السبت، 26 نوفمبر 2011

الهجرة..دروس مستفادة

تهل علينا هذه الأيام ذكرى الهجرة النبوية الشريفة بما فيها من دروس وعبر صالحة للتطبيق فى كل زمان ومكان فإن زمن الهجرة لم ينتهِ ولن ينتهى إلى قيام الساعة. لأن كلمة هجرة مشتقة من الفعل "هَجَرَ" أى ترك.. وهى بمعناها الأشمل هجر كل ما يغضب الله ورسوله وهجر المعاصى ، ونتعلم من قصة الهجرة أنها قصة الصراع بين الخير والشر ، بين الحق والباطل.. فدائما ما نجد الفاسدين يطردون المصلحين من أرضهم مثلما فعل قوم لوط عليه السلام "فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون" ( النمل:56)
    ومثلما تنبأ ورقة بن نوفل للنبى صلى الله عليه وسلم فقال له: "يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أَوَمُخْرِجِيَّ هم؟" قال ورقة: نعم. لم يأتِ رجل قط بما جئت به إلا عُوْدِيَ. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا". ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه أحمد والنسائي في سننه الكبرى والصغرى.

    عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيّات ، وإنما لكل امريء مانوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) . رواه البخاري و مسلم في صحيحهما (. وسبب الحديث: أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها : أم قيس فسمى مهاجر أم قيس.

وعلى هذا فإن الشارع الحكيم قد حدد نوعين من الهجرة لا ثالث لهما: هجرة إلى الله، وهجرة لغير الله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:  »الهجرة خصلتان، إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله ، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة". (رواه مسلم فى صحيحه)


   والهجرة قد تكون فرارا من الظلم فقد قيل أن جحا ضاق بأحوال بلده، وما فيها
من ضياع العدالة ، فوجد أنه لابد من المهاجرة بانكاره لتلك الأحوال، والدعاية لتحقيق العدل، فأخذ يواجه الأعيان بالنقد ، ويدعوهم الى إقامته ، فكانوا يسخرون منه ، ويصفونه بالتهريج والجنون، فبدأ يتجه
إلى جماهير الشعب ليفهمهم أن العدالة حق طبيعي لهم ، وأنها ضرورية للمحافظة على كيان المجتمع، فشعر السادة بخطر دعايته وقرروا طرده من البلد. فأضطر الى الخروج ، وأخذ حماره ووضع عليه ما لديه من الأثاث ، فجعل الرحى الثقيلة في إحدى الجنبتين ، ووضع الثياب في الجنبة الأخرى ،فاختل توازن الحمل ووقعت الجنبة الثقيلة برحاها على الأرض ، فعاد مرة أخرى ، ومرة ثالثة لإعادة الحمل إلى ظهر الحمار ، وفي كل مرة كانت الرحى تقع على الأرض بجنبتها ، وكان ذلك أمام قصر أحد الأعيان السادة، فرأى ما هو عليه ، فقال لجحا:ألا تعرف أيها الأحمق كيف تضع حملا صغيرًا على حمارك؟ فقال جحا : أنت تعرف يا سيدي أني لا أدري شيئا. وأرجوا أن تعلمني كيف أصنع ؟ فقال السيد ضاحكا:تقسم الأشياء بالعدل بين الجنبتين اذا أردت ان يستقيم الحمل ،فقال له جحا وهو يقهقه ، قلنا هذا قلتم اخرج من البلد.
   وقراءة لأحداث الهجرة بمعناها المعاصر كان من أطرف التعليقات التى سمعتها عن الأحداث الأخيرة هو تعليق جاء على لسان أحد المحللين السياسيين فى إحدى القنوات وهو:كلما رأيت اجتماع المشير بالمجلس العسكرى تذكرت اجتماع أبى جهل بكفار قريش للتآمر على قتل النبى صلى الله عليه وسلم.
   والحقيقة التشبيه قريب جدا فعلا والأكثر من ذلك تجمع الثوار فى التحرير ذكرنى بتجمع المسلمين فى الشِعب ثلاث سنوات وتعذيب الكفار لهم ومقاطعتهم وأحسست كم أن المجلس العسكرى أشد قسوة من كفار قريش ومن إخوة يوسف فقد أطلق غازاته السامة بلا رحمة دون النظر إلى أن بينهم أطفالا أبرياء لا ذنب لهم ودون النظر إلى أن هناك آمنين فى بيوتهم تعرضوا لهذه الغازات دون ذنب جنوه سوى أنهم مصريون.للأسف المجلس العسكرى لم يتعلم الدرس.
    راعنى ما رأيت من منظر طفلة رضيعة هى أصغر شهيدة فى الميدان فبأى ذنب قتلت هذه الطفلة البريئة؟ هل هاجمت الجيش بقنابل المولتوف؟ أين هذا مما فعله النبى صلى الله عليه وسلم بالزانية التى أنجبت من الزنا فرحم ضعف الرضيعة وترك المرأة عامين حتى فطمتها ثم عادت تحملها وفى يدها كسرة خبز فقال النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه:من يكفل هذه؟ ولم يقم الحد عليها إلا بعد أن اطمأن إلى أن الطفلة وجدت من يرعاها..إلى هذا الحد يهتم النبى صلى الله عليه وسلم بالطفولة حتى أنه يؤجل حد الزنا - وهو كبيرة من الكبائر – حتى يطمئن على مصير الطفلة! وإلى هذا الحد لا يريد أن يأخذ أحد بذنب أحد؟ لأنه لاتزر وازرة وزر أخرى؟
   قالت لى امراة:والله أنا ماخرجت فى المظاهرات ولا شاركت فيها ولا كان لى فيها ناقة ولا جمل ومع ذلك أوذيت أنا وأفراد أسرتى بالغازات التى أطلقوها وأصابت عيوننا ووجوهنا لأننا نسكن فى منازل قريبة من الأحداث..
فهل نهجر الباطل ونعود إلى الحق فى يوم الهجرة؟
نرمين كحيلة
  
  

عباسية كمان وكمان

كنا قديمًا نسمع أحيانا شخص يقول:فلان هذا عباسية وهذا التعبير معناه أن هذا الشخص مخبول أو مجنون نسبة لمستشفى العباسية للأمراض العقلية ، واليوم وأنا أشاهد مظاهرات ميدان العباسية تذكرت ذلك التعبير فيبدو أنه سيعود للظهور من جديد ولا أستبعد اليوم الذى يسأل فيه بعضنا بعضا:"حضرتك عباسية ولا تحرير؟" فما حدث كان مسرحية هزلية بكل المقاييس تذكرنا بفيلم:"إسماعيل يس فى مستشفى المجانين"
   كان يجب على المجلس العسكرى أن يمنع تلك المظاهرات بأية طريقة وأن يعلن ذلك فى كل وسائل الإعلام حتى لا تحدث فتنة واشتباك واقتتال بين طوائف الشعب مما ينذر بحرب أهلية ، وما أظنه يحتاج لتلك التمثيلية التى قام بأدائها ممثلون ماهرون فى سيناريو سخيف متكرر ومن بينهم عجائز تسلقوا الأكتاف وأخذوا يهتفون للمجلس العسكرى وقد كان الأحرى بهم أن يبتعدوا عن تلك اللعبة القذرة.. ولو أن المجلس العسكرى منع تلك المظاهرات  لحظى باحترام الجميع ولأثبت أنه فعلا غير طامع فى السلطة بدلا من اللجوء لتلك الوسائل الرخيصة التى ستكون ضحيتها مصر.
لا أعرف ما الهدف من تلك المظاهرات؟ فالشعب المصرى لم ولن يطلب أبدا من الجيش التخلى عن أداء واجبه فى حماية الوطن والدفاع عنه ولكن كل ما طلبناه هو عودته لأداء دوره المنوط به بعد أن قام بأداء وظيفة ليست له فهو ليست لديه خبرة بإدارة البلاد وقد أثبت فشله طوال الشهور الماضية فى تعامله مع المشاكل التى واجهته فكان يتعامل مع كل المتظاهرين والمعتصمين على أنهم أعداء الوطن وقام بمحاربتهم بكل الوسائل المستخدمة فى الحرب لأنه لا يعرف إلا هذه اللغة: لغة الحروب..أما السياسة والإدارة فلها رجالها.. تماما مثل حلاق الصحة الذى اعتبر نفسه فى فترة من الفترات طبيبا وأخذ يشخص الداء ويصف الدواء ، هو ماهر فى مهنته كحلاق أما الطب فله متخصصيه..أو كشخص أتى بحارس ليحرسه ففوجئ به يدير ويحكم منزله وأولاده بدلا منه.
  أناشد المجلس العسكرى - إن كان مايزال حريصا على مصلحة مصر- أن يتنازل عن موقفه رحمة بمصر وشعبها.
نرمين كحيلة



الأحد، 20 نوفمبر 2011

هل أنت عنيد؟

إذا كانت الإجابة بنعم فيجب عليك أن تجاهد نفسك كثيرًا لتتخلص من هذه الصفة الذميمة وسنعرف من خلال السطور القادمة السبب فى ذلك.
أولا: يجب ان نعلم أن العناد هو الإصرار على الخطأ يعنى مثلا إنسان يعلم أن ما يفعله خطأ ومع ذلك يصر عليه. وقد يكون التمسك بالراى إيجابيا و مطلوبا طالما هو مبني على قواعد متينة مؤسسة على دليل و برهان لا شك فيه و لا مطعن و لا شبهة. و هو ما يسمى شرعاً " الثبات على الحق " و هو مبدأ الأنبياء و أتباعهم, بحسب قوله صلى الله عليه وسلم"  : لا يضرهم من خالفهم .. الحديث " . و قد يكون العناد سلبياً ممقوتاً غير محمود طالما هو مبني على الهوى و الاستكبار و تجاهل الأدلة المنطقية على الرغم من ثبوتها و عدم التفكر فيها و في احتمالات صوابها و خطئها. و هو مبدأ إبليس و أتباعه بحسب قوله - عليه لعنة الله - كما ذكر ذلك ربنا في كتابه الكريم:.... قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} (الإسراء 61), فقاده ذلك إلى اللعن مروراً برفض أمر الله سبحانه و تعالى و الاستكبار على غيره من المخلوقات وهو أول ذنب حدث على وجه الأرض حتى أن إبليس حاول فيما بعد أن يتوب إلى الله فطلب من موسى عليه السلام أن يسأل ربه ذلك فطلب الله منه أن يسجد لقبر آدم وحواء فرفض إبليس وقال:"أنا لم أسجد لهما أحياء فهل أسجد لهما أموات؟" .إذن العناد صفة الكفار والمشركين والمتجبرين فى الأرض والله لا يحب المعاندين والعنيد جزاؤه النار.
    وقد ذكرت آيات كثيرة للعناد فى القرآن:"وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد"(هود:59)،"واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد"(إبراهيم:15"،"ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد"(ق:24)،"كلا إنه كان لآياتنا عنيدا"(المدثر:16)
    والعناد هى صفة منافية تماما للإيمان وللتوحيد لأن تعريف الإسلام لغة:"هو الخضوع والإستسلام لله عزو وجل" فلا يجوز أن تكون خاضعا مستسلما لله وفى نفس الوقت عنيدًا. لأنك لو كنت عنيدًا فسوف تصر على معصية الله كأن تصر مثلا على عدم الصلاة أو عدم الزكاة أو عدم الصيام ...إلخ..وإذا كنت عنيدا فسيمنعك هذا من التوبة والاستغفار.
   ويقول "ديل كارنيجى" فى الفصل الثالث من كتابه:"كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر فى الناس":"إن أى مغفل يسعه أن يدافع عن أخطائه- ومعظم المغفلين يفعلون- أما أن تسلم بأخطائك فهو سبيلك إلى الارتفاع درجات فوق الناس ، وإلى الاحساس بالرقى والسمو....فإذا كنت مخطئا فسلم بخطئك تكسب الناس إلى وجهة نظرك." وهذا يذكرنا  بما فعله آدم عليه السلام حين تاب وأقر بخطئه فغفر الله له..وهذا هو الفرق بين آدم والشيطان فكلاهما أذنب ولكن الأول تخلى عن عناده وأقر بخطئه والآخر أصر على خطئه.
    ولنا أمثلة شهيرة فى ذلك ففرعون مثلا لم يؤمن لأنه معاند وكفار قريش لم يؤمنوا لأنهم معاندين وبنى إسرائيل استوجبوا لعنة الله وغضبه بسبب عنادهم وابن سيدنا نوح عليه السلام كان من المغرقين بسبب عناده..ولو كان العناد صفة ملازمة لك فسوف ترفض نصيحة الآخرين وسوف تستمر على خطئك حتى النهاية وبالتالى تستوجب عذاب الله بالنار.
    أما المؤمن الحق فهو الذى يتراجع عن رأيه فورا إذا تبين له أنه خطا مثل عمر بن الخطاب حين قال:"أخطأ عمر وأصابت امرأة" وإبراهيم عليه السلام ورفضه عبادة ما يعبد قومه..ونوح عليه السلام وعدوله عن الدفاع عن ابنه الكافر.
    أما الثبات على الحق فلا يسمى عنادًا ومثالنا على ذلك ثبات سيدنا محمد عليه السلام على الحق فقد رفض كل العروض التى قدمت له من أجل التخلى عن دعوته. وجميلة بوحريد وثباتها على الدفاع عن وطنها – الجزائر – وكذلك الإمام أحمد بن حنبل وثباته على مبدئه فى مسألة خلق القرآن فقد قابل ذات يوم الإمام أحمد بن حنبل لصًا وهو فى طريقه إلى السجن فقال له:أنا ثابت على الباطل – السرقة – رغم أنهم جلدونى أكثر من مرة فاثبت أنت على الحق. يعنى لدينا نموذجين للتمسك بالرأى أحدهما (وهو الإمام ابن حنبل) ثابت على الحق والآخر(اللص) مُصِرّ على خطئه وهو العناد.
وهناك مثل شهير يقول:العناد يورث الكفر أى يؤدى إلى الكفر.
والعناد من المشاكل التي تعترض الحياة الزوجية ، فالتصلب في الرأي والجمود وعدم المرونة تضفي على الأسرة جوًا خانقًا وتنشر في البيت ظلالاً قاتمة ، وتهيئ المناخ لنفثات الشيطان وهمزاته، مما ينذر بالاقتراب من الخطر.
    يقول الأستاذ محمد فصيح بهلول (مؤلف كتاب الاحترام المتبادل بين الزوجين): 'الزوج الذي يتفرد برأيه مخطئ والذي يتخذ القرار غير الصائب لمجرد مخالفة رأي زوجته وقد تبين له صوابها هو رجل أحمق، لا يقدر المصلحة ، ويضع كبرياءه في غير موضعها ، ويحقق انتصارات زائفة لا مكان لها إلا في عقله هو دون أحد سواه، كما أنه يفقد مكانته لدى زوجته'.


'
إن الملاحظ دائمًا أن عناد الزوج يسبق عناد الزوجة، فالأخير يأتي غالبًا كرد فعل لعناد الزوج، وتعليل ذلك أمرر سهل، فالزوج يبذل ما يستطيع من جهد لإثبات سيطرته وهيمنته بإلغاء ومحو أي رأي خلاف رأيه، وهو حين يفعل ذلك يضع الزوجة في موقف يحتم عليها أن تتخذ لنفسها موقفًا من ثلاث إما التصادم معه أو مهادنة هذا الموقف المستفز والسكوت والهدوء، أو دفع الزوج لفتح باب الحوار معها ؟ فتأخذ شكل العناد السلبي لكسر صراحة رأي الزوج وتمييع قراراته، كي تفتح ثغرة للحوار والمناقشة بأقل قدر ممكن من الخسائر'.
أما عناد الزوجة وتصلب رأيها ومخالفتها الزوج كل هذه الأمور تدفع الزواج على طريق شائك قد ينتهي بما لا تشتهيه النفوس، والكثير من الأزواج يشكون 'زوجتي عنيدة' وهو لا يعلم أن عنادها قد يكون هو السبب فيه، فإن تسلط الزوج أحيانًا وعدم استشارته للزوجة في أمور المعيشة وتحقير رأيها والاستهزاء به قد يدفع الزوجة في طريق العناد.فهناك بعض الأزواج لديهم أفكار خاطئة عن خيبة وفساد رأي المرأة وأن مشورتها تجلب خراب البيوت، وهذه الأفكار فوق أنها حمقاء فهي بعيدة كل البعد عن هدي الإسلام، وتكفينا هنا الإشارة إلى مشورة أم سلمة رضي الله عنها التي كانت سببًا في نجاة المسلمين من فتنة معصية الله ورسوله.وقد يأتي عناد الزوجة نتيجة لعدم التكيف مع الزوج والشعور باختلاف الطباع فيكون العناد صورة من صور التعبير عن رفض الزوجة سلوك زوجها، وكذا تعبيرًا عن عدم انسجامها معه في حياتهما الزوجية.
والسؤال الذى يفرض نفسه الآن:هل تستطيع التخلص من العناد؟ بالطبع نعم فلو لم يكن العناد قابلا للعلاج لما نهانا الله عنه وحذرنا منه وعاقبنا عليه.وعلاج العناد يأتى باستحضار عظمة الله سبحانه وتعالى وتذكر ناره التى تنتظر المعاندين ولنعلم جميعا أن العناد هو نوع من الحمق والغباء فليس من العيب أن يخطئ الإنسان - لأن كل ابن آدم خطاء - ولكن العيب كل العيب هو التمادى فى الخطأ والإصرار عليه.
نرمين كحيلة

الاثنين، 31 أكتوبر 2011

ولو كره اليهود


     عندما رأيت مظاهرات وول ستريت بأمريكا ومعظم دول العالم ورأيت لافتة تحملها سيدة مكتوب عليها:"نريد العودة للاقتصاد الاسلامى" لم أملك إلا أن أردد قوله تعالى"كتب الله لأغلبن أنا ورسلى" فقد تجرع العالم كأس الربا وويلاته وعَلِمَ عِلْمَ اليقين أنه لا حل إلا فى نظام الاقتصاد الاسلامى.
   حيث احتشد محتجون في مختلف أنحاء العالم لتوجيه صرخة غضب في وجه مصرفيين ورأسماليين وسياسيين، يتهمونهم بتدمير اقتصاديات العالم وحكمهم على الملايين بمواجهة الفقر والصعاب نتيجة طمعهم. وخرج المحتجون للشوارع من نيوزيلاند الى آلاسكا، ومن لندن وفرانكفورت إلى نيويورك نفسها.
   والغريب أن الناس يعتقدون أن الربا محرم فى الإسلام فقط رغم أنه محرم فى كل الأديان فقد جاء فى العهد القديم:"إذا افتقر أخوك فاحمله .. لا تطلب منه ربحًا ولا منفعة" (لاويين 35:25) إلا أن اليهود لا يرون مانعًا من أخذ الربا من غير اليهودى فقد ورد فى سفر التثنية (20:23):"للأجنبى تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكى يباركك الرب إلهك فى كل ما تمتد إليه يدك"لكن الإسلام ينظر إلى هذه النصوص التى تحرم الربا على فئة معينة دون غيرها على أنها نصوص محرفة ، لأن الربا محرم من أى إنسان ولأى إنسان لأنه ظلم والظلم يحرم على الجميع بدون فرق بين أحد وأحد لأن الله يقول فى الحديث القدسى:"يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا".
واعتبر القرآن الكريم اليهود من أكلة الربا.. قال تعالى:"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما"
أما النصرانية فقد حرمت الربا تحريمًا قاطعًا على الجميع لا فرق بين نصرانى وغير نصرانى واتفقت كلمة رجال الكنيسة على ذلك استنادًا إلى النصوص التى وردت عندهم؛ يقول الأب"سكوبا":"إن من يقول أن الربا ليس بمعصية يعد ملحدًا خارجا عن الدين"
ويقول الأب "يوتى":"إن المرابين يفقدون شرفهم فى الحياة الدنيا وليسوا أهلا للتكفين بعد موتهم".وقد ورد فى العهد الجديد:"إذا أقرضتم لمن تنتظرون منه المكافأة فأى فضل يعرف لكم ولكن افعلوا الخيرات واقرضوا غير منتظرين إلى عائدها وإذ يكون ثوابكم جزيلا"(إنجيل لوقا 34 ،35)
وبذلك فإن اليهود سيطروا على اقتصاد العالمى ومن هنا حولوا العالم إلى عالم ربوى طغى عليه المال طغيانا شديدا ، وقد سيطروا أولا على الدول بنظامهم ، ثم تحكموا بعد ذلك فى كل ما يتعلق بالانتاج ولنأخذ مثالا على ذلك بآل روتشيلد الذين تحكموا فى الاقتصاد الأوروبى فى آخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر وقد كانوا خمسة أبناء لرجل واحد وهؤلاء الخمسة آلت إليهم أموال أبيهم الذى كان تاجرًا يهوديًا يقيم فى حى اليهود بفرانكفورت وقد اكتسب ثروته من الحرام حيث اتخذ من صداقته لأحد اشراف الجرمان سبيلا إلى الاستيلاء على أمواله فى المصارف عندما فر هذا الشريف من وجه نابليون سنة 1806 م.
وقد اقتسم هؤلاء الأبناء الخمسة أوروبا وأمريكا ، فأحدهم فى ألمانيا والآخر فى إنجلترا والثالث فى النمسا والرابع فى إيطاليا والخامس طواف هنا وهناك.وقد أخذوا يتكسبون من تجارة النقود ذاتها لا من تجارة اشتغلوا بها ولا من صناعة أنتجوها ولا من زراعة استنبتوها ، بل ربحهم كان من إقراض الدول وإنشاء المصارف الربوية والسيطرة عليها ولقد قوى سلطانهم حتى اختار البابا أحدهم مديرا لأمواله فى روما.
   هذه صورة من الصور الكثيرة التى قام بها هؤلاء الأبناء وغيرهم من اليهود مما يوضح بجلاء كيف عمل اليهود على نشر الربا فى العالم،وكان أهل الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يرابون ، يبيعون المتاع من أرض أو إبل أو غير ذلك بالثمن إلى أجل ، فإذا حل الأجل وصار المدين معسراً قالوا له: إما أن تعطينا حقنا، وإما أن تُربي ، إما أن تقضي وإما أن تُربي ، المعنى إما أن تعطينا حقنا الآن أو نزيد عليك في المال ونؤخر الأجل ، نفسح لك في الأجل ، فإن كان عنده مال سلم لهم وإلا رضي بهذا، فإذا كانت القيمة مثلاً مائة ريال ، قالوا نؤجلك أيضاً ستة أشهر أو عشرة أشهر تكون المائة مائة وعشرين مائة وثلاثين هذه الزيادة في مقابل الأجل الجديد، وهذا معنى: إما أن تربي وإما أن تقضي، تُربي يعني تقبل الزيادة، تعطينا الزيادة وهي الربا، وإما أن تقضينا حقنا الآن، فلما جاء الله بالإسلام نهاهم عن هذا، وخاطبهم النبي في حجة الوداع عليه الصلاة والسلام، وأخبرهم أن الربا موضوع، وأن لكل واحد رأس ماله فقط، وأنزل الله جل وعلا هذه الآيات، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) [البقرة:278-279]، فأمرهم سبحانه أن يذروا أي يتركوا ما بقي من الربا لهم في ذمم الناس، ويأخذوا رأس المال، فإذا كانت السلعة بمائة وأمهلوه وزادوا عليه عشرين يتركوا له العشرين، أو ثلاثين يتركوا الثلاثين يأخذوا رأس المال فقط ، والزيادة يتركونها، هذا معنى (وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)، وإذا كانوا قد قبضوا رأس المال، وبقي الربا، يتركونه، ما يأخذون الربا، يكفيهم رأس المال، ثم قال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا)، يعني فإن لم تدعوا الربا، (فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، يعني فاعلموا بحرب، يعني اعلموا أنكم محاربون لله ورسوله، وهذا وعيد عظيم لم يأت مثله بشيء من المعاصي، وهو يدل على عظم جريمة الربا، وأنها جريمة عظيمة وكبيرة عظيمة، ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا، وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: (هم سواء)، فالربا من أقبح الكبائر، وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا)، فجعله الرابع، (وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف)، يعني يوم الحرب، (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، فجعل الربا من السبع الموبقات، يعني المهلكات، ثم قال: "وَإِنْ تُبْتُمْ" يعني من الربا (فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)، يعني لهم رأس المال فقط ، وهو المبلغ الذي بيعت به السلعة إلى أجل، الزيادة تبطل، فإذا كان باع المطية أو السيارة إلى رمضان مثلاً من عام 1411هـ بألف ريال، بعشرة آلاف بخمسين ألف ريال، ثم حل الثمن فإنه يأخذ رأس المال فقط ولا يطلب زيادة، وإن أعسر يُنظره، ولهذا قال: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)، إذا جاء رمضان، قال أنا ما عندي أنا معسر، وثبت إعساره فإنه يمهل بدون زيادة، ولا يأخذ ربا، هذا هو معنى قوله جل وعلا: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) أي إذا تبتم من الربا فلكم رؤوس أموالكم التي عند الناس، ما بعد قبضتموها (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)، يقبض رأس المال، ويترك الربا الزيادة، وإن كان قد قبض رأس المال وبقيت الزيادة يترك الزيادة أفضل له، (لا تَظْلِمُونَ) بأخذ الزيادة، (وَلا تُظْلَمُونَ) بمنعكم من رأس المال، لكم رأس المال، فأنت لا تُظلم بمنعك من رأس مالك، لا، تعطى رأس مالك، وليس لك أن تَظلم أخاك بأخذ الربا، بل لك رأس المال فقط، فإن كان المدين معسراً عاجزاً بالبينة الشرعية فإنه يمهل ولا يطالب بالزيادة، لقوله سبحانه: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) سورة البقرة، إن تصدق عليه وأبرأه فجزاه الله خيراً، هذا طيب، وإلا فالواجب الإنظار إلى ميسرة، يقول: أنا أنظرك إلى ميسرة، والواجب على المدين تقوى الله، إن كان صادقاً في الإعسار فعليه تقوى الله ويتسبب حتى يحضر المال، وإن كان كاذباً فقد ظلم أخاه، فليتق الله وليؤد حقه إذا ادعى الإعسار وهو يكذب. فالمقصود أن المدين عليه أن يتقي الله فإن كان صادقاً في الإعسار وجب إمهاله، وإن ثبت أنه مليء وجب أخذ الحق منه، والحاكم ينظر في ذلك ويعتني، وإذا كان صاحب الدين يعلم أنه معسر فلا حاجة إلى المحكمة، يمهله وينظره، حتى يحصل له اليسر، وإن تصدق عليه وسامحه فقد فعل خيراً كثيراً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سرَّه أن ينفِّس الله عنه كربات يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه)، ينفس أي بإنظاره، أو يضع عنه يعني بالصدقة عليه، وفي الحديث الآخر: (من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله)، وهذا فضل عظيم، فينبغي للمؤمن إذا عرف أن أخاه معسر المدين أن ينظره أو يسامحه بالدين كله أو بعضه، يرجو ما عند الله من المثوبة.
    وقد حرمت السنة النبوية الربا وذكرت أن الربا أشد من 36 زنية ، والمرابى يسمى مصاص الدماء.
    يقول الدكتور أبو سريع عبد الهادى:"إن الحل الإسلامى لمشكلة الربا يتحقق فى الأمور الآتية:"1- الزكاة ؛ حيث يبارك الله فى المال المزكى عنه أما الربا فيمحقه.
2- العمل:حث الإسلام على العمل مهما كان ضعيفا وقرنه بالإيمان فى كثير من الآيات القرآنية بشرط أن يكون فى شئ مباح.
3- تحريم الرشوة والاستغلال والاختلاس حتى لا تضيع مصالح الناس وحاجياتهم.
4- القرض الحسن:حث الإسلام عليه حتى تسود المجتمع المحبة والتعاون.
5- البنوك:الفوائد التى تمنحها البنوك حرام لأنها ثابتة ومحددة أما البنوك التى تقوم على المضاربة ، وهى المشاركة فى الربح والخسارة فهذا هو العلاج الذى أمر به الإسلام فى هذا الأمر كبنك فيصل الإسلامى والمصرف الإسلامى الدولى وغيرهما.

وهكذا يتضح أن الإسلام فيه علاج ناجع لمشاكل العالم الحديثة التى عجزت جميع الأنظمة العالمية فى حلها ، وهذا هو ماقاله برنارد شو:إن محمدا عليه السلام لو كان يحيا بيننا الآن لحل مشاكل العالم فى خمس دقائق وهو يحتسى قدحا من القهوة. ولو تولى العالم الأوربي رجل مثل محمد لشفاه من علله كافة ما أحوج العالم اليوم إلى رجل كمحمد يحل مشاكل العالم!."
نرمين كحيلة



السبت، 15 أكتوبر 2011

مصر بين ناقة عمرو ومطالب المعتصمين

  كان أوّل من جبى خراج مصر في الإسلام عمرو بن العاص رضي اللّه عنه فكانت جبايته اثني عشر ألف ألف (اثنى عشر مليونا) دينارًا بفريضة دينارين من كل رجل ثم جبى عبد الله بن سعد بن أبي السرح خراج مصر أربعة عشر ألف ألف (اربعة عشر مليونا) دينارًا فقال عثمان بن عفان رضي اللّه عنه لعمرو بن العاص‏:‏ "يا أبا عبد اللّه درَّت اللقحة بأكثر من درِّها الأوّل" فقال‏:‏ "أضررتم بولدها"
   أى أن الخليفة عثمان رضى الله عنه يشبِّه مصر بالناقة التى كانت تدر لبنها فى عهد عبد الله بن أبى السرح بأكثر مما كانت تدرِّه فى عهد عمرو بن العاص ولكن عمرو رد عليه بأنه لكى تدر الناقة أكثر تم تجويع أولادها أى أنه تم حلب لبنها كله ولم يتبقَ لأولادها شيئا.
وهذا هو ما يحدث الآن فالكل يريد أن يحلب مصر ليمتص لبنها وخيرها كله دون النظر لحالتها الاقتصادية المتردية نتيجة سلبها ونهبها لمدة سنوات عديدة تم استنزافها بلا رحمة فكل فئة تريد أن تحصل على حقوقها بطريقة فورية وكل يوم نرى اعتصامات وقطع طرق واضرابات ، كل فئة تريد تغليب مصلحتها الشخصية على مصلحة الوطن والمجتمع كله.
    إن حالنا كحال صائم ظل صائما اليوم كله ثم شعر بالجوع قبيل آذان المغرب بخمس دقائق فأفطر وأضاع ثواب يوما كاملا من الصيام بسبب تعجله وعدم صبره.
   يقول الدكتور أحمد عكاشة – أستاذ الطب النفسى - : "إن هذه المظاهرات الفئوية تشوه صورة الشعب المصرى وتظهره بمظهر سئ ، فمن أين تأتى الدولة بزيادة المرتبات فى ظل الحالة الاقتصادية الصعبة ومع توقف عجلة الانتاج فى كل المجالات؟ فالكل مضرب ومعتصم ؟ كما أنهم يطلبون الزيادة من المجلس العسكرى الذى هو مؤقت وليس من سلطته تلبية مطالب الشعب بل هو مجرد سفينة انقاذ تنقل البلاد لبر الأمان".. ويستطرد الدكتور عكاشة فيقول:"إن على المجلس العسكرى أن يخرج إلى الناس ويخبرهم أنه لن يزيد مرتب أحد وأنهم عليهم العمل بجد واجتهاد بدلا من الاضراب حتى تخرج مصر من هذه الكبوة".
   ولا بد أن يخرج رجال الدين للناس ويفتون بحرمة قطع الطريق لأن الغاية لا تبرر الوسيلة..ولابد من التعامل مع هذا الأمر بحسم شديد وإصدار قانون يجرم قطع الطريق والمظاهرات الفئوية حتى لو اضطررنا لتطبيق حد الحرابة.
نرمين كحيلة

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

حكمة الاختلاف

لنا فى قصة موسى عليه السلام مع الخضردروسا عظيمة مستفادة فنلاحظ أن موسى عليه السلام كان يعتقد اعتقادًا راسخا أن الخضر مخطئ حين قتل الغلام وخرق السفينة وأقام الجدار للغلامين اليتيمين وبناءً عليه كان سيدنا موسى عليه السلام يرى نفسه على حق وغيره (الخضر) على باطل ولذلك فقد قال له حين رآه يخرق السفينة "أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرًا"(الكهف 71) أى شيئا عظيمًا أى أنه أنكر عليه فعله وبالتأكيد كان موسى عليه السلام يقولها بغضب وانفعال رغم أننا لا نشك أنه عليه السلام فعل ذلك من باب الشهامة والمروءة والحرص على الفقراء فهو يريد لهم الخير ولا يريد لهم الغرق لكن أسلوبه فى الاعتراض خاصة وأنه لا يعرف الحكمة من وراء ذلك دفعه إلى إنكار ما رآه مما دفع الخضر إلى معاتبة موسى وقال له:ألم أقل لك أنك لن تستطيع معى صبرا"(الكهف 72) فخجل موسى من نفسه لأنه تسرع ولم يصبر كما وعد واعتذر وقال:"لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا"
    وبعد ذلك بقليل وجد موسى الخضر يقتل ولدا صغيرا بدون ذنب فقال له بنفس نبرة الانفعال والغيظ والضيق:" أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً" (الكهف:74) "لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا".ً  هذه العبارة أشد من العبارة الأولى. في الأولى قال:{ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمرا }، ولكن هنا قال: { نُكْراً } أي منكراً عظيماً، والفرق بين هذا وهذا، أن خرق السفينة قد يكون به الغرق وقد لا يكون وهذا هو الذي حدث، لم تغرق السفينة، أما قتل النفس فهو منكر حادث ما فيه احتمال.
"قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً" (الكهف:75)
قوله تعالى: { أَلَمْ أَقُلْ لَكَ } هنا فيها لوم أشد على موسى، في الأولى قال: { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ } وفي الثانية قال: { أَلَمْ أَقُلْ لَكَ } يعني كأنك لم تفهم ولن تفهم، ولذلك كان الناس يفرقون بين الجملتين، فلو أنك كلمت شخصاً بشيء وخالفك فتقول في الأول: "ألم أقل إنك"، وفي الثاني تقول: "ألم أقل لك" يعني أن الخطاب ورد عليك وروداً لا خفاء فيه، ومع ذلك خالفت، فكان قول الخضر لموسى في الثانية أشد: { أَلَمْ أَقُلْ لَكَ }، فقال له موسى لما رأى أنه لا عذر له:
  
    قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) (الكهف:76)
قوله تعالى: { إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي } أي امنعني من صحبتك، وفي قول موسى:
(فَلا تُصَاحِبْنِي) إشارة إلى أنه - عليه الصلاة والسلام - يرى أنه أعلى منه منْزِلة وإلاَّ لقال: "إن سألتك عن شيء بعدها فلا أصاحبك".(بعد أن كان يظن سابقا أنه أعلم أهل الأرض بصفته نبى فقد تعلم الدرس أى أنه لا يستخف ولا يستهين بأحد حتى لو كان أقل منه)
" قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً " يعني أنك وصلت إلى حال تُعذَر فيها، لأنه أنكر عليه مرتين مع أن موسى عليه السلام التزم إلاَّ يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكراً.
"فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً")  الكهف:77) هنا تعجب موسى عليه السلام أن الخضر رغم أن القوم رفضوا ان يضيفوهما وبخلوا بخلا شديدا إلا أنه ساعدهم وبنى لهم الجدار الذى كان آيلا للسقوط دون أن يأخذ أجرا لقاء ذلك.
قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) (الكهف:78)
قوله تعالى: (قَالَ) أي قال الخضر لموسى: { هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } أي انتهى ما بيني وبينك فلا صحبة. { سَأُنَبِّئُكَ } أي سأخبرك عن قُربٍ قبل المفارقة { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً }، وإنما قلنا: "سأخبرك عن قرب" لأن السين تدل على القرب بخلاف سوف، وهي أيضاً تفيد مع القرب التحقيق.
(بِتَأْوِيل ) أي بتفسيره وبيان وجهه.
إذن نستطيع أن نستخلص من هذه القصة أن موسى عليه السلام فقد فرصة عظيمة منحها الله له وهى فرصة أن يتعلم من هذا الرجل الصالح عن طريق مصاحبته وذلك لأنه اتهمه بأنه مخطئ ونستطيع أن نستنتج من كلام سيدنا موسى أنه ندم لأنه ضيع من يده تلك الفرصة بتسرعه فى الحكم على الآخرين بأن رأيهم أو تصرفهم خاطئ.  قبل أن يعرف الحكمة من وراء ذلك..وهذا ما نفعله نحن الآن حيث يتهم بعضنا بعضا بالجهل وعدم الفهم قبل أن نستمع للرأى الاخر فربما يكون صحيحا ونضيع على أنفسنا فرصة الاستفادة من آراء الآخرين.
وقد سمح النبى صلى الله عله وسلم نفسه بالاختلاف حين كانوا فى إحدى الغزوات مع يهود بنى قريظة فقال لهم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا فى بنى قريظة" ففهم بعض المسلمين قول النبى عليه السلام أنه يقصد فعلا المعنى الحرفى للكلمة بأنه يجب أن يصلى العصر فى بنى قريظة فأرجأ الصلاة حتى ذهب إلى هناك ثم صلى ، أما البعض الآخر ففهم كلام النبى صلى الله عليه وسلم أنه مجازى لا يقصد المعنى الحرفى له ولكنه يقصد السرعة فى الذهاب فصلوا قبل أن يرحلوا ثم أسرعوا بعد الصلاة إلى هناك.. وعندما قابلوا الرسول عليه السلام حكوا له ما حدث فأقر المجموعتين ولم يعترض على أحد ولم يقل لأحد أنت مخطئ أنت لم تفهم كلامى أو كيف لم تنفذ أوامرى ؟ وهذا يدل على جواز تعدد الفهم والاختلاف طالما فى الخير.. فلا يصح لمن يقول أن النقاب أو اللحية فرض أن يفرض رأيه وفهمه على الآخر والعكس لأن مشيئة الله الاختلاف ألس الله بقادر على يجعل النبى صلى الله عليه وسلم يقول إن النقاب أو اللحية فرض بصريح العبارة ؟ وإلا فلماذا ظهرت المذاهب المتعددة من شافعى وحنبلى وحنفى ومالكى وظاهرى وغيرها كثير ؟ لو كان الحق له وجه واحد لكان هناك مذهب واحد فقط ..ولننظر مثلا لاختلاف الليل والنهار واختلاف الفصول الاربعة بل إن أصابعنا نفسها مختلفة وألواننا وجنسياتنا وألسنتنا"إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ".."واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذلك لآيات للعالمين"، "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" والحكمة تقول:"لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع" يعنى الاختلاف هو إرادة الله ومشيئته أليس الله قادرا على أن يجعل الناس كلهم يفكرون بنفس الطريقة ويفهمون نفس الفهم؟ لكنه لايريد ذلك هو لا يريد ماءً راكدا بل يريد ماءً متجددا ، فالاختلاف فيه إثراء للحياة وتنوع جميل.


نرمين كحيلة

الجمعة، 9 سبتمبر 2011

الحاكم أولا

    عجبت لمن ينادى بالدستور أولا أو انتخابات مجلسى الشعب والشورى أولا قبل انتخابات الرئاسة فمن أولى المشاكل التى تواجهنا الآن هى اختيار رئيس على وجه السرعة ينقذ البلاد والعباد من حالة الفوضى والبلطجة التى نعيشها الآن ولا اعرف لماذا يتأخر المجلس العسكرى فى إجراء انتخابات رئاسية سريعة ؟ فقد اجتمع المسلمون بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم فى سقيفة بنى ساعدة ليختاروا لهم خليفة قبل أن يدفنوا النبى صلى الله عليه وسلم وذلك لعلمهم بأهمية تنصيب إمام للمسلمين تفوق أهمية دفن النبى عليه السلام لما يمكن أن يحدث من فتنة وفساد فى الأرض إذا بقيت الأمة بدون حاكم لأنه بدون حاكم أو رئيس تحدث فوضى عارمة كما هو الحال الآن..ولنتأمل موقف الصحابة رضوان الله عليهم جيدا فهم اختاروا أبا بكر باقصى سرعة ومنها استنتج العلماء أن سرعة تنصيب حاكم للمسلمين أمر فى منتهى الأهمية وهو ما جعل أبو بكر رضى الله عنه يختار عمر بن الخطاب ويوصى له بالخلافة من بعده قبل وفاته خشية تكرار حدوث خلاف بين المسلمين كما حدث بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم ، ودعا الله وأشهده أنه ما فعل ذلك إلا لمصلحة المسلمين وتجنيبهم شر الفتنة والخلاف ، وكذلك فعل عمر بن الخطاب حين قام بترشيح ستة من الصحابة ليختاروا من بينهم واحدا يكون هو الخليفة فاختاروا عثمان ، أما على بن أبى طالب كرم الله وجهه فقد تولى فى اليوم التالى لمقتل عثمان..بل إن قطز- قاهر التتار- حين قتله بيبرس كان أهم ما يشغل باله وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة هو مصير المسلمين من بعده ومصير مصر والمصريين فأوصى لبيبرس بولاية مصر من بعده وأمر الناس بالسمع له والطاعة حتى لا تقع فريسة بين فكى أعدائها فهناك شئ اسمه فقه الأولويات.. وقياسًا على ذلك كان يجب اختيار رئيسا لمصر فى نفس الأسبوع الذى تم فيه خلع الرئيس السابق وعدم الانتظار إلى شهر سبتمبر أو شهورا أخرى.
نرمين كحيلة