الجمعة، 12 نوفمبر 2010

ليالى الأنس فى أسوان (الحلقة الثالثة)

      استقبلت عائلتى صديقتى "آنيت" بالحفاوة والتكريم وحسن الضيافة ، وشعرت أنها بين أهلها بل إن أسرتها لا تتمتع بهذا الدفء والحنان حيث أن الأسر فى أوروبا مفككة ولا يعرفون مفهوم صلة الرحم وبر الوالدين ، ولذلك فقد رأت نمطا ًغريبا ًمن الحياة والناس لم تعتدهم من قبل ، وقلت لها أنها ستقضى اليوم معنا ، فسألتنى إلى أين نحن ذاهبون ؟ فأجبتها لمنزل الزوجية الجديد لفرش الشقة ، وحينما وصلنا استقبلنا  العريس وأهله استقبالا ًحافلا ً مثل استقبال الفاتحين العظام ومما لفت نظر صديقتى هو الكم الهائل من القبلات التى كانت تنهال علينا من جميع الأشخاص الموجودين والذين كان يقدر عددهم بما يقرب من الخمسين شخصا ً، وكان هذا شيئًا مرهقًا بالطبع خاصة بعد أن أخبرتها أن من عادة أهل أسوان أن يقبلوا ضيوفهم أربع قبلات وأحياناً خمسة وأن هذا إن دل على شئ فإنما يدل على الحب الصادق.

    ووجدتها فرصتى الذهبية لكى أقول لها ان الإسلام يعتبر الناس كلهم إخوة لذلك فمن الطبيعى أن تقابل أحدا ً لا تعرفه فى الشارع ثم تلقى عليه التحية وقد سألتنى بشغف عن جملة سمعتها من أفواهنا جميعا ًولم تفهم معناها وهى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فشرحت لها أن ديننا هو دين السلام وتحيته السلام ..وبدأت تسمع أغانى الأفراح التراثية الجميلة ثم شاركتنا فى فرش المنزل وهى سعيدة وبدأت اشرح لها كل شئ فى منزل العروس المصرية وقلت لها أن الزواج فى مصرهوحدث تاريخى هام جدا ً فى حياة الإنسان لذلك فنحن نهتم به كثيرا ً وأن الفراعنة كانوا أكثر شعوب الأرض تقديسا ً للحياة الزوجية وكانت أغلى أمنية لدى المصرى القديم عندما يغترب عن وطنه هو أن يعود إلى بلاده ليحتضن أولاده ويقبل زوجته وهذا ما تؤيده مئات التماثيل والصور والنقوش حيث مثلت الأسرة المصرية فى جميع أوضاعها:الأب والأم والأولاد وأخذنا نعقد مقارنات طريفة بين الزواج فى الشرق والغرب..وأخذ إخوة العريس ينهالون علينا بوابل من الطعام والشراب ويبدو أن طريقة تعبيرهم عن الحب هو الإغداق بسخاء على من يحبونه بهذا الكم الهائل من الطعام.
    
     وبعد انتهاء الفرش اصطحبت صديقتى إلى الفندق ثم تمنيت لها ليلة سعيدة ، ونوما ً هادئا ً، وفى اليوم التالى ذهبت إليها فى تمام الساعة الثانية عشرة صباحاً وكان هذا اليوم يسمى ليلة الحنة وعندما وصلنا إلى المنزل كانت سيدة أسوانية منقبة قد أتت إلى منزلنا وبدأت عملها فى همة ونشاط ألا وهو الرسم بالحنة على جسد العروس. وهذا تقليد هام جدا ً فى حياة أهالى أسوان لا يمكن الاستغناء عنه قبل يوم الزفاف. وعلمت أن جميع أقارب العروس وصديقاتها لابد أن يرسمن بالحنة على أجسادهن ، فحاولت الاعتذار عن ذلك فلم أفلح وسلمت جسدى لتلك المرأة ترسم ما يروق لها من رسومات ثم رسمت صديقتى هى الأخرى وكانت سعيدة جدا ًبهذا. ثم بدأت العروس ترقص على تصفيق الحاضرات من أقربائها وطلبت من صديقتى أن تشاركنا الرقص الشرقى الذى يميز الفتيات المصريات لكنها اعتذرت وقالت أنها لا تعرف كيف تهز وسطها ووسط إلحاح الجميع رقصت رقصا ً إيقاعيا ً بسيطا ً.
وإلى اللقاء فى الحلقة القادمة ،،،،،                                 
                              نرمين كحيلة    

ليالى الأنس فى أسوان (الحلقة الثانية)

     وصلنا إلى الشقة المفروشة التى أجرها لنا خطيب أختى ، وكانت واسعة وذات إمكانيات معقولة ، كانت الساعة الثانية عشر ظهرا ًوكانت هذه هى المرة الأولى التى تجتمع فيها عائلتنا بأغلبية أفرادها على مائدة الإفطار ، نأكل سويا ً ونجلس سوياً  وننام سويا ً وأحسست لأول مرة منذ سنين بالدفء الأسرى والذى حرمت منه معظم الأسر المصرية فى السنوات الأخيرة فقد فرقت مشاكل الحياة وأشغالها بين أفراد الأسرة الواحدة أو لعل تخلينا كمجتمع إسلامى عن صلة الرحم هو ما جعل هذا هو حالنا.
    
    حضر أقارب العريس ومعهم أصناف شتى من المأكولات والمشروبات ، هى طعام الغداء قد تم طهيها فى منزل الخطيب ، وساعتها علمت كم أن أهل أسوان كرماء.. وفى المساء حضر العريس لاصطحابنا إلى مكتب المأذون لعقد القران وكان هذا الحدث جلل فقد ازدحمت الغرفة برجال ونساء وأطفال جاءوا ليشهدوا الحدث العظيم ، وهو اقتران حياة شخصين إلى الأبد بكلمة الله. وبعد انتهاء الاجراءات الرسمية ذهبنا إلى مسجد الطابية وهو أشهر وأكبر مسجد فى أسوان حيث يزدان بزخارف إسلامية رائعة وتتدلى منه قناديل جميلة وتم إعلان الصيغة الشفوية لعقد القران ، وكنا نسترق السمع من خلف الحاجز الذى يفصل بيننا وبين الرجال ونحاول أن نختلس نظرة من هنا أو هناك لنحظى برؤية هذا المشهد العظيم ساعتها انطلقت الزغاريد تدوى فى كل مكان بالمسجد وتم توزيع العصائر والشيكولاتة والحلويات وكانت الفرحة تكلل كل الوجوه والبسمة ترتسم على كل الشفاه.

     وحصلت فى ذلك اليوم على لقب أخت العروس وهو لقب هام جدا ً فى مصر وهو تكليف وليس تشريفًا حيث يحتم هذا اللقب على صاحبته أن تقوم بدور كبير بالنسبة للعروس فهو مسؤولية كبيرة ، وكنت محور اهتمام الجميع حيث كانت كل امرأة تنظر لى بابتسامة وهى تقول: أنتِ أخت العروس ؟ فأبادلها الابتسامة وأنا أقول:"نعم". فتقول:"عقبالك".وكان الجميع يطالبنى بقرص شقيقتى فى ركبتها لكى أحصِّلها فى جمعتها ولكنى كنت أبتسم وأقول أننى لا أتعجل أمرا ً قد قدره الله لى قبل أن أولد وأن كل شئ بميعاد.
    وفى اليوم التالى حضرت صديقتى الألمانية "آنيت" وذهبت لاستقبالها فى مرسى جزيرة فندق إيزيس فجاءتنى عائمة فى قارب وما لبثت حين لمحتنى على البعد أن لوحت لى بيدها وهى تبتسم ابتسامة كبرى ، وكذلك بادلتها التحية بدورى ، وتقابلنا بعد ثلاثة أشهر من افتراقنا وتبادلنا القبلات والأشواق ثم اصطحبتها إلى منزل أسرتى.

   وإلى اللقاء فى الحلقة القادمة ،،،،،
                      نرمين كحيلة

ليالى الأنس فى أسوان (الحلقة الأولى)

      كان السفر إلى الأقصر وأسوان حلما ً يداعب خيالى منذ نعومة أظفارى ، وقد واتتنى الفرصة لأول مرة حين كنت طالبة بالثانوية العامة مع رحلة مدرسية. كان القطار عاديًا وليس قطار نوم ، يقطع طريقه فى 24 ساعة كاملة ، وركبنا فى الدرجة الثالثة ذات المقاعد غير المريحة ، ثم بدأت البنات ينشدن أغنية"يا وابور الساعة 12 يا اللى مسافر على الصعيد خد منى سلام وتحية وروح لحبيبى فى يوم العيد". ومضى الوقت علينا طويلا كئيبا ونحن فى داخل هذا التابوت المظلم ، ثم جاء الليل بغيضا علينا ونحن له مستسلمون ، ونام كل من فى القطار ، أما أنا فلم أذق طعم النوم قط ، حاولت كثيرًا دون جدوى ، كان على أن أنام وأنا جالسة فى مكانى فليس هناك مكان للنوم. ثم أطفئت الأنوار وغطى القطار كله ظلام دامس وسكون موحش وأنا فى ركن من القطار أقول سرا ً:
         "أيا أيها الليل الطويل ألا انجلى              بصبح وما الإصباح منك بأمثل" 

    وظللت هكذا أتخبط بين ضلوع هذا القطار اللعين وكأننى يونس فى بطن الحوت..لقد كتب علينا أن نظل بداخل هذا التابوت شبه أموات وظللت جالسة تارة القرفصاء وتارة مستندة إلى ظهر الكرسى ولكن هذه الجلسة المتعبة وعدم النوم ما كان يصبرنى عليها غيرشوقى إلى بلاد عشقتها قبل رؤيتها فمتى أصل إليك يا بلاد الحق يا مهد الألى عشقوا الحق وصلوا للجمال إننى أتحمل رحلة شاقة رحلة عذاب بحق تكبدت فيها الآلام من أجلك. إننى أسمع صوت حتشبسوت من وراء معبد الكرنك ، إنها تعرفنى وأنا أعرفها وأسمع صوت رمسيس من وراء معبد أبو سمبل ومعبد كلابشة. إننى آتية يا نفرتارى. انتظرونى كلكم.

      سمعت صوت المشرفات يتحدثن همسا إلى بعضهن البعض بأن القطار ربما يصطدم بقطار آخر فى هذا الظلام الدامس . زاد الخوف فى قلبى .. نظرت إلى رفيقات الرحلة فإذا بهن نيام كالموتى ، أما أنا وحدى أنا لم يغمض لى جفن . ألا تأتى لى أيها النوم كما أتيت للجميع ؟ أم أنك تضن على ببعض سويعات حتى الصباح؟ لا فائدة . تطلعت ببصرى نحو النافذة فرأيت بصيصًا من النور يأتى من هناك .. نظرت إلى ساعتى أرجوها أن تسرع وأن تأتى بالنهار ، مضت ساعات الليل كأنها دهور طويلة . قفز النوم إلى عينى أخيرًا لكنى لم أستطع النوم فى وضع الجلوس بهذا الشكل.. وأخيرًا لاحت فى الأفق خيوط الفجر فاشرأب رأسى كأنه ينتظر حبيب غائب.

    أما المرة الثانية التى أعتبر نفسى فيها محظوظة فهى مناسبة زواج أختى فقد سافرت مع أسرتى لعقد القران والزفاف هناك..وقد ركبنا قطار النوم المتجه من القاهرة إلى أسوان وكان ذلك فى تمام الساعة التاسعة مساءً ، كان القطار من الداخل فاخرا ً ومقاعده وثيرة ، وبعد ساعة كاملة بدأ القطار فى التحرك وبدأنا ننشد أغنية فريد الأطرش:" يامجبل يوم وليلة اطوى السكة الطويلة ودينى بلد المحبوب" وما هى إلا دقائق معدودة حتى جاء عامل القطار وأحضر لنا وجبة العشاء ، وبعد أن انتهينا من الطعام فرشوا لنا الأسِرَّة ثم تمنوا لنا ليلة هادئة وأحلاما ً سعيدة.
  
    ورغم أن السرير مريح إلا أننى لم أذق طعم النوم أيضا وأبى أن يداعب جفونى ومضى الوقت علينا طويلا ً كئيبا ً وحاولت بشتى الطرق قتل ملل الوقت ورتابته دون جدوى. وألقيت بجسدى على السرير العلوى ورغم ذلك لم يغمض لى جفن ، فذكرنى هذا بأسِرَّة السجون وبعد وقت طويل لاحت تباشير الصباح  فتهللت أساريرى وأحسست أن فرج الله قريب ولم يكن يهون على هذا الطريق الطويل إلا صديقى الذى اصطحبته معى ؛ إنه الكتاب الذى كان رفيقى طوال رحلتى.

    وأخيرا ً وصل القطار إلى أسوان ، وكان هذا هو أسعد خبر يمكن أن أسمعه ، وكان بانتظارنا فى المحطة أقارب خطيب أختى فاستقبلونا بترحاب شديد واصطحبونا إلى المكان الذى سنقيم فيه طوال أيام العرس.

   وإلى اللقاء فى الحلقة القدمة ،،،،،
                                                                                     نرمين كحيلة  

هل اللغة العربية فى طريقها للاندثار؟ (الحلقة الثانية)

   ويقول صاحب محل "بيوتى سنتر" عن سبب هذه التسمية أنه يخشى حدوث لبس لدى الناس فلا يفرقون بينه وبين الكوافير إذا كتب على واجهة محله مركز تجميل ؛ لهذا فقد لجأ للاسم الأجنبى وأضاف أنه فى بيته يمنع أولاده من التحدث بأية لغة أجنبية أو أن ينادونه بكلمة "بابى" أو"دادى" كما أنه أبدى قلقه تجاه اعوجاج الألسنة فى قراءة القرآن بسبب ضعف اللغة العربية وعدم الاهتمام بها وأرجع ذلك إلى انشغال الأسرة عن تأصيل العروبة والدين فى نفوس أبنائها فيترك الآباء أبناءهم فريسة للانترنت والدش وكل وسائل التغريب ، ثم طالب بعودة حصص الخطابة فى المدارس.
    أما محل "بلاك فورست" الذى يترجم فى العربية إلى الغابة السوداء فقد قال صاحبه أنه استوحى ذلك الاسم من اسم قطعة جاتوه يبيعها حيث أنه محل للجاتوهات والحلويات ، كما أنه (من وجهة نظره) اسم شيك.. كل هذا يجعلنا نأسف حقاً إذ ليس هناك لغة أشيك من اللغة العربية - إن جاز لنا التعبير- كما أننا لو تمعنا فحوى الاسم لأدركنا مدى قبحه وليس شياكته فكيف يفكر إنسان عاقل أن يشترى أو يأكل قطعة جاتوه من غابة سوداء مظلمة ؟ فهل هذا جهل باللغة أم عدم اعتزاز بها ؟ وهناك محلات أخرى كثيرة تحمل أسماءً أجنبية مثل كوافير "جولدن فينجرز"(الأصابع الذهبية) ومحل "واى نوت"(لماذا لا ؟) ومحل "فاست بريك" (الافطار) ومحل "رهف" لبيع الطرح للمحجبات الذى دفعنى فضولى لدخوله فسألت العاملة به: أتعرفين ما معنى كلمة رهف ؟ قالت: هو اسم جميل لكنى لا أعرف معناه فقلت لها:هى كلمة عبرية تعنى تنين متوحش صارع الرب قبل بدء الخليقة وهو مذكور بالتوراة ، فتعجبت الفتاة وقالت أنها سوف تطلب من صاحب المحل أن يغير هذا الاسم القبيح.
   وعلى واجهات المحلات أصبح مصطلح "كوافير" حالياً يحل محل كلمة "مزين" قديماً التى كانت تحمل معنى أجمل كثيراً) أو مصفف شعر ، و"سوبر ماركت" بدلاً من سوق أو بقالة ، و"جاليرى" بدلاً من معرض وحتى من لديه قط أو كلب يسميه اسماً أجنبياً ، وأسماء معظم المنتجات فى الأسواق أجنبية رغم أنها مصرية وفى الشركات حلت كلمة "مستر وميس" محل كلمة أستاذ وأستاذة وكذلك فى المدارس أصبحنا نقول:"كى جى وان" و"كى جى تو" وعند الانصراف نقول "باى" بدلاً من مع السلامة أو السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    ويقول دكتور حامد عونى-الأستاذ الأسبق بكلية اللغة العربية أن الله تعالى جعل من سنته أن يكون بين الأمة ولغتها صلة فى الرفعة والانحطاط ، والموت والحياة فكلما ارتقت اللغة ارتقت منزلتها وكلما انحطت الأمة انحطت لغتها ، كذلك تحيا اللغة بحياة الأمة وتموت بموتها ، تلك سنة الله فى خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً. وإذا كان لسان المرء أحد أصغريه المقومين له ونصفه المنضم إلى فؤاده ليكونا وحدته- لسان الفتى نصف ونصف فؤاده- فالأمة كذلك لسانها أحد أصغريها ، ونصفها المتمم لوجودها ؛ ومن ثم ندرك سر عناية الأمم القوية بنشر لغتها وفتح دور العلم وتشجيع الناس-ببذل الجوائز والهدايا- على الاقبال عليها. وهذا معناه أن اللغة عنوان الأمة ، وأن رقيها وامتداد ظلها هو رقى للأمة وامتداد لسلطانها.

    أما الدكتور سيد عبد الغفار – الأستاذ بقسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية -فيقترح أن تسن الدولة قانوناً يمنع أصحاب المحلات وشركات الأدوية من تسمية المحلات والأدوية بأسماء أجنبية فما دام الدواء يصنع فى مصر ومن قبل شركة مصرية فالأولى به هو الاسم العربى ، ويجب توقيع غرامة على المخالفين ، وهناك طفل ما قبل المدرسة يحفظ الكثير من الكلمات الأجنبية ويفرح به أهله حينما يتلفظ بها فلماذا لا نحفظه بيتاً من الشعر العربى البسيط يحوى كلمات عربية كحصيلة لغوية ؟ كما يجب أن نفتح مدرسة تحسين الخطوط التى كانت قائمة من قبل وأغلقت لأن الخط العربى فيه جمال ويجب أن يساهم المجمع اللغوى فى إقامة ندوات عن أهمية اللغة العربية ، وأضاف أن الألفاظ الجديدة بين الشباب أخطر ما يكون على اللغة العربية. صحيح أن كل طائفة لها لغتها يعنى مثلاً فئة الصناع لها لغة وفئة الزراع لها لغة وفئة السباكين والكهربائية لها لغة لكن فئة المثقفين من شباب الجامعات يجب أن يعلوا بشأن اللغة ولا يهدمونها ، فهناك كلمات بذيئة وركيكة ومنفرة مثل كلمة"روش" بمعنى متمشياً مع الموضة وكلمة "طحن" بمعنى جداً وكلمة "ستايل" أى أحدث موضة وكلمة "نيو لوك" أى التغيير إلى شكل جديد وكلمة "احلق له" أى اجعله ينصرف وكلمة "نفض له" تقال للمكبوس و"كبر الجمجمة" أى كن عاقلاً ولا تؤاخذ الناس بافعالهم و"شنكوتى" أى زير نساء....إلخ.

    وقد ساهمت الأغانى الهابطة فى ترويج مثل هذه الكلمات التى يعاف اللسان عن ترديدها. وتعليقاً على كلام الدكتور سيد عبد الغفار فإن الخط العربى يعتبر من أجمل الخطوط فى العالم ويكفى أن نعرف أنه عندما سقطت الأندلس فى يد الأسبان وقاموا بتدمير القصور والمساجد وكل شئ يخص المسلمين كان الرجل يأخذ اللوحات المكتوبة لإعجابه بروعتها وجمالها ويعلقها ببيته وهو لا يعلم أن ما علقه على جدران بيته هو عبارة:"بسم الله الرحمن الرحيم" أو"الله أكبر" أو أية آية قرآنية.

   وهناك صورة أخرى لهدم اللغة العربية والتطاول على معتقداتنا الدينية وهى مصطلحات لو تعمقنا فيها لوجدناها محرمة ومثال ذلك - كما يقول الشيخ مسعد أنور- الحلف بغير الله مثل قولنا: "والنبى" أو "والكعبة" أو "وشرفى"أو "والمصحف الشريف "أو "والنعمة الشريفة" وسب الدين والاستهزاء بالله ورسوله وكتبه فى النكات مثلاً ، فينبغى أن نعلم أن هذه المواضيع لا تصلح مادة للمزاح وأيضاً توجيه اللوم لله عند نزول المصائب وسب القدر الإلهى لأن هناك نوعان من القدر:قدر يصنعه الإنسان لنفسه مثل السرقة والقتل وغيرهما، وقدر يصنعه الله لعباده مثل الموت والرزق.. وقولنا للزرع الذى نبت دون تدخل الإنسان أنه زرع شيطانى بل الصحيح أن نقول:زرع ربانى لأن الشيطان لا يزرع بل الله هو الذى ينبت الزرع.. ومثل قولنا للشخص الذى مات ربنا افتكره وهذا خطأ لأن الله لا ينسى أحداً من عباده حتى يتذكره وقولنا "سأعتمد على الله وعليك" لأن الواو تفيد الندية والأصح أن نقول:سأعتمد على الله ثم عليك لأن كلمة "ثم" تفيد الترتيب والتراخى يعنى الله أولاً ثم الإنسان ثانياً. وهناك مقولات شائعة تدعو إلى التذلل لغير الله والإمعية مثل المثل القائل "إن كان لك عند الكلب حاجة قل له يا سيدى" و"أربط الحمار مطرح ما يعوز صاحبه" وإذا نزلت فى أرض أهلها يعبدون العجل حش وادى له"
والسؤال الآن: إذا كان عبد الملك بن مروان قد عرب الواوين فهل نحن بحاجة لكى نعرب كل حياتنا ؟  
                                                       نرمين كحيلة



هل اللغة العربية فى طريقها للاندثار؟ (الحلقة الأولى)

                  غزو المصطلحات الأجنبية والثقافة الغربية ظاهرة
خطيرة تهدد مجتمعاتنا العربية والاسلامية
 لغتنا العربية يسر لا عسر ونحن نملكها كما كان القدماء يملكونها. هكذا قال طه حسين لكنه لو كان يحيا بيننا الآن لمات كمداً وحسرة لما حدث للغة العربية فى بلادنا ؛ فالدستور ينص على أن اللغة العربية هى اللغة الرسمية فى الدولة وهذا يتضح من اسمها:"جمهورية مصر العربية". ويقول الحديث الشريف:"من أراد أن يدخل الإسلام فليتعلم العربية" فاللغة العربية هى دعامة أساسية من دعائم الإسلام فبها نزل القرآن الكريم وبها كُتِبَ الفقه بجميع مذاهبه وبها يقام الآذان خمس مرات كل يوم ، وهى لغة أهل الجنة ، كما أنها تمتاز على كل لغات العالم بطرافتها وغناها وكثرة مترادفاتها وجمال ألفاظها. فلماذا يسخر المصريون من لغتهم وحضارتهم ؟ نحن الشعب الوحيد الذى يسخر من لغته ؛ فالشعب الألمانى يرفض أن يتحدث بأية لغة غير اللغة الألمانية ، والشعب الفرنسى يرفض أن يتكلم بأية لغة غير الفرنسية ، وكل شعب يعتز بلغته.
    ولقد عمل الاستعمار وأعداء الأمة الاسلامية فى جميع أنحاء الوطن العربى والإسلامى على هدم اللغة العربية ، وسعوا دائماً إلى القضاء عليها وصولاً إلى تحقيق هدفهم الكبير وهو تقويض أركان ديننا وإضعاف قوميتنا وتفتيت وحدتنا ، كما شجعوا الدخلاء على آدابنا ولغتنا كى يحطموا القواعد والأصول والضوابط لها حتى يختلط الأمر على كثير منا فلا نعرف الخطأ الشائع من الصواب المهجور، وانتشر اللحن ، وظهرت الأخطاء فى النطق والكتابة حتى بين المثقفين والكُتَّاب ومحررى الصحف والمجلات ومقدمى نشرات الإذاعة المسموعة والمرئية. وبهذا يكون الاستعمار قد فشل فى احتلالنا عسكرياً ولكنه نجح فى احتلالنا ثقافياً ؛ ففى الجزائر تم طمس الهوية العربية وإحلال اللغة الفرنسية محلها كما فعل ذلك فى دول إفريقية أخرى مثل أوغندة ودول جنوب إفريقيا ، وفى مصر بدأ الغزو الثقافى واللغوى مع قدوم الحملة الفرنسية عام 1798 ثم الاحتلال الإنجليزى عام 1882 ووجود الجاليات الأجنبية المختلفة.
     والتاريخ يشهد بأن مصر كانت دائماً هى البوتقة التى تنصهر فيها كل الثقافات والحضارات ولم تنصهر فى أحد فمثلاً عندما غزاها الهكسوس تمصَّروا ولم يستطيعوا فرض لغتهم وديانتهم على المصريين وهكذا فعل الفرس والليبيون والبطالمة والرومان..نحن الذين علمنا كليوباترا هى وكل الغزاة كيف يكونوا مصريين ، ولكن الأمر اختلف فى العصر الحديث وأصبح من الصعب بل من المستحيل الاحتفاظ بالهوية العربية مع العولمة التى تفرض نفسها الآن بقوة.

     فمن مظاهر الغزو الثقافى أن كثيراً من المحلات والشوارع تحمل أسماءً أجنبية مكتوبة بلغة إنجليزية أو مكتوبة بحروف عربية ولكن نطقها أجنبياً وهذا أسوأ وأضل سبيلاً ، بل إن بعض الآباء والأمهات يتخاطبون مع أبنائهم باللغة الإنجليزية ويتفاخرون بأن لغتهم العربية ضعيفة وأنهم يتحدثون اللغات الأجنبية بطلاقة ويحاولون حشر بعض الكلمات الأجنبية فى كلامهم حتى يقال عنهم أنهم مثقفون ومتحضرون.
    فهل ساهم الإعلام المصرى فى تشويه اللغة العربية وانحدارها ؟ وهل ساهمت المناهج التعليمية فى تخريج جيل جديد من الطلاب لا يعرف شيئاً عن لغته ؟ إن ضعف أبنائنا فى اللغة جعلهم لا يستطيعون فهم القرآن أو حفظه مما نشأ عنه إعوجاجاً فى الألسنة لاتستقيم معه القراءة...إن من يتابع الأفلام القديمة مثل أفلام يوسف وهبى وأمينة رزق وحسين صدقى يلاحظ أن لغة الحوار كانت سليمة وراقية رغم ما بها من ألفاظ أجنبية مثل:"أوتوموبيل"و"فريجيدير"و"منتوفلى" أما الآن فلغة الأفلام والمسلسلات بذيئة ومبتذلة وقد ساهمت السينما والمسرح إلى حد كبير فى تدهور اللغة فمثلاً مسرحية "الواد سيد الشغال" التى قام ببطولتها عادل إمام هناك مشهد فى المسرحية تتم فيه السخرية من اللغة العربية الفصحى بأسلوب يوحى بأنها لغة جافة وقبيحة وذات ألفاظ صعبة وغير مفهومة ، والأمثلة على ذلك كثيرة.

    أيضاً هناك كثير من اللافتات على أبواب المحلات تعلن عن حاجتها لآنسات ذو خبرة وهم لا يعلمون أن كلمة آنسات هى جمع مؤنث سالم وكلمة ذو هى مفرد مذكر ، يعنى أبسط قواعد اللغة لا يعرفونها.. وحتى اللافتات التى تكتب فى الشوارع لإرشاد السائقين والمشاة تكتب بلغة خاطئة. وبسؤال صاحب محل أحذية "برايت شو"(أى الحذاء اللامع) عن سبب تسمية محله بهذا الاسم قال أنه اشترى المحل من سيدة كانت تسميه هذا الاسم وأن السجل التجارى والملف الضريبى يرد بهما هذا الاسم ومن الصعب تغييره لأنه يحتاج لإجراءات طويلة ومعقدة فاضطر لأن يستبقيه كما هو ، وأضاف أن عقدة الخواجة مسيطرة على كل مناحى حياتنا من مأكل وملبس ومشرب وتعليم فلا أحد يشترى منتجات بلده بل يفضلون المستورد ليس لجودته ولكن لمجرد التفاخر بأنه غير مصرى .. ويقسم الرجل أن الصناعة المصرية إذا تم تشجيعها ستتجه نحو الجودة لكن للأسف الثقافة الغربية هى المسيطرة وقال أنه يحب بلده ويتمنى أن تعود لها أصالتها وثقافتها بدلاً من الموضات الغريبة التى انتشرت بين الشباب والملابس الإباحية فالشباب المسلم العربى لم يعد قدوته الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل أصبح قدوته مايكل جاكسون بتسريحة شعره وملابسه وأصبحت أكلته المفضلة هى الهامبورجر الذى لا يسمن ولا يغنى من جوع.

   سألته:إذا افترضنا أن هناك خواجة اشترى محلاً من شخص مسلم يحمل اسم محمد مثلاً فهل سيترك المحل بهذا الاسم أم سيغيره إلى جورج أو جوزيف مثلاً ؟ قال:طبعاً سيغيره بدون شك. قلت:فلماذا نتمسك نحن بالأسماء الأجنبية ؟ قال:الآمال معقودة على الجيل الجديد من الشباب فهو الذى سيعود بنا لثقافتنا الإسلامية ويبدو أن الشعب عندما يتعرض لتدهور اقتصادى وحضارى فإنه يخضع لثقافة من هو أقوى منه حتى لو كانت خاطئة ويحاول تقليدها وبما أن أمريكا هى أقوى دولة الآن فثقافتها هى المسيطرة على العالم كله فمثلاً فى فترة من الفترات كانت الموضة هى المعطف المرسوم على ظهره الصليب وكانت تلاقى إقبالاً كبيراً من الشباب المسلم دون التفكير هل تناسبه تلك الموضة أم لا ؟ وأيضاً تسريحة "كابوريا" تخالف الإسلام فقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن أن يحلق المسلم بعض شعره ويترك بعضه.
وإلى اللقاء فى الحلقة القادمة ،،،،،،
                                                         نرمين كحيلة
  


التنطع فى حياة المسلم

     أنا من أشد المعارضين للعلمانية التى هى فصل الدين عن الدولة والحياة بصفة عامة لأنى أعلم جيداً أنه ليس هناك فصل بين الدين والحياة فقد وضع لنا الإسلام قواعد للنوم والأكل والشرب والزواج و...و....إلخ. ولكن أن يصل الأمر بالناس إلى حد إلصاق كل شئ بالإسلام فهذا أمر لا يقبله عقل ؛ فالمتابع لبرامج الفضائيات يلاحظ مدى التفاهة التى وصلنا إليها والتركيز على سفاسف الأمور فهذه مثلا ً امرأة تسأل: هل يحل لى نتف شعر الوجه والجسم ؟ وهذا رجل يسأل:هل يجوز تحريك الشفايف بالدعاء أثناء الوضوء فى الحمام أم نقول الدعاء سرا ً ؟ وسؤال آخر عن قضية أثارها شخص ما زعم أنه من علماء الدين وأحدثت بلبلة فى نفوس الناس وهى قضية إرضاع الكبير وهناك من يسأل هل لبس اللون الأحمر أو الأصفر حرام أم حلال ؟
  
    إنه من المؤسف حقا ً بل من المحزن فى آن واحد أن تثار قضايا هزلية مثل تلك القضايا فى عصرنا هذا ، أقل ما يقال عنها أنها مضحكة ومثيرة للاشمئزاز فى الوقت نفسه !! وأعتقد أن من يسمعنا من غير المسلمين ونحن نثير هذه المسائل التافهة لا يسعه إلا أن يضحك ويقع على الأرض من شدة الضحك ، ففى عصر كعصرنا هذا وكل هذه التحديات تواجه المسلمين فى شتى بقاع الأرض من مشرقها إلى مغربها وهذا الهجوم الشرس على الإسلام والأعداء الذين يتربصون بنا فى كل مكان ويحتلون بلادنا مازلنا نناقش هذه الأمور المضحكة تاركين ما هو أهم وأنفع للمسلمين لنصرة دينهم والارتقاء بأمور دنياهم..ولا أستبعد أن يأتى اليوم الذى يسأل فيه مسلم عن رأى الإسلام فى البامية باللحم الضانى وهل يجوز أكلها مع المعكرونة أم أنها أفضل مع الأرز؟ أو أن يسأل آخر ما رأى الإسلام فى أكل الفول فى الفطور؟ وهل يستحب أكل الطعمية معه مع العيش البلدى أم الفينو؟ وهذا ما جعل بعض الجماعات الإسلامية فى يوم من الأيام تتعرض لفتوى عجيبة وهى أن أكل الخيار حرام لأنه من الممكن أن يستغل فى شئ آخر محرم وأن ركوب السيارة بدعة لأنها لم ترد عن الرسول صلى الله عليه وسلم.....إلخ.

     إن الإسلام أكبر وأجل من ذلك بكثير فإن كان قد وضع لنا قواعد عامة للباس الرجل والمرأة وهو أن يكون فضفاضا ً يستر العورة فقد ترك لنا اختيار الألوان والموديلات حسب ذوق كل مسلم ولم يفرض شكلا ً معينا ً أو زيا ً موحدا ً وهذا الأمر يسرى فى جميع مناحى حياتنا ؛ فمثلا ً عندما طالبتنا السنة الشريفة ببعض الأدعية المستحبة قبل النوم وطريقة النوم نفسها على الشق الأيمن من الجسد لم تحدد لنا نوع السرير الذى ننام عليه أو المرتبة أن تكون قطنا أو اسفنج وهل لابد أن نرتدى أثناء النوم بيجامة أم قفطان أم قميص نوم بل ترك لنا الدين مساحة من الحرية حتى لا نشعر أننا فى معسكر فى الجيش أو نختننق من كثرة الأوامر الدينية ، وكذلك عندما قال لنا الشارع:"حرمت عليكم الخبائث " و"أحلت لكم الطيبات" وضع القاعدة العامة ثم ترك لنا التمييز بين ماهو خبيث وما هو طيب فمثلا ً السجائر كيف يمكن تصنيفها ؟ هل هى من الخبائث أم من الطيبات ؟ لقد قال الطب والعلم أنها من الخبائث وتسبب أمراضا ً وتؤدى إلى الوفاة وبذلك يتضح لكل ذى عينين أن السجائر محرمة تحريما ً قطعيا ً ولا يحتاج أى مسلم بعد ذلك أن يسأل المفتى أو شيخ الأزهر عن حرمة السجائر إذ أنها شئ بديهى يستطيع المسلم الوصول إليه بالمنطق إذا كان لديه عقل سليم ، ولا يصح بعد ذلك أن يجادل أى مسلم فى السجائر هل هى مكروهة أم محرمة ؟ وهكذا نستطيع أن نفعل فى كل مناحى حياتنا دون أن نعرض أنفسنا لأن نكون أضحوكة ومحل سخرية الجميع على مرأى ومسمع من الفضائيات وملايين الناس يشاهدوننا ويشاهدون الإنحدار الذى وصلنا إليه.

    ولقد صدق العقاد حين قال أن التفكير فريضة إسلامية ، وألف كتابا ً فى ذلك  مطالبا كل مسلم بالتفكير واستخدام العقل وإلا أصبحنا مثل الأقوام الذين دخلوا النار أفواجا ً فسألتهم الملائكة: ألم يأتكم نذير؟ قالوا:.....لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير. وهذا معناه أن عدم استخدام هؤلاء القوم لعقولهم أوردهم جهنم وبئس المصير.

    وهذا ما فعله بنو إسرائيل حين طلب منهم سيدنا موسى أن يذبحوا بقرة فأخذوا يسألون عن لونها وشكلها و..و...و..فحينما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم.. يقول المفسرون:ولو أنهم ذبحوا أية بقرة لأجزأت أى لقبلها الله منهم ، ولذا فإن النبى الكريم يقول:"لا تشددوا فيشدد الله عليكم....ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه."

       ومثلا ً هناك من يسأل هل عيد الأم بدعة أم يجوز الاحتفال به ؟ وهل الاحتفال بعيد الميلاد يجوز؟ إن عيد الأم هو عيد اجتماعى ليس له علاقة بالدين أساسا ً أو مناسكه أو شعائره فلا يصح أصلا ً مناقشة هذا الموضوع من الوجهة الدينية إلا إذا كان يتعارض تعارضا ً صارخا ً مع مبادئ الدين أو صلب العقيدة. ولنا أن نلاحظ أن الإسلام حين جاء لم ينه الناس عن الاحتفال بأعيادهم الاجتماعية أو ممارسة عاداتهم وتقاليدهم طالما لا تتعارض مع الإسلام فى شئ ؛ يعنى مثلا ً إذا دخل الإسلام بلدا ً معينا ً كفارس أو الهند أو مصر وكان القوم يحتفلون بجلوس ملكهم على العرش فهل يحرم الإسلام ذلك ؟ بالطبع لا. أو إذا كان القوم يحتفلون بسبوع المولود ابتهاجا ً منهم بقدومه وشكرًا لله على نعمه فهل يحرم الإسلام ذلك ؟ من المؤكد لا ؟ أما الحديث الشريف الذى يقول:"الإسلام يهدم ما قبله" فهذا معناه أن ما قبل الإسلام من الذنوب والخطايا مغفور بإذن الله فعندما جاء عمرو بن العاص ليعلن إسلامه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم قبض عمرو يده وقال:أسلم بشرط أن تغفر خطاياي فقال له النبى صلى الله عليه وسلم:"يا عمرو إن الإسلام يهدم ما قبله". ولكن بعض المغرضين فهموا هذا الحديث على أن الإسلام يلغى كل عادات وتقاليد الشعوب حتى وإن كانت حلالا ًوهذا غير صحيح ولىّ لعنق الحقائق....لقد نهانا الرسول عن التشدد والتنطع والتفكير فى سفاسف الأمور وقال:"هلك المتنطعون" أى المتشددون ؛ ويقول الإمام الغزالى – رحمه الله – أن مثل المسلم الذى يشدد على نفسه ويأخذ بأشد الفتاوى مثل الرجل الذى يشترى من محل غالى الثمن بينما لديه محلات أخرى رخيصة تبيع نفس السلعة ، فهل نحن منتهون؟؟؟!!


                                                           نرمين كحيلة

عباد الرحمن

    هم عباد اختصهم الله بحبه واصطفاهم .. كما يقول الأب لابنه على سبيل المثال ولله المثل الأعلى:"أنت ابنى" أى أنه يتشرف ببنوته لأنه بار بأبيه دون بقية أبنائه. وهو لقب تشريفى لعباد الله الطائعين فقد وصف الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى سورة الإسراء قائلا:"سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى" ووصف العديد من أنبيائه بهذه الصفة فقال:" وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ" (17 سورة ص) كلمة ذا الأيد أى أن الله قد جمع له قوة القلب وقوة البدن في الطاعة ، الإنسان أحيانا يكون عنده رغبة في الطاعة لكن الكسل يمنعه أو المرض أو إرهاق العمل ، فالرغبة لا يطيقها البدن، وأحيانا يكون في الإنسان عافية وقدرة ولكن يمنعه النوم ، فلا يقوم الليل ، فاجتمع في داود قوة القلب على الطاعة وقوة البدن وهذا من أفضال الله جل وعلا على عباده. أما أيوب عليه السلام فوصفه الله بالعبودية فقال: "واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب" (سورة ص 41-42) أي وجعلناه في ذلك قدوة لئلا يظن أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وإبتلائه لعباده بما يشاء وله الحكمة البالغة في ذلك .

    وأى شخص يستطيع أن يحظى بشرف العبودية لله إذا أحب فالشاعر يقول:
ومما زادنى فخرا وتيها                                   وكدت يإخمصى أطأ الثريا
دخولى تحت قولك يا عبادى                                وأن سيرت أحمد لى نبيا
يعنى الشاعر يفتخر بعبوديته لله ، أما كيف تحقق أنت عزيزى القارئ هذه العبودية فهذا أمر سهل جدا وليس قاصرا على الأنبياء فتستطيع أن تتحلى بصفات عباد الرحمن وبمجرد تحليك بها فقد دخلت فى زمرة عباد الرحمن وهنيئا لك بتلك المنزلة. فقد كنت يوما أسير فى الشارع فتعثرت بفتاة فاعتذرت لها فلم تقبل اعتذارى وظلت تشتمنى بأقبح الشتائم وتذكرت على الفور أن عباد الرحمن إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا ووجدتها فرصة ذهبية لكى أصبح من عباد الرحمن المذكورين فى الآية فلم أرد عليها بل تركتها وانصرفت فمشت ورائى وظلت تمطرنى بوابل من الشتائم ما يقرب من العشر دقائق وأنا لا أرد حتى تعبت وملت فانصرفت وأحسست بسعادة غامرة أنى حفظت لسانى وأحسست أنى أصبحت بذلك من عباد الرحمن.

   ولقد حاز عباد الرحمن هذه المنزلة لتمتعهم بصفات معينة أوجزها لنا القرآن الكريم "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ،........"الآيات من 63ــ 67 من سورة الفرقان : بسم الله الرحمن الرحيم (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا {63} وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا {64} وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا {65} إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا {66} وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا.
    
   وجعل الله سبحانه البشارة المطلقة لعباده ، فقال تعالى:" فبشر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" وجعل الأمن المطلق لهم ، فقال تعالى:" ياعبادى لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين" وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة ، وجعل سلطانه على من تولاه وأشرك به ، فقال:" إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين" وقال [ ص: 124 ] إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون .  وقال أيضا:"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى"
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم إحسان العبودية أعلى مراتب الدين وهو الإحسان فقال في حديث جبريل وقد سأله عن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
            نرمين كحيلة