانه على صلاة الجماعة، وأن الله أعانه على بر والديه وصلة أرحامه، وأعانه على فعل الخير هذا مشروع، ينبغي له أن يفرح بذلك، ويحمد الله على ذلك.
    ويقول الباحث:زيد عمرو عبد الله فى البحث الذى قام به بعنوان:"الفرح..دراسة قرآنية تربوية": وقد ذكر الفرح في القرآن الكريم في اثنين وعشرين موضعاً، هذا الفرح المذكور في القرآن قسمان: مطلق ومقيد. مطلق لم يقيد بسبب للفرح وهو مذموم ، ومقيد ينقسم إلى قسمين: مقيد بالدنيا وهو مذموم كالقسم الذي قبله، أو هو الفرح بفضل الله ورحمته وينقسم أيضاً قسمين: فرح بالمسبب وفرح بالسبب. أما الفرح المطلق فقد ذكر في خمسة مواضع بالقرآن. والمقيد بالدنيا ذكر في ثلاثة عشر موضعاً.والمقيد بفضل الله ورحمته ذكر في أربعة مواضع موضع واحد للفرح بالمسبب وثلاثة للفرح بالسبب.
    فقد قال ربنا تبارك وتعالى:"ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور  ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور" (هود:9،10)  فهذا فرح مطلق ولهذا فهو مذموم. يخبر الله تبارك وتعالى في هاتين الآيتين عن طبيعة الإنسان أنه جاهل ظالم لأنه إذا أذاقه سبحانه منه رحمه كالصحة والرزق والأولاد ونحو ذلك ثم نزعها منه فإنه يستسلم لليأس وينقاد للقنوط فلا يرجو ثواب الله تعالى ولا يخطر بباله أن الله سيردها أو مثلها أو خيراً منها عليه. وإذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته أنه يفرح ويبطر ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير، فيفرح بما أوتي مما يوافق هواه، ويفخر بنعم الله على عباد الله، وذلك يحمله على البطر والإعجاب بالنفس والتكبر على الخلق واحتقارهم وازدرائهم. وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان إلا من وفقه الله وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضدّه، ولهذا أعقب الله تعالى هاتين الآيتين بقوله تعالى: "إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات" صبروا إذا آتاهم الله نعمة ثم نزعها منهم، أولئك لهم مغفرة أجر كبير.لذلك فالمؤمن يقول إذا جاءته المصيبة:"اللهم اأجرنى فى مصيبتى واخلفنى خيرًا منها" وبذلك يكون مطمئن البال لا يصاب بالاكتئاب أو الأمراض النفسية والذبحة الصدرية  إذا لم يرزق بالأولاد أو ضاعت أمواله فى البورصة أو تأخر به سن الزواج أو فقد عزيزا ....إلخ.. بل يكون راضيا فى كل الأحوال.
    وأما القسم الثاني: الفرح المقيد بالدنيا فنجده فى تلك الآيات الأربع من سورة الأنعام من الآية الثانية والأربعين إلى نهاية الآية الخامسة والأربعين.. يقول الله تعالى: "...........فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء" أي من الدنيا ولذاتها وغفلاتها. "حتى إذا فرحوا بما أوتوا" من الدنيا. "أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون" أي آيسون من كل خير، وهذا أشد ما يكون من العذاب أن يؤخذوا على غرة وغفلة وطمأنينة ليكون أشد لعقوبتهم وأعظم لمصيبتهم.
)
الأنعام:42-45).

    هذا ويقول علماء النفس عن انفعال الانسان بالفرح والحزن أنه في حالة حدوث الإنفعالات بشكل مستمر ودائم يترتب عليه العديد من التغيرات الفسيولوجية مما يؤدي إلى حدوث تغيرات عضوية في الأنسجة وينشأ في هذه الحالة ما يسمى بالأمراض النفسية – الجسمية أو( السيكوسوماتية) . ومنها قرحة المعدة وإرتفاع ضغط الدم والذبحة الصدرية.
  حيث يؤثر الإنفعال على تفكير الفرد فيمنعه من الإستمرار كما هو الحال عند فقدان عزيز..ويقلل الإنفعال من قدرة الشخص على إصدار الأحكام الصحيحة كما يؤثر أيضا على الذاكرة ويقول علماء النفس أنه لتقليل أضرار الانفعالات والسيطرة عليها يجب جعل الطاقة الانفعالية في أعمال مفيدة حيث يولد الانفعال طاقه زائدة في الجسم ومن الممكن أن يتدرب الإنسان على أن يقوم حينما ينفعل ببعض الأعمال المفيدة للتخلص من هذه الطاقة. وهذا ما نصحنا به الإسلام حين قال أنه عند الفرح بنعمة يجب أن نسجد سجدة شكر لله لنخلص الجسد من هذه الشحنات الكهرباية الزائدة المضرة بالجسم.
وقال سبحانه: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم:43]. يعنى الفرح والحزن بمقادير الله.
    ولقد أدرك الفلاسفة وعلماء النفس هذا الأمر، فنبَّهوا إلى أثر الإرادة في تهذيب الفرح  باعتباره انفعالاً، وعبّر بعضهم عنها بقوة الأعصاب ، أو بضرورة ممارسة الفضيلة؛ لتجنب الآثار السلبية للفرح على النفس.
          إن الصبرالمأمور به شرعاً خيرُ ضابط لانفعالات الإنسان, وأفضل معين على زينة الدنيا وفتنتها, والصبر أكمل وأكثر نفعاً من الضوابط التي وضعها الفلاسفة وعلماء النفس.
    إن الإنسان - بصفة عامة - غيرُ متَّزن تجاه انفعالاته، وما يَعْرض له، وأكد القرآن الكريم هذه الصفة في مواضع منها: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} [ المعارج:19-21]، والهلع: قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها، أو عند توقع ذلك والإشفاق منه.
    لذلك فقد حرص الإسلام على تهذيب الفرح وتوجيهه ؛ لإبراز الجانب الإيجابي منه، ولاستثماره بما يعود على النفس بالخير والسعادة.

     لا يخلو الفرح من آثار سلبية، بخاصة إذا بُني علي أساس غير صحيح، يقول ديكارت: "إن انفعالَي الفرح والحزن حين يكونان متساويين في الاستناد إلى أساس خاطئ؛ فإن الفرح في العادة يكون أشدَّ ضرراً من الحزن". ويعلل هذا قائلاً: "لأن هذا الأخير – يعنى: الحزن - حين يلزمنا جانب التحفُّظ والتخوُّف يعدنا بطريقة ما إلى الحيطة والحذر، في حين أن الآخر - الفرح - يجعل الذين يستسلمون له جسورين وغير مبالين".

    وقد فسر أحمد بن يحيي ثعلب الفرح بأنه: "خفة في النفس ، وما قصة الرجل الذي وجد راحلته، التي عليها طعامه وشرابه، بعد أن يئس منها، واستسلم للموت عنا ببعيدة؛ فإنه حين وجدها واقفة فوق رأسه، قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ هذا الخطأ الشنيع من شدة الفرح"

   وقد لاحظ "أفلاطون" هذا الشيء؛ فقال: "إن اللذة المفرطة تجعل الإنسان هائم العقل مضطرباً، مثل ما يفعل به الحزن في الغالب"

لعل ما تقدم يفسر لنا: لِمَ كانت العرب تعدُّ تركَ الفرح منقبةً تُمْدح بها؟

    
ويُسهِّل فهمَ تفسير ثعلب للفرح بأنه خفة في النفس - ما ذكره العلم الحديث: من أن الإنسان الفرِح يسرع نبضه؛ لأن الأوردة المتجهة إلى القلب تتوسع، ويكون الدم فيها ساعة الفرح سائلاً جداً ورقيقاً ، ويتناسب مع هذا قول العرب في وصف الشخص (الفَرِح) بقولهم: "يكاد يطير من الفرح".

   وأكثر من هذا؛ فإن الفرح قد يؤدي إلى الموت، بخاصة أن الفرح يأتي فجأة ، وفى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أهل الجنة ما يُعِين على تفهُّم هذا الرأي، فقد قال في وصف فرح أهل الجنة: ((فلولا أن الله قضى لأهل الجنة الحياة فيها والبقاء، لماتوا فرحاً)).
    والسرور كالفرح وحسبنا دليلاً سرور الكافر بين أهله في الدنيا، كما قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً } [الانشقاق: 13]، وهو سرور مملوء بالكدر؛ لأنه جَلَبَ لصاحبه عذاباً شديداً في الآخرة، ولم ينل من حقيقة السرور في الدنيا إلا القشور.
    والحزن كذلك يجب أن يتم تهذيبه فقد حزن الرسول - صلى الله عليه وسلم - على موت ابنه إبراهيم، وكان حزنه منضبطاً بالشرع حين قال: ((إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا)).

    وكذلك الغضب، فهو انفعال ، الإفراط فيه مذموم، ولهذا عَدَّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان، وأوصى رجلاً، فقال له مراراً: ((لا تغضب)).

    والتفريط في الغضب، وانعدامه في النفس - مذمومٌ؛ لأنه لا يبقي فيها حميَّة ولا غَيْرَةً، وحين أمر الله تعالى ملائكة العذاب أن تهلك أهل قرية، أمرها أن تبدأ بعابد من أهل هذه القرية؛ لأن وجهه لم يتمعَّر بسبب انتهاك حرمات الله، ولم يغضب في الله أبداً.

    إن المسلم مأمور بأن يفرح، حين ينتصر الحق على الباطل، في أيٍّ من ميادين الصراع, وهو فرح محمود يثاب عليه.
 قال تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم:2-5].
     أنزل الله تعالى هذه الآياتِ مشيرةً إلى هزيمة الروم, ومؤكدةً أن الفرس سيُهزمون في معركتهم القادمة مع الروم, وسيكون هذا بعد عدة سنوات, وعندها سيفرح المسلمون بنصر الله, وقد تحقق وعد الله.
     لقد ذكر القرآن الكريم فرح الشهداء (وهو الفرح المقيد بسبب)، وهم أولئك الذين فرحوا بالإسلام في الدنيا؛ فهانت عليهم أرواحهم في سبيله؛ فماتوا من أجله؛ فامتد فرحهم في الآخرة؛ يقول الله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران : 169-170].

   إنه فرح متميز لفئة مخصوصة بالتكريم, تفرح عند ربها فرحاً يليق بهم في مقامهم ذاك, وقد أومأت السُّنَّة إلى بعض مظاهره، حين ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة، تروح وتغدو أينما شاءت، تتمتع بنعيم الجنة, يفرحون بما آلت إليه حالهم بفضل الله تعالى, ويستبشرون بما ستؤول إليه أحوال إخوانهم الذين يطمعون أن يرزقوا الشهادة، وينتظرون اللحوق بإخوانهم.

     إن فرح المؤمن بلقاء الله يفوق الوصف, حين يقال له: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر : 27-30] فلو لم يكن إلا هذه الفرحة وحدها، لكان العقل يأمر بإيثارها، فكيف ومن بعدها أنواعٌ من الفرح؟.

    لقد كان لعدم توازن الكافر في انفعالاته مظاهر وآثار منها: أن فرحه محصور في الدنيا, ولا يلتفت إلى نداء الآخرة. يقول الله تعالى: {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ } [الرعد:26].
    في قصة سليمان - عليه السلام - مع ملكة سبأ, صورتان متقابلتان لفرح المؤمن وفرح الكافر: لقد فرح أهل سبأ بهديتهم التي حُملت إلى سليمان, وهي شيء تافه إذا ما قيست حتى بنعيم الدنيا, وقد ظنوا أن نبي الله سليمان سيفرح بالهدية كما فرحوا: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل:35-36].

   أجابهم سليمان – عليه السلام - باستنكار: أنتم وحدكم الذين تفرحون بمثل هذه التوافه, أما نحن، فإنَّا نفرح بما آتانا الله من إيمان؛ فهو مصدر الفرح الحق.

   وثمَّةَ وجهٌ آخر مذموم في فرح الكافر, وهو أنه يفرح بالنعمة من حيث هي نعمة، دونما التفات إلى مصدرها؛ فهو فرح يتعلق بالنعمة نفسها, وليس لكونها من الله تعالى: {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا}, {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا}.
     ذكر الرازي  مثالا حسيّاً قرَّب به هذا المعنى، فقال: "لو أن ملكاً وضع أمام أحد الأمراء رغيفاً, أو أمر الخادم أن يضع أمام هذا الأمير زبدية طعام؛ فإن الأمير يفرح بهذا، ولو قدم الملك إلى فقيرٍ رغيفاً, أو زبدية طعام غير ملتفت إليه؛ فإن الفقير يفرح, لكن فرح الأمير يكون بهذا الشيء اليسير من يد الملك, أو بأمره, أما فرح الفقير الغافل، فإنه يكون بالرغيف والزبدية, وشتَّان بين الفرحَيْن, مع أن ما فرحا به شيء واحد".

    إن الفرق ظاهر بين حال الكافر في فرحه وحال المؤمن، فارتباط فرح الكافر بالنعمة ذاتها يفسر عدم توازنه ؛ لأنه يفرح بها فرح البَطَر إذا أقبلت, ويحزن حزناً شديداً إذا فقدها؛ لافتقاره للضابط ، الذي يكبح جماع انفعالاته.

    أما المؤمن، فإنه حين ترتبط النعمة عنده بالله تعالى؛ فإنه يفرح بها فرح المقرِّ بفضل الله الوهاب لها, فلا يبطر؛ لأن المعطي فوقه يرقب فعله, وإن نزعت منه النعمة, أو فاته الحصول عليها يصبر؛ لاعتقاده أن ما حصل كان بقضاء الله وقدره, وقد تعود إليه, ويظفر بها مرة أخرى ما دام أمرها بيد الله تعالى.

     إن هذا المسلك الذي ارتضاه الكافرون جعلهم يُعْرِضون عن دعوة الرسل فرحاً بما عندهم {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون } [غافر : 83].
وفيهم يقول الله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53].
    وعلى ذلك فإن الفرح المذموم يجعل صاحبه يسيء الظن بالله؛ لأنه يخشى أن ينزع الله منه الأشياء المفرحة.
   والمرح مذموم أيضا فقال تبارك وتعالى:"ولاتمش في الأرض مرحا" والمرح شدة الفرح.
     ومن هنا فإن المؤمنين لا يفرحون، ولا يحزنون  وقد رأينا مثل هذا التوجه عند بعض الفلاسفة، مثل سقراط، ومن تبعه مثل الكندي حيث يرى هؤلاء: أنه لا ينبغي للإنسان أن يقتني أشياء مفرحة؛ لأنه إذا فقدها حزن"

       وفى ذاكرة كل منا حوادث مؤسفة سُمعت أو شوهدت, أعقبت فرحاً,فأعقبها حزن - كالتهور في قيادة السيارات مثلاً - كان القصد منها التعبيرَ عن الفرح؛ فأدت إلى حالات وفاة, أو إعاقة دائمة تظل ماثلة أمام الناس, ومن العجب أنها نشأت بسبب التعبير عن الفرح, يقول ديكارت  "إن دفع الأشياء التي تضر، ويمكنها أن تهدم أهمُّ من اكتساب الأشياء التي تضيف كمالاً، نستطيع أن نستمر في الحياة بدونه".

وقد سبق الشرع الحكيم إلى هذا المعنى في القاعدة المشهورة التي تقول: "دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة".

نرمين كحيلة

السبت، 26 نوفمبر 2011

الهجرة..دروس مستفادة

تهل علينا هذه الأيام ذكرى الهجرة النبوية الشريفة بما فيها من دروس وعبر صالحة للتطبيق فى كل زمان ومكان فإن زمن الهجرة لم ينتهِ ولن ينتهى إلى قيام الساعة. لأن كلمة هجرة مشتقة من الفعل "هَجَرَ" أى ترك.. وهى بمعناها الأشمل هجر كل ما يغضب الله ورسوله وهجر المعاصى ، ونتعلم من قصة الهجرة أنها قصة الصراع بين الخير والشر ، بين الحق والباطل.. فدائما ما نجد الفاسدين يطردون المصلحين من أرضهم مثلما فعل قوم لوط عليه السلام "فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون" ( النمل:56)
    ومثلما تنبأ ورقة بن نوفل للنبى صلى الله عليه وسلم فقال له: "يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أَوَمُخْرِجِيَّ هم؟" قال ورقة: نعم. لم يأتِ رجل قط بما جئت به إلا عُوْدِيَ. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا". ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه أحمد والنسائي في سننه الكبرى والصغرى.

    عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيّات ، وإنما لكل امريء مانوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) . رواه البخاري و مسلم في صحيحهما (. وسبب الحديث: أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها : أم قيس فسمى مهاجر أم قيس.

وعلى هذا فإن الشارع الحكيم قد حدد نوعين من الهجرة لا ثالث لهما: هجرة إلى الله، وهجرة لغير الله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:  »الهجرة خصلتان، إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله ، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة". (رواه مسلم فى صحيحه)


   والهجرة قد تكون فرارا من الظلم فقد قيل أن جحا ضاق بأحوال بلده، وما فيها
من ضياع العدالة ، فوجد أنه لابد من المهاجرة بانكاره لتلك الأحوال، والدعاية لتحقيق العدل، فأخذ يواجه الأعيان بالنقد ، ويدعوهم الى إقامته ، فكانوا يسخرون منه ، ويصفونه بالتهريج والجنون، فبدأ يتجه
إلى جماهير الشعب ليفهمهم أن العدالة حق طبيعي لهم ، وأنها ضرورية للمحافظة على كيان المجتمع، فشعر السادة بخطر دعايته وقرروا طرده من البلد. فأضطر الى الخروج ، وأخذ حماره ووضع عليه ما لديه من الأثاث ، فجعل الرحى الثقيلة في إحدى الجنبتين ، ووضع الثياب في الجنبة الأخرى ،فاختل توازن الحمل ووقعت الجنبة الثقيلة برحاها على الأرض ، فعاد مرة أخرى ، ومرة ثالثة لإعادة الحمل إلى ظهر الحمار ، وفي كل مرة كانت الرحى تقع على الأرض بجنبتها ، وكان ذلك أمام قصر أحد الأعيان السادة، فرأى ما هو عليه ، فقال لجحا:ألا تعرف أيها الأحمق كيف تضع حملا صغيرًا على حمارك؟ فقال جحا : أنت تعرف يا سيدي أني لا أدري شيئا. وأرجوا أن تعلمني كيف أصنع ؟ فقال السيد ضاحكا:تقسم الأشياء بالعدل بين الجنبتين اذا أردت ان يستقيم الحمل ،فقال له جحا وهو يقهقه ، قلنا هذا قلتم اخرج من البلد.
   وقراءة لأحداث الهجرة بمعناها المعاصر كان من أطرف التعليقات التى سمعتها عن الأحداث الأخيرة هو تعليق جاء على لسان أحد المحللين السياسيين فى إحدى القنوات وهو:كلما رأيت اجتماع المشير بالمجلس العسكرى تذكرت اجتماع أبى جهل بكفار قريش للتآمر على قتل النبى صلى الله عليه وسلم.
   والحقيقة التشبيه قريب جدا فعلا والأكثر من ذلك تجمع الثوار فى التحرير ذكرنى بتجمع المسلمين فى الشِعب ثلاث سنوات وتعذيب الكفار لهم ومقاطعتهم وأحسست كم أن المجلس العسكرى أشد قسوة من كفار قريش ومن إخوة يوسف فقد أطلق غازاته السامة بلا رحمة دون النظر إلى أن بينهم أطفالا أبرياء لا ذنب لهم ودون النظر إلى أن هناك آمنين فى بيوتهم تعرضوا لهذه الغازات دون ذنب جنوه سوى أنهم مصريون.للأسف المجلس العسكرى لم يتعلم الدرس.
    راعنى ما رأيت من منظر طفلة رضيعة هى أصغر شهيدة فى الميدان فبأى ذنب قتلت هذه الطفلة البريئة؟ هل هاجمت الجيش بقنابل المولتوف؟ أين هذا مما فعله النبى صلى الله عليه وسلم بالزانية التى أنجبت من الزنا فرحم ضعف الرضيعة وترك المرأة عامين حتى فطمتها ثم عادت تحملها وفى يدها كسرة خبز فقال النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه:من يكفل هذه؟ ولم يقم الحد عليها إلا بعد أن اطمأن إلى أن الطفلة وجدت من يرعاها..إلى هذا الحد يهتم النبى صلى الله عليه وسلم بالطفولة حتى أنه يؤجل حد الزنا - وهو كبيرة من الكبائر – حتى يطمئن على مصير الطفلة! وإلى هذا الحد لا يريد أن يأخذ أحد بذنب أحد؟ لأنه لاتزر وازرة وزر أخرى؟
   قالت لى امراة:والله أنا ماخرجت فى المظاهرات ولا شاركت فيها ولا كان لى فيها ناقة ولا جمل ومع ذلك أوذيت أنا وأفراد أسرتى بالغازات التى أطلقوها وأصابت عيوننا ووجوهنا لأننا نسكن فى منازل قريبة من الأحداث..
فهل نهجر الباطل ونعود إلى الحق فى يوم الهجرة؟
نرمين كحيلة
  
  

عباسية كمان وكمان

كنا قديمًا نسمع أحيانا شخص يقول:فلان هذا عباسية وهذا التعبير معناه أن هذا الشخص مخبول أو مجنون نسبة لمستشفى العباسية للأمراض العقلية ، واليوم وأنا أشاهد مظاهرات ميدان العباسية تذكرت ذلك التعبير فيبدو أنه سيعود للظهور من جديد ولا أستبعد اليوم الذى يسأل فيه بعضنا بعضا:"حضرتك عباسية ولا تحرير؟" فما حدث كان مسرحية هزلية بكل المقاييس تذكرنا بفيلم:"إسماعيل يس فى مستشفى المجانين"
   كان يجب على المجلس العسكرى أن يمنع تلك المظاهرات بأية طريقة وأن يعلن ذلك فى كل وسائل الإعلام حتى لا تحدث فتنة واشتباك واقتتال بين طوائف الشعب مما ينذر بحرب أهلية ، وما أظنه يحتاج لتلك التمثيلية التى قام بأدائها ممثلون ماهرون فى سيناريو سخيف متكرر ومن بينهم عجائز تسلقوا الأكتاف وأخذوا يهتفون للمجلس العسكرى وقد كان الأحرى بهم أن يبتعدوا عن تلك اللعبة القذرة.. ولو أن المجلس العسكرى منع تلك المظاهرات  لحظى باحترام الجميع ولأثبت أنه فعلا غير طامع فى السلطة بدلا من اللجوء لتلك الوسائل الرخيصة التى ستكون ضحيتها مصر.
لا أعرف ما الهدف من تلك المظاهرات؟ فالشعب المصرى لم ولن يطلب أبدا من الجيش التخلى عن أداء واجبه فى حماية الوطن والدفاع عنه ولكن كل ما طلبناه هو عودته لأداء دوره المنوط به بعد أن قام بأداء وظيفة ليست له فهو ليست لديه خبرة بإدارة البلاد وقد أثبت فشله طوال الشهور الماضية فى تعامله مع المشاكل التى واجهته فكان يتعامل مع كل المتظاهرين والمعتصمين على أنهم أعداء الوطن وقام بمحاربتهم بكل الوسائل المستخدمة فى الحرب لأنه لا يعرف إلا هذه اللغة: لغة الحروب..أما السياسة والإدارة فلها رجالها.. تماما مثل حلاق الصحة الذى اعتبر نفسه فى فترة من الفترات طبيبا وأخذ يشخص الداء ويصف الدواء ، هو ماهر فى مهنته كحلاق أما الطب فله متخصصيه..أو كشخص أتى بحارس ليحرسه ففوجئ به يدير ويحكم منزله وأولاده بدلا منه.
  أناشد المجلس العسكرى - إن كان مايزال حريصا على مصلحة مصر- أن يتنازل عن موقفه رحمة بمصر وشعبها.
نرمين كحيلة



الأحد، 20 نوفمبر 2011

هل أنت عنيد؟

إذا كانت الإجابة بنعم فيجب عليك أن تجاهد نفسك كثيرًا لتتخلص من هذه الصفة الذميمة وسنعرف من خلال السطور القادمة السبب فى ذلك.
أولا: يجب ان نعلم أن العناد هو الإصرار على الخطأ يعنى مثلا إنسان يعلم أن ما يفعله خطأ ومع ذلك يصر عليه. وقد يكون التمسك بالراى إيجابيا و مطلوبا طالما هو مبني على قواعد متينة مؤسسة على دليل و برهان لا شك فيه و لا مطعن و لا شبهة. و هو ما يسمى شرعاً " الثبات على الحق " و هو مبدأ الأنبياء و أتباعهم, بحسب قوله صلى الله عليه وسلم"  : لا يضرهم من خالفهم .. الحديث " . و قد يكون العناد سلبياً ممقوتاً غير محمود طالما هو مبني على الهوى و الاستكبار و تجاهل الأدلة المنطقية على الرغم من ثبوتها و عدم التفكر فيها و في احتمالات صوابها و خطئها. و هو مبدأ إبليس و أتباعه بحسب قوله - عليه لعنة الله - كما ذكر ذلك ربنا في كتابه الكريم:.... قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} (الإسراء 61), فقاده ذلك إلى اللعن مروراً برفض أمر الله سبحانه و تعالى و الاستكبار على غيره من المخلوقات وهو أول ذنب حدث على وجه الأرض حتى أن إبليس حاول فيما بعد أن يتوب إلى الله فطلب من موسى عليه السلام أن يسأل ربه ذلك فطلب الله منه أن يسجد لقبر آدم وحواء فرفض إبليس وقال:"أنا لم أسجد لهما أحياء فهل أسجد لهما أموات؟" .إذن العناد صفة الكفار والمشركين والمتجبرين فى الأرض والله لا يحب المعاندين والعنيد جزاؤه النار.
    وقد ذكرت آيات كثيرة للعناد فى القرآن:"وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد"(هود:59)،"واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد"(إبراهيم:15"،"ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد"(ق:24)،"كلا إنه كان لآياتنا عنيدا"(المدثر:16)
    والعناد هى صفة منافية تماما للإيمان وللتوحيد لأن تعريف الإسلام لغة:"هو الخضوع والإستسلام لله عزو وجل" فلا يجوز أن تكون خاضعا مستسلما لله وفى نفس الوقت عنيدًا. لأنك لو كنت عنيدًا فسوف تصر على معصية الله كأن تصر مثلا على عدم الصلاة أو عدم الزكاة أو عدم الصيام ...إلخ..وإذا كنت عنيدا فسيمنعك هذا من التوبة والاستغفار.
   ويقول "ديل كارنيجى" فى الفصل الثالث من كتابه:"كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر فى الناس":"إن أى مغفل يسعه أن يدافع عن أخطائه- ومعظم المغفلين يفعلون- أما أن تسلم بأخطائك فهو سبيلك إلى الارتفاع درجات فوق الناس ، وإلى الاحساس بالرقى والسمو....فإذا كنت مخطئا فسلم بخطئك تكسب الناس إلى وجهة نظرك." وهذا يذكرنا  بما فعله آدم عليه السلام حين تاب وأقر بخطئه فغفر الله له..وهذا هو الفرق بين آدم والشيطان فكلاهما أذنب ولكن الأول تخلى عن عناده وأقر بخطئه والآخر أصر على خطئه.
    ولنا أمثلة شهيرة فى ذلك ففرعون مثلا لم يؤمن لأنه معاند وكفار قريش لم يؤمنوا لأنهم معاندين وبنى إسرائيل استوجبوا لعنة الله وغضبه بسبب عنادهم وابن سيدنا نوح عليه السلام كان من المغرقين بسبب عناده..ولو كان العناد صفة ملازمة لك فسوف ترفض نصيحة الآخرين وسوف تستمر على خطئك حتى النهاية وبالتالى تستوجب عذاب الله بالنار.
    أما المؤمن الحق فهو الذى يتراجع عن رأيه فورا إذا تبين له أنه خطا مثل عمر بن الخطاب حين قال:"أخطأ عمر وأصابت امرأة" وإبراهيم عليه السلام ورفضه عبادة ما يعبد قومه..ونوح عليه السلام وعدوله عن الدفاع عن ابنه الكافر.
    أما الثبات على الحق فلا يسمى عنادًا ومثالنا على ذلك ثبات سيدنا محمد عليه السلام على الحق فقد رفض كل العروض التى قدمت له من أجل التخلى عن دعوته. وجميلة بوحريد وثباتها على الدفاع عن وطنها – الجزائر – وكذلك الإمام أحمد بن حنبل وثباته على مبدئه فى مسألة خلق القرآن فقد قابل ذات يوم الإمام أحمد بن حنبل لصًا وهو فى طريقه إلى السجن فقال له:أنا ثابت على الباطل – السرقة – رغم أنهم جلدونى أكثر من مرة فاثبت أنت على الحق. يعنى لدينا نموذجين للتمسك بالرأى أحدهما (وهو الإمام ابن حنبل) ثابت على الحق والآخر(اللص) مُصِرّ على خطئه وهو العناد.
وهناك مثل شهير يقول:العناد يورث الكفر أى يؤدى إلى الكفر.
والعناد من المشاكل التي تعترض الحياة الزوجية ، فالتصلب في الرأي والجمود وعدم المرونة تضفي على الأسرة جوًا خانقًا وتنشر في البيت ظلالاً قاتمة ، وتهيئ المناخ لنفثات الشيطان وهمزاته، مما ينذر بالاقتراب من الخطر.
    يقول الأستاذ محمد فصيح بهلول (مؤلف كتاب الاحترام المتبادل بين الزوجين): 'الزوج الذي يتفرد برأيه مخطئ والذي يتخذ القرار غير الصائب لمجرد مخالفة رأي زوجته وقد تبين له صوابها هو رجل أحمق، لا يقدر المصلحة ، ويضع كبرياءه في غير موضعها ، ويحقق انتصارات زائفة لا مكان لها إلا في عقله هو دون أحد سواه، كما أنه يفقد مكانته لدى زوجته'.


'
إن الملاحظ دائمًا أن عناد الزوج يسبق عناد الزوجة، فالأخير يأتي غالبًا كرد فعل لعناد الزوج، وتعليل ذلك أمرر سهل، فالزوج يبذل ما يستطيع من جهد لإثبات سيطرته وهيمنته بإلغاء ومحو أي رأي خلاف رأيه، وهو حين يفعل ذلك يضع الزوجة في موقف يحتم عليها أن تتخذ لنفسها موقفًا من ثلاث إما التصادم معه أو مهادنة هذا الموقف المستفز والسكوت والهدوء، أو دفع الزوج لفتح باب الحوار معها ؟ فتأخذ شكل العناد السلبي لكسر صراحة رأي الزوج وتمييع قراراته، كي تفتح ثغرة للحوار والمناقشة بأقل قدر ممكن من الخسائر'.
أما عناد الزوجة وتصلب رأيها ومخالفتها الزوج كل هذه الأمور تدفع الزواج على طريق شائك قد ينتهي بما لا تشتهيه النفوس، والكثير من الأزواج يشكون 'زوجتي عنيدة' وهو لا يعلم أن عنادها قد يكون هو السبب فيه، فإن تسلط الزوج أحيانًا وعدم استشارته للزوجة في أمور المعيشة وتحقير رأيها والاستهزاء به قد يدفع الزوجة في طريق العناد.فهناك بعض الأزواج لديهم أفكار خاطئة عن خيبة وفساد رأي المرأة وأن مشورتها تجلب خراب البيوت، وهذه الأفكار فوق أنها حمقاء فهي بعيدة كل البعد عن هدي الإسلام، وتكفينا هنا الإشارة إلى مشورة أم سلمة رضي الله عنها التي كانت سببًا في نجاة المسلمين من فتنة معصية الله ورسوله.وقد يأتي عناد الزوجة نتيجة لعدم التكيف مع الزوج والشعور باختلاف الطباع فيكون العناد صورة من صور التعبير عن رفض الزوجة سلوك زوجها، وكذا تعبيرًا عن عدم انسجامها معه في حياتهما الزوجية.
والسؤال الذى يفرض نفسه الآن:هل تستطيع التخلص من العناد؟ بالطبع نعم فلو لم يكن العناد قابلا للعلاج لما نهانا الله عنه وحذرنا منه وعاقبنا عليه.وعلاج العناد يأتى باستحضار عظمة الله سبحانه وتعالى وتذكر ناره التى تنتظر المعاندين ولنعلم جميعا أن العناد هو نوع من الحمق والغباء فليس من العيب أن يخطئ الإنسان - لأن كل ابن آدم خطاء - ولكن العيب كل العيب هو التمادى فى الخطأ والإصرار عليه.
نرمين كحيلة