الاثنين، 25 أكتوبر 2010

الثلج الساخن

     الحياة مليئة بقصص أغرب من الخيال وكثيرًا ما تلعب الأقدار والظروف دورًا خطيرًا فى حياة الإنسان..ومن هذه القصص الغريبة التى قامت ببطولتها الأقدار والظروف قصة رجلان عاشا معًا طفولة سعيدة فكانا زميلي دراسة فى مقعد واحد ، يتقاسمان الطعام والشراب لا يفترقان إلا وقت النوم ، وكثيرًا ما كانا يتبادلان الزيارات العائلية ، ويتبادلان حضور أعياد ميلادهما والذهاب للنوادى الصيفية والرحلات المدرسية وممارسة الأنشطة الرياضية..وكانت تجمع بينهما الهوايات المشتركة والطباع المتقاربة.. وظلا هكذا زمنًا ليس بقصير ، إلى أن شاءت الأقدار وفرقتهما الأيام ، حيث تزوج أحدهما بعد أن تخرج فى كلية الحقوق وسافر الآخر ليعمل فى إحدى الدول العربية كمندوب مبيعات حيث لم يكمل تعليمه وترك دراسته فى كلية الحقوق مع صديق عمره..وتدرج الأول فى المناصب وترقى حتى أصبح قاضيًا ذائع الصيت فى العدل واحترام القانون.
    وذات يوم التقى الصديقان من جديد فى ساحة القضاء أحدهما قاضٍ والآخر متهم بالتزوير. وحينما رأى القاضى صديقه يقف ماثلاً بين يديه فى قفص الاتهام تذكر أيام الطفولة الجميلة وأيام الدراسة السعيدة..أفبعد كل هذه الأيام والسنوات يقدر له ان يحكم على صديق طفولته الذى أحبه وبعد فراق دام سنوات طوال حينما يلتقيان يكون فى ساحة القضاء متهمًا والمطلوب منه أن يحكم عليه حكمًا عادلاً جزاء تزويره ؟ فنظر القاضى إلى صديقه طويلا ًيفكر فى أمره وينظر إلى لافتة مكتوب عليها:"الحق فوق كل شئ". ماذا يفعل أتنتصر العاطفة على الحق والضمير والعدل !؟ أم أنه يلتزم بالقسم الذى قطعه على نفسه حين توليته هذا المنصب وينطق بحكم عادل؟ وصديقه المتهم ينظر إليه فى استعطاف وعيناه ترجوانه ألا ينطق بحكم ربما قضى على مستقبله والناس جلوس على المقاعد تنتظر بماذا يحكم على المتهم ؟ ووكيل النيابة يذم فى المتهم ويطالب بأقصى العقوبة وأن تكون عقوبة قاسية جزاء ما ارتكبه من جريمة شنعاء. والقاضى الحائر ينظر إلى كل هذا ثم يطأطئ رأسه حيرة فيتكلم عقله وضميره تارة ويتكلم قلبه وعاطفته تارة أخرى وهو حائر يتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه فى جوفها أو أن كارثة تحدث فتخلصه من هذا الموقف البغيض..ولقد هم بألا يحكم عليه الحكم العادل لولا أن تذكر الآية الكريمة التى تقول:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين". وأحس أنه لو انتصر للصداقة التى تجمعهما فى الدنيا فسيخسرها فى الآخرة حيث قال تعالى:"الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين".

     وفجأة رفع رأسه ثم نطق بالحكم الذى فكر فيه قبل النطق به مرات ومرات مستسلمًا لنداء الضمير الذى كان صوته أعلى من صوت العاطفة وبعد مداولة زملائه كان الحكم: حكمت المحكمة حضوريًا على المتهم بالسجن عشر سنوات مع الشغل والنفاذ..وهكذا انتصر نداء الحق والضمير على نداء القلب وانتهت القصة بإسدال الستار على المتهم عشر سنوات كان خلالها القاضى يذهب إلى بيت صديقه سرًا ويتفقد أحوال أسرته وينفق على بيته وهكذا وجد الحل الذى يريح قلبه كما استراح ضميره.      

                                                                                    نرمين كحيلة



ليست هناك تعليقات: